الخميس، أكتوبر 27، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: مدرّسة من زمن آخر‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: مدرّسة من زمن آخر


إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: مدرّسة من زمن آخر‎

المصطفى سالمي

كانت (حياة) مدرّسة من الوزن الثقيل في كل شيء، فهي امرأة بدينة انطبقت عليها مقولة: "البطنة تُذهب الفطنة"، إذ كان وزنها الزائد عن كل الحدود سببا ـ على الأرجح ـ في تثاقل تفكيرها وتبلد أحاسيسها وردود فعلها، فبَدَتْ كبرميل مكتنز لحما وشحما وبلادة وخمولا. في الفصل الدراسي تحس بالنعاس، فترتخي مفاصلها، وخاصة في الفترة الزوالية، وأمام شغب الصبية في مراحلهم الابتدائية كانت تكتفي وهي جالسة على كرسيها الملتصقة به دائما بأن تضرب بعنف على المكتب، فتكاد ألواحه تتطاير  تحت وطأة
قبضتها. وأما في الفترة الصباحية حين يأتي بعض التلاميذ متأخرين عن الموعد، فإنها تطالب المسؤول في القسم أن يرافقهم إلى مكتب المدير، وبعد برهة تعود الجماعة المغضوب عليها وقد سمح لهم السيد المدير بدخول الفصل الدراسي، فتحس المدرّسة (حياة) بالحرج الشديد أمام تلاميذها، فتطالب الجماعة المتأخرة التي تخلفت عن تحية العلم بكتابة "النشيد الوطني" ثلاثين مرّة، حقّا لم يكن هؤلاء التلاميذ يلتزمون بهذه العقوبة الخطية، فهي ستتصرف وكأنها نسيت الأمر، والتلاميذ يعرفون ذلك من خلال سلوكياتها السابقة ومن خلال أصدقائهم من القدامى. كانت تتصرف وكأنها تعرف أنهم هم أيضا يتغاضون عن كسلها وعدم شرحها للدروس كما ينبغي، إذ بين الفينة والأخرى تحمل هاتفها الذكي ـ الذي هو نقيض غبائها ـ ثم تبدأ بتصفح المواقع الإلكترونية، ثم تظهر على وجهها تقلصات لا يفهم  الرائي منها إن كانت تعبر من خلالها عن سرور أو عن حزن أو غضب، كانت سماتها وتعابير وجهها قد طمستها الأيام، أو ربما تلاعبت بها الدهون ومفرزات السمنة. لقد توالت أجيال وأجيال من الأشقياء والمشاغبين الذين لم يستطيعوا أن يرهقوا بلادتها أو يذيبوا بعضا من أثقالها وسكونها وخمولها وركودها، لقد أصبح زملاؤها وزميلاتها يضربون بها المثل في برودة الأعصاب، فهم لا يغبطونها على شيء بقدر ما يغبطونها على هدوئها وعدم انفعالها، وما عدا ذلك فلا شيء يستحق الحسد أو الغبطة، وذات يوم كانت فيه لأول مرّة في موقف يمكن أن يثير انفعالها، لقد غضبت المدرسة (حياة) على تلميذ كان يتأخر باستمرار، وحين حضرت والدته ادّعت المدرسة أن التلميذ يتجنب حضور النشيد الوطني. ظنت المرأة أن ابنها متهم في روحه الوطنية، فقالت للمدرسة بتلقائية الناس العوّام بأن جد هذا الولد من رجالات المقاومة والتحرير. فاجأ الجواب بلادة المدرسة، وأضافت المرأة بأن مؤسسة تربوية تحمل اسم مقاوم كبير هو (علال بن عبد الله) لا يليق أن يكتب اسمه على قطعة حديدية صدئة، فهل هذا الأمر يرضيك؟! وهل هذا الأمر من حبّ الوطن ورجالاته؟! لزمت المدرّسة (حياة) الصمت المطبق، كان بإمكانها التنصل من المسؤولية عن أمور من اختصاصات المدير أو الوزارة، وأن ما يعنيها هو تلميذها لا قضايا خارجة عن ذلك، وكان يمكن لغيرها أن ينفعل أو يثور، لكنها تركت المرأة أم الولد، وانصرفت نحو فصلها وكأنّ سِنة من النعاس استبدت بها على حين غرّة منها، ومنذ ذلك التاريخ ما عادت تلح على تلاميذها بأن يحضروا حصة تحية العلم الوطني، لقد أدركت ـ ربما ـ أنها هي نفسها لم تعد تحضر بانتظام هذه الحصة حين تتأخر في وجبة إفطارها، أو يدهمها الجوع في الطريق للمؤسسة، فتنحرف نحو بائع الفطائر المدهونة، لقد اقتنعت أن البطن الفارغ لن يحس بالوطن أو يتفاعل مع الأناشيد الوطنية، فما بالك ببطون جائعة باستمرار، تأتي إلى المؤسسة بملابس ممزقة وأجساد مرتعشة مهزولة. وحين سمعت إحدى زميلات (حياة) هذا المبرر عن عدم التزامها بمعاقبة التلاميذ المتأخرين رددت ذات يوم قائلة لجماعة المدرسين في مؤسسة (علال بن عبد الله)الابتدائية:    
ـ أخيرا تفتقت بارقة شعاع أمل داخل زنزانة جمجمة الزميلة (حياة).                                                                
   
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق