الأحد، أكتوبر 02، 2016

عــــاهة علمية وفكرية وبيداغودية خطيرة مولدة للإعاقة المستدامة

نشر بتاريخ :

عــــاهة علمية وفكرية وبيداغودية خطيرة مولدة للإعاقة المستدامة

عــــاهة علمية وفكرية وبيداغودية خطيرة مولدة للإعاقة المستدامة


عبد الله الخلوفي

مثال آخر من الأمثلة الصارخة لمفاهيم علمية مشوهة، لم يحسن فهمها حتى مؤلفو الكتب، فكيف بمن هو مطالب بتدريسها ومن هو مطالب بالستيعابها؟ فبدل التركيز على التكوين المستمر الأساسي، الأكاديمي، لتحيين معارف رجال التعليم وتثبيتها، وكذا تعليمهم ما جد منها، فقد تمت اضاعة أموال طائلة ووقت، بل زمن، طويل (منذ نهاية القرن الماضي) في الدردشات البيداغوجية الجوفاء التي أريد لها، في تحد صارخ للمنطق السليم، أن تُعلّم رجل التعليم تعليم ما يجهل. نعم، أصبحنا نطالب فاقد الشيء أن يعطيه بعصامية لا سابقة لها في التاريخ البشري. رغم كل ما قمنا به بهذا الخصوص (كتابات، مراسلات، محاضرات، أبحاث آخر السنة للطلبة، الخ)، فلم يلق أدنى استجابة من طرف من وجهوا المنظومة التربوية هذه الوجهة المنافية للمنطق السليم.

"ألاحظ لأتعرف قياس ارتفاع التضاريس"، هذا ما هو مسطر على يمين الوثيقة كعنوان. ثم أقرأ كي أجيب "كم يبلغ ارتفاع هذا الجرف"؟ سأجيب، بعد الملاحظة، أن علوه يبلغ 100م على مستوى الواجهة الأمامية (من 0م إلى 100م)، أما على مستوى الواجهة الخلفية فيبلغ فقط 50م (من 30م إلى 80م) وهو ما معناه أن مستوى البحر يرتفع من الأمام إلى الخلف كما تُبين ذلك ما يسمى بــ"خطوط التسوية". نعم، ألاحظ بوضوح تام ان الخط الذي يمثل ارتفاع 30م على مستوى الواجهة الأمامية، يصبح هو نقطة الصفر (مستوى البحر على الواجهة الخلفية لصورة الجرف).... . نعم يبدو جليا أن مستوى البحر يرتفع من الواجهة الأمامية للصورة الى الخلف، من 0 م الى 30 م. ثم إذا أمعنت الملاحظة أجد أن ارتفاع الجرف يساوي حوالي 10 م فقط في أقصى خلفية، أي ما بين الخط 50م والخط 60م.
ثم أمر للإجابة على ما أقرأ أنا (أنا التلميذ أتعلم وأتكون لوحدي؛ أقرأ وأفهم جيدا ما أقرأ كتلميذ في طور التعليم الابتدائي): "كم يبلغ الارتفاع على مستوى سطح البحر؟"، لأجيب: في الواجهة الأمامية يبلغ ارتفاع سطح البحر 0 م، وكلما توجهت إلى الخلف يرتفع مستوى سطح البحر تدريجيا، إلى 10 م، ثم 20 م ثم 30 م، وما وراء الجرف الخلفي يصبح مستوى الارتفاع 60 م.
لن أسترسل في هذا الهذيان؛ هذيان من قدموا هذه الصورة الوثيقة البيداغوجية الناطقة لتعليم التلميذ الطفل وهو يقرأ بنفسه ويفهم بنفسه "أتعلم قراءة خطوط التسوية". نعم، وثيقة بيداغوجية مثالية، ناطقة بجهل من قدموها للمعلم والتلميذ على السواء بأدنى أبجديات مفهوم "منحنيات، وليس خطوط، المستوى" وعلم الطبوغرافيا. تعريف خاطئ تماما لمنحنيات المستوى وتصورها على مستوى البعد الثلاثي، وهو الأمر الطبيعي في حالة التضاريس (فهي دائما ثلاثية الأبعاد، إلا في حالات استثنائية). "منحنيات المستوى" (courbes de niveau) تعرف على أنها تمثل "تقاطع مستويات (كسر الواو) أفقية وهمية (imaginaire) متباعدة بانتظام (تفصل بين المستويات نفس المسافة) مع تضاريس منطقة معينة"؛ إذن تقاطع مستويات (بكسر الواو) وليس خطوطا يا من تعملون على الإعاقة المستدامة لأبنائنا وبناتنا (وأبنائكم وبناتكم) بتدمير قابليتهم للتعلم. يا من اخترتم هذه الصورة على أسس بيداغوجية محضة (كفايات وإدماج و...)، إنها وثيقة لا تمس للبيداغوجيا لا من قريب ولا من بعيد بالنسبة لأطفال لازالت برمجيات (logiciels) أدمغتهم الطرية في طور التشكل. نعم، ارتفاع الجرف (100 م) في الواجهة الأمامية هو نفسه على مستوى الواجهة الخلفية البعيدة (منطقيا) حيث يبدو من خلال الخطوط التي رسمتموها أنه يبلغ حوالي 10 م فقط؛ يتعلق الأمر فقط بتأثير البعد الثالث بين الواجهة والخلف العميق. ثم، يبدو منطقيا كذلك أن اللون الأزرق الأمامي بالنسبة للجرف هو لون البحر، أما اللون الخلفي فيبدو منطقيا أنه لون السماء. أستعمل منطقيا ويبدو و.. لأن الصورة معقدة شيئا ما وغير واضحة بالنسبة إلي، أنا (أعوذ بالله من قول أنا كما يقال) المتخصص في هذه الأمور (وليس لأن لي مواهب ليست عند الآخرين). حقا ينطبق علينا المقولة المراكشية "شد لي لحمار ندخل هاذ الزحام"، نعم، يتعلق الأمر فعلا باستخفاف واستهانة مستوردي المفارقات البيداغوجية بمدى دسامة المعارف والعلوم وعسرها على الهضم في غياب أنزيمات الفهم السليم التي تساعد هضمها واستيعابها.
وإليكم تعليق مقتضب كنت قد أجبت به أحد الاخوة فيما قبل نظرا لوجاهته وتكملته لما خططته أعلاه: "",أنا أقرأ ما في أسفل الصورة تحت عنوان " تعرف معنى خطوط التسوية"، داهمتني ملاحظتان: - الأولى، تم شكل الكلمات حتى يتمكن التلميذ من قراءتها (في أحسن الأحوال)، فكيف له بفهم حمولتها اللغوية والاصطلاحية العلمية واستيعاب مدلولاتها وتمثلاتها وتصوراتها؟ - الثانية:"ألاحظ الر سم 1: أرى أرقاما تبين مستويات ارتفاع الجرف، يوجد كل رقم فوق خط يمر عبر الأماكن التي لها نفس الارتفاع، تدعى هذه الخطوط (منحنيات وليست خطوطا) خطوط التسوية فماذا تعني هذه الخطوط؟" هذه هي مقتضيات ومخرجات وتجليات المقاربة البيداغوجية المعتمدة، "الكفايات" ثم "الادماج". واضع الرسم لا يدري ما تعنيه الأسئلة التي يطرح، أو يطرح الأسئلة من دون معرفة ما تعنيه على الرسم. فلو كنت أنا التلميذ وأنا مستوعب لما أرى ولما هو مطلوب مني لأجبت: مستوى البحر في عمق الصورة يوجد على ارتفاع 60 م بالنسبة لما هو عليه الحال في مقدمة الصورة". لكن لا المؤلف ولا المدرس (المعلم الذي لا يتحمل أية مسؤولية)، ولا التلميذ (الضحية) طبعا، فهموا واستوعبوا ما تعنيه المفاهيم المتطرق لها. يا لها من مسرحية رذيئة التصور والاخراج والتمثيل ويطلب من الجمهور ألا ينصرف ويهجر المسرح، فحتى وإن بقوا بداخله فلن يعير أي اهتمام لما يرى ويسمع؛ انه الهدر المدرسي الحقيقي، ثم الجامعي تبعا لذلك في أبشع صوره.

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق