الجمعة، أكتوبر 14، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: هل هو خط البداية أم خط الوصول؟‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: هل هو خط البداية أم خط الوصول؟‎

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: هل هو خط البداية أم خط الوصول؟‎


المصطفى سالمي


أمضى (مسعود) سنوات طويلة في فصول الدراسة، كان ينتظر على أحر من الجمر مرور وانقضاء سنوات الخدمة ليحصل على تقاعد يريحه من وجع القلب وصداع الدماغ، وخاصة  الذي أصبح يعانيه مع الأجيال الأخيرة المتمردة التي ما عاد الحياء عملة رائجة بينها كالعهود السابقة. لقد احترقت خلاياه العصبية وأصبح ـ على غير عادته ـ ينفعل لأتفه الأسباب.. ولكنه أخيرا يصل إلى خط الوصول المنتظر من أمثاله في قطاع التعليم، وعندها يقول القائل: (الحمد لله أن عاقبتي انتهت على خير)، وها هو (مسعود) يصل بأقل الأضرار، فقد كان سلاحه هو الابتسامة وطابع المرح والنكتة اللتان اتصف بهما، وهذا ما ساعده على تجاوز أصعب وأقسى مراحل التدريس التي مرّ منها. كان يحوّل الإجابات البليدة إلى محطات للتندر  والفكاهة، ويحول كل موقف فيه تعثرات أو  مشكلات في العمل أو خلافات مع الزملاء والإداريين إلى محطة للتأمل يتعلم منها دروسا في الحياة.                                                            

وأخيرا حلّ اليوم الموعود، فكان التكريم، وحضرت الكلمات المنمقة من زملائه ورؤسائه في العمل، ثم أصبح خط الوصول للتقاعد خط بداية لحياة أخرى. كان (مسعود) قد اشترى ضيعة فلاحية أحاطها بسياج، وغرس فيها أشجارا مثمرة وحفر بئرا للسقي، وربط الرجل بيته بشبكة الماء والكهرباء، وانعزل عن ماضيه وعن المدينة وضوضائها، وها هو يبدأ بالتفرغ للكتب التي حالت ظروف المهنة دون قراءتها، الآن لا أوراق ولا دفاتر ليصححها ويتعب عينيه في تقدير درجاتها، ولا اكتظاظ ولا ضجيج في الفصول وفي ساحة المؤسسة، لا اجتماعات مع المشرف التربوي ولا دروسا نموذجية ولا جذاذات تحضير ولا بيداغوجيا تربوية ولا هم يحزنون.. لن يقول لهذا التلميذ: "اصمت"، أو لذاك: "اخرج حتى تكتب دروسك وتنجز واجباتك..". الآن ينعم بالصمت المطبق إلا من صوت الرياح والطيور.. ربّاه! لقد بدأ يتحسس أصواتا أخرى ما كان ينعم بها، إنها أصوات الوجود وحركات الطبيعة وخفقها، وأخيرا اشتغلت الحواس وشرع يستنشق رائحة التربة بعد أن كان يكتفي باستنشاق رائحة غبار الطبشورة، الآن فقط سيصلي بخشوع كما لم يصل من قبل، سيقرأ كتاب الله الكريم ويغوص في أعماقه، ويستمتع بلحظات هي الحياة ذاتها، وبعد ذلك فليأت ملك الموت ليجده مستعدا طائعا. وبدأ (مسعود) يسبح في الزمن المتمدد يسترجع كل الماضي، إنه الآن مثل سائق سيارة ينظر في المرآة التي أمامه، فيرى ما خلفه حيا متحركا. وجوه كثيرة وأحداث أصبحت الآن تثير ضحكه، كل شيء يتغير، حتى أبناؤه هو صاروا كبارا، بعضهم في الجامعة والبعض استقل بحياته، فليعش مثل حي بن يقظان أو  روبنسون كروزو ، سيعيش حياة فيها كثير من الإثارة والتشويق، ولكن هل يقوى على الانعزال عن الناس وعن المدنية، هل يستطيع ذلك؟!          
كانت أيامه الأولى صعبة لتحقيق التكيف المنشود مع واقع جديد يتخلله بعض الملل كلما مر الوقت البطيء، ولكنه تدريجيا استأنس بالوحدة وتعايش مع  بعض الدواجن والأغراس وهوايات أخرى، أهمها الكتابة. لقد بدأ بكتابة مذكراته القديم منها والجديد، إنها بداية حياة أخرى تستحق منه التأمل والوقوف على الأخطاء والهفوات، ليس من أجل إصلاحها، فقد فات الأوان، ولكن من أجل التدبر والاعتبار في مجريات الأقدار. لقد وجد نفسه يقول يوما: (الآن فقط بدأت الحياة!).                

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق