الأربعاء، نوفمبر 16، 2016

جريمة الأبرياء

نشر بتاريخ :
جريمة الأبرياء

مصطفى العادل


بقلم الطالب: مصطفى العادل
     رجع الشرطي ليلا وصعد الدرجات القليلة إلى بيته، فتح الباب، سلم رداءه العسكري إلى زوجته، طلب من ابنته الشابة أن تساعده في خلع حداءه.
     تاه في التفكير قليلا وكأنه انتقل إلى عالم آخر غير الذي يعيشه في تلك اللحظة، نزلت دمعة  حارة على وجنتيه المشحوبتين، وظهر القلق والحزن يرقصان معا على محياه.

    خرجت زوجته من المطبخ متسائلة:
-هل ترغب في تناول العشاء؟
-هل تسمعني؟ ما بك؟
      وقفت أمامه وكأنه جثة هامدة لا يتكلم، وكأنها يخاطب تمثالا لزوجها الذي دخل هذه الليلة على غير عادته.
-يا رجل. ما بك؟ سبحان الله؟
     وضعت يدها على كتفه وحركته قليلا فاستفاق من غفلته وعاد إلى عالم البيت من جديد، وهو لم يسمع شيئا مما قالته متسائلة قبل لحظات... لم يسمع شيئا، لقد كان قلبه في حوار مطول مع عقله، كانا في مناظرة... كانا في عالم آخر، فلم يبق على ذلك الكرسي إلا جثة شرطي مفتقد لكل الحواس.
-آه...نعم...كنت تائها، معذرة حبيبتي.
-ما بك هذا اليوم؟ أراك مهموما مشطونا !!!
تراخى على كرسيه وأحس بثقل شفتيه، ولسانه لا يقوى على إفشاء السر، كما لا يقوى على الكذب.
-آه...أنا مرهق جدا اليوم... لقد كان العمل اليوم قاسيا وصعبا.
 -لا بأس ... إنكم أمن هذا البلد ولولاكم لما استطاع المواطن الضعيف أن يعيش بين أنياب الظلم على هذه الأرض... تقبل الله منكم وجزاكم عما تقومون به.
لقد وقعت هذه الكلمات على قلب الشرطي... لا أدري، ربما دمرته كما دمرت القنابل النووية هيروشيما ونكازاكي اليابانيتيين، والحق أنه لا يعرف مدى تأثيرها على قلبه إلا هو وخالقة، وأبسط ما يمكننا أن نتصوره، هو أنها كانت قاسية، كانت موتا، كانت طحنا,
-هل ترغب في تناول العشاء؟
-لا...، لقد تناولناه جميعا نحن رجال الشرطة هذا اليوم في العمل، تناولنا العشاء ورجال النظافة معا، قد طحنا رجلا، آآآآه.... عفوا، طحنا لحما معا... أنا مرهق لا رغبة لي بالعشاء...لا رغبة لي بالعشاء.
      ولم يشأ الشرطي أن يرفع رأسه من شدة التعب، لقد أحس برعب رهيب، والزوجة واقفة في دهشة وحيرة. قد شعرت بشيء غريب، وربما لأن النساء يستطعن قراءة لغة الجسد وفك شفرة الإيماءات أكثر من الرجال، فإنها كانت أقرب إلى الحقيقة، كانت قريبة بفك اللغز ورؤية ما خلف تلك الكلمات والحركات.
لكن الجميل في النساء أنهن أحيانا يتنازلن عن الشيء الكثير من أجل سعادة أزواجهن.
-هيا تحول إلى فراشك لتأخذ قسطا من الراحة.
      فأشار بيديه أن انصرفي... سألتحق بك بعد قليل، فاتكأ على كرسيه الخشبي، ولم يعد بوسعه أن يفتح عينيه.
      إنه لم ينم بعد، لكن النعاس اختلط عنده باليقظة كما اختلط التذكر بالنسيان... إنها تلك اللحظات التي تسبق النوم... خاصة عندما نكونوا في وضع الجلوس أو الإتكاء.
-اسمع يا سيدي، سوف أرقص أمامك رقصات الموت، حتى ترغب في الالتحاق بزوجتك، في المكان بالذات لا شك أنك لن تمنعني، أظن أنك لن تمنعني هذه المرة من الرقص، أقصد أنك لن تأمرهم بطحني... أليس كذلك؟ لقد صرت الآن حرا ولا شك أنه لم يعد لي حق من حقوقي سوى الرقص أمامك، رقصة حزينة بزي الموت يا سيدي الشرطي.
-سوف أرقص أمامك وأغني... نعم عش معي هذه اللحظة فطالما استكبرتم عن التعايش معنا والتعامل معنا، وها أن الآن أطلبك، طلبي واحد ... عش معي هذه اللحظة فقط، فلا يقوى أحد الآن على طحني وإن جاءهم أمرك.
       حاول الشرطي أن يطحن هذا النعاس، فيبعد عنه هذا الصوت، لكن دون جدوى... لقد كان الصوت كقصف الرعد نسمعه رغما عنا ودون أن يكون لنا الحق في الرد عليه أو مواجهته.
-أيها الشرطي لا تحاول أن تطحن هذا الصوت، فهذا صوتي وإذا ما حاولت أن تطحنه أو أن تأمرهم بذلك سوف تفشل... إنها الكارثة لأنكم لا تؤمنون بالانهزام لشدة تكبركم.
-إذا ما حاولت أن تتحرك سوف تسمع صوت شبح كانت تبيع الخبز في الشارع من أجل أبنائها، سوف تسمع أصوات أشباح غرقت وأخرى عذبت وأخرى أعدمت، وأخرى وأخرى وأخرى...، لقد طحنتموهم جميعا، ولا حق لهم بعد هذا الطحن سوى الرقص مثلي والغناء مثلي... لا نريد شيئا سوى الإزعاج... سوى الإزعاج، فلماذا انزعجتم وخفتم واهتززتم؟، -هل حقا صرنا نضايقكم ونثيركم؟؟؟
-لي أخت قبل عام غرقت في الجنوب، وأخ مات جنديا في الصحراء، وأب مات ف الشارع يوم اعتصموا في ملف التقاعد؟ ولي أم طحنت لأنها كانت لا تبيع سوى الخبز في الشارع، لي ابن شهيد للبطالة في وقفة أمام البرلمان، وخالة تزوجت إلي أعالي الجبال فماتت ورضيعها تحث الثلج... كلهم ماتوا... آآه عفوا كلهم طحنوا...
-أنا الوحيد الذي بقيت .. لقد نسيت... أنا آخر من طحنت. لا تقلق يا سيدي ولا تفزع. فأنا لا أحمل سلاحا، اللهم إذا صارت أسناني ولساني في هذه اللحظة سلاحا، ها أنت تراني ملطخا بالدماء، ولا ريب أنك تذكرت السمك وشاحنة الأزبال... تذكرت أنك أمرتهم برمي سمكي في شاحنة الأزبال، وأمرتهم بطني وسمكي معا والأزبال، لا تخف يا سيدي فإني لم أت إلى هنا لأنتقم منك. لقد جئت لأنني أريد أن أخفي عنك شيئا، جيئتك بملف عريض لتقرأ في خجل عن حياتي.
-هل تسمح لي بأن أكون مصنفا مع الأزبال؟ اسمح لي بذلك فإني قررت أن أنزل إلى أسفل درجة في الحياة لأقول لك: لقد كنت ضحية يا سيدي، لست سوى تجارة، بضاعة، ولو زجوا بك في السجن وأغلقوا وراء ظهرك المزلاج، لما استطاع أحد أن يفتحه، حتى أولئك الذين هم أعلى منك درجة وقيمة.
-أنت بكل بساطة يا سيدي لست سوى تجارة ولا قيمة لك عندهم،لأنك لست صوتا انتخابيا في مرحلة الحملات الانتخابية، وليس لك حق الاحتجاج؟ ها أنا قد طحنت فانظر كيف تحرك من حولك الجميع، أنظر إلى شموع الليالي وانظر إلى الشعارات، اسمع يا سيدي فلطالما أبيت الإنصات، ولطالما استكبرتم. لو كنت مكاني لما تحرك أهلك، أولئك الذين يأكلون ويشربون أجرك بعد كل هذا العناء. أرأيت يا سيدي؟
-اسمح لي على هذا الافتخار، فقد حان الوقت لنعرف عن الأقل لمن نقتل بعضنا، ترى بعضهم منزعجا هذه الأيام... هل تعتقد يا سيدي أنهم منزعجون من أجلك؟ لا ترتبك يا سيدي إن قلت لك: لقد كنت مطحونا مسبقا... أنت كبش فذاء يا سيدي.
-سيدي لا تتعجل على فهمي البسيط فكلنا مطحونين من أجلهم، كلنا نبحث عن لقمة العيش وكلنا نعيش العبودية...أريد أن ألفت نظرك يا سيدي إلى أمور كثيرة... أنت تستطيع أن تدرك كل شيء، كل منا يستطيع أن يفهم ذلك اللغز، فهو أمر لا يحتاج إلى كثير من التفكير... كيف استطاعوا أن يجعلوك تلعب بجثة أحدنا أمام الآخرين بكل سخافة؟ وقد لا ينبري أحد ما بمحاسبتك، لكن هل تعتقد أننا مازلنا بعد هذا الهراء نفكر بعقلية القطيع وبتلك الدرجة الحمقاء، نحن بمقدورنا أن نحاسبك، أو نجعلهم مضطرين لمحاسبتك وطحنك، لكن ماذا بعد؟، هل تحب أن نطحن على أياديكم يا شرطي فنكون سببا في موتكم؟... آه نسيت عفوا، سببا في طحنكم، حان الوقت لنغير كل معاني الموت إلى الطحن لأنه أشد تعبيرا.
-كل منا يستطيع أن يدرك الدور الذي يلعبه على هذه الأرض، فلماذا نختار أن نكون نقمة على بعضنا، نبيع أرضنا ودمائنا وحياتنا وكل شيء... كل شيء من أجل لا شيء يا سيدي، هذا هو الدور الذي رسموه لنا، أوا ليس لنا الحق أن نملك ممحاة عن الأقل، أن نسمح في كل شيء من أجل ممحاة لنمسح بها هذه الرسوم وهذه الأدوار، إنه الموت يا سيدي... ولأننا لا نحب الموت، فإننا غالبا ما نختار الطحن بدله.

-تذكر أخاك في مرحلة عزل النفايات يا سيدي فليس زجاجا ولا حديدا ولا ولا ولا، إنه مخلوق من كما أنت مخلوق منه. أخشى أن تكون زوجتك في الحاجة لدفئك، فاتركني أمشي.
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق