الخميس، سبتمبر 29، 2016

سارقو الأحلام

نشر بتاريخ :

سارقو الأحلام

سارقو الأحلام


المصطفى سالمي 

وجد نفسه يتذكر طفولته البئيسة، لقد أمضى سنوات الابتدائي يرتدي ملابس إخوته الأكبر منه. لم ينعم في صغره بالملابس الجديدة أو ملابس العيد مثل أقرانه، ملابس إخوته تقوم والدته بترقيعها إن لزم الأمر، وما طال تقوم بقص اللازم حتى يكون مناسبا لمقاسه، وأما كتب إخوته التي تجاوزوها فيقوم بتغليفها وإلصاق الممزق منها حتى تستعيد شبابها ورونقها، وأما نعاله البلاستيكية فالبركة في الخيوط المتينة التي كانت تفي بالغرض..      
                             
كان فصل الشتاء من أشد الفصول قسوة وجبروتا عليه، أصابعه في هذه الفترة تنتفخ ويصبح لونها في زرقة الموت لدرجة أنه يصعب عليه تناول قلم الحبر للكتابة على دفتره. وفي العطلة الصيفية التي يستمتع فيها غيره بالسفر إلى الشاطئ أو الجبل أو المخيمات الصيفية، كان هو يشتغل في أوراش البناء ليتدبر لوازم المدرسة من دفاتر وملابس التربية البدنية، وأحيانا كان أبواه يطالبانه بالتماس الإعفاء منها، وذلك حتى يتملصا من تكاليف شراء لوازمها، فيحرم حتى من اللعب المشروع مثل أقرانه، فوالده الفقير كان لا يستطيع تلبية مطالب خمسة أبناء. كان همّه الأكبر مأكلهم، وشعاره المعتاد هو: "ملبس الأولاد خسارة، ومأكلهم تجارة"، إنه يريدهم أن لا يسقطوا ضحية المرض بسبب سوء التغذية، والمرض يكلف أدوية غالية الثمن، وكأنما نسي أن هناك أمراضا تنشأ عن سوء الملبس، فعدا عن نزلات الزكام التي كانت تلمّ به بين الحين والآخر بسبب غياب الدفء المطلوب لضعف الملبوس، كانت هناك أمراض نفسية أخرى تتربص بصاحبنا، كان لا يستطيع أن يقوم للسبورة لتدوين الإجابة، ليس لتردده أو تشكيكه في صحتها، ولكن لأن سراويله كانت مرقعة، ويخاف من نظرات الاستهزاء والسخرية من زملائه، مع أن   زمنه كانت السخرية شيئا قليلا ونادرا مقارنة بهذا الزمن، لقد فقد كثيرا من ثقته بنفسه لهذا السبب..                                    
 إنه يتذكر أن الشبع في الأكل كان شيئا خارج قاموسه، فبمجرد أن يوضع الطبق على المائدة الصغيرة حتى تهاجمه الأيدي الكثيرة الجائعة، ومن تأخر أو احتبس الأكل في حلقه في اللقمة الأولى فعليه العوض ومنه العوض. لعن في سره الفقر المقيت.      
ها هو قد حرق كثيرا من المراحل من ابتدائي وإعدادي وثانوي، وحصل على شهادة الباكالوريا، ولكنه حرم من طعمها، لقد حصل ابن الباشا على جائزة التفوق رغم اكتفائه بميزة "مستحسن"، وحصل على عدة كتب ـ لن يقرأها دون شك ـ والتُقِطَتْ له عدة صور تذكارية في حفل بهيج للمتفوقين، أما هو صاحب ميزة: "حسن" فلا أحد التفت إليه أو وجه له دعوة للحضور، وكيف يقدمون جائزة لطالب حقير مثله لا يجد حتى بدلة محترمة يظهر بها أمام علية القوم! ها هو  يحصل على شهادة الإجازة بأعلى الدرجات، بينما غيره حصل على الوظائف بقدرة قادر ودونما حاجة للشهادات. اجتاز صاحبنا عديد المباريات في مجالات مختلفة من تدريس وصحافة وصحة وجماعات محلية.. ، كان كلما طرق وظيفة قوبل بنظرات الاحتقار وتصاعد المجهر الضوئي الكاشف متفحصا من أعلى إلى أدنى، أتراه مصابا بداء الجرب أو الجذري، أم أن للفقر رائحة أو لونا مهما حاول صاحبه إخفاءها فهي تكشفه؟ لقد اكتشف أن مجتمعه منافق يحترم المظاهر والقشور فقط، وقد ارتدى مثل ملابس غيره في الامتحانات والمقابلات التوظيفية، واشترى من (سويقة) الحارة التي تباع فيها الملابس المستوردة.. ولكن دون جدوى. إن ملامح الفقر وآثاره اتخذت خطوطا وتجاعيد وأخاديد على محياه، لكنه أقسم أن يخترق الأسوار الحصينة، ويشيد مجد الغنى والمكانة الاجتماعية غصبا عن الخصوم ممن اعتلوا أدراج الطبقات واغتالوا الأحلام الجميلة، أحلام أمثاله من الفقراء الذين هم من سلالة الفلاحين والعمال الذين يطعمون الشعب ويشيدون ويحترفون المهن ..                                                                    
اختفى عن الأنظار لما يقرب من عقد من الزمن، وراجت أخبار حول هجرته عبر قوارب الموت، قبل أن يعود وإلى جانبه أجنبية في عمر أمه، لكنه لم يهتم لكلام المتكلمين، المهم أنه عاد بسيارة أنيقة من آخر طراز في عالم السيارات الفارهة، عاد ومعه كنز من العملة الأجنبية. عاد إلى بلدته البئيسة التي سرقوا ثرواتها الفوسفاتية والبحرية، سرقوا شبابها الذي فر عبر قوارب الموت، وسرقوا هواءها بلعنة المصانع والمعامل التي لا يُرَى أي أثر إيجابي لها على أهالي المنطقة، سرقوا شباب أبنائها الذين انغمسوا في عوالم الجريمة والانحراف والمخدرات، سرقوا حتى أحلامه في الاستمتاع بشبابه وبأيامه.                                                                      
عاد ليجد والديه قد رحلا عن العالم، وإخوته يعيشون حياتهم البئيسة في مهن لا علاقة لها بالدراسة والتكوين الذي تلقوه، ألأجل أن يتألم عاد لهذا الوطن الجحود المتنكر؟ أما يكفي ما قاساه؟!          
 ضغط على زر المذياع المثبت قرب المقود، فانتهى إلى مسامعه صوت المذيع وهو يقول:                                                
ـ مرحبا بجاليتنا المغربية، مؤسساتنا الاجتماعية في استقبالكم ولأجل راحتكم تشتغل ليل نهار.                                                
ضغط على الزر كاتما أنفاسه، لقد عاد للكذب والنفاق من جديد، وها هو يمر بعديد الشوارع التي كلها حفر أكثر من تلك الفراغات والتجاويف في قلبه، لكن المفارقة أن في جنباتها لافتات تمجد التنمية البشرية. ساءل نفسه إن كان هناك بشر ـ غير الذين يعرف ـ هم المستهدفون بهذه التنمية الموعودة، أم أن هذه الأخيرة لا تصل إلى أمثاله لِلَعنةٍ أصابتهم دون غيرهم، لم يفهم معنى لهذه التنمية وأكوام النفايات في كل مكان من جغرافيا هذا الوطن، وها هو الوطن الذي احترق بظلمه يتحول إلى صدر حنون حين بدأ يستقبل نفايات الغرب ويحولها لدخان مطلوب من أمثاله استنشاقه.  
التفت إلى شريكة حياته التي كانت مُقِلّة في الكلام شأن كل الغربيين الذين هم أهل فعل وعمل، لكن ملاحظاتها وأسئلتها كانت دقيقة للغاية، كانت تخرجه كل مرة من هواجسه وعوالمه السوداء، كان كل مرة يسترق إليها النظر وكأنما ستبدو على ضوء شمس وطنه مختلفة عن مرآها هناك في بلاد الغربة، إنها ليست بالسوء الذي يمكن تصوره، فهي مفعمة عافية وحيوية، ممتلئة صحة ونشاطا، ثم لا يهمه من أمر هؤلاء الجاحدين أقوالهم أو تلميحاتهم.
ضغط هذه المرة على زر شريط غنائي، فانبعثت أغنية كلاسيكية تقول:                                                                        
يا زهرة في خيالي # رعيتها في فؤادي            
جنت عليها الليالي  #  وأذبلتهــا الأيــادي            
وشغلتها العيون  #  فمات سحر الجفون            
أحس أن الزهرة المقصودة من هذا المطرب هي حياته التي اغتالت الأيام بهجتها، وتساءل إن كانت المادة التي كست حياته أخيرا ستصلح ما أفسدته السياسة من ماضيه، وقرر مع نفسه أن يعيش اللحظة ويتجاهل الماضي الذي لا ينكر تأثيره الطاغي حتى في حاضره وفي فكره وإحساسه. يكفيه أن الطفولة والشباب قد اغتيلا، وان والديه قد رحلا، وإخوته قد استقلوا بحياتهم، فهل يقبل أن يتم اغتيال حتى الأحلام المستحيلة ولو كانت في اليقظة؟! 
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق