الخميس، سبتمبر 29، 2016

شهيد المبادئ

نشر بتاريخ :

شهيد المبادئ


شهيد المبادئ


 المصطفى سالمي  
جمع (رحال) الأوراق والوثائق الخاصة بامتحان الإدارة التربوية، لقد تعب من الاحتراق بين فصول الدراسة لأزيد من عقدين من الزمن، إنه الآن بصدد البحث عن عمل إداري أشبه بالتقاعد المبكر، وذلك بالجلوس على كرسي وثير، وإراحة القلب من وجع تدني المستوى التعليمي بالبلاد، وإراحة العقل من همّ تصحيح الأخطاء التي أصبحت كارثية أكثر وأكثر. ورغم تعدد الوثائق المطلوبة لهذا الامتحان، فلم يتردد السيد (رحال) في الانتهاء منها في وقت قياسي متنقلا بين إدارات شتى. وقبل أن يدفع الملف بيوم واحد، التقى بصديق وزميل قديم، وكان يظن بأن صديقه سيبتهج بسماع الخبر، وربما يشاركه سنة تكوينية بمدينة الجديدة الساحلية، وبعدها التعيين بإحدى الإدارات التربوية في ركن من ربوع المملكة السعيدة، لكن الصديق صدمه حين أخبره بأنه لن يترك ساحة المعركة التي كرس حياته من أجلها، أليس التغيير هو مطلبه أيضا؟ ألم يكن ينادي دائما بأن معركة تحرير العقول تبدأ من فصول التدريس؟ أليس ما
وصل إليه الفصل التعليمي مسؤولية مشتركة يتقاسمها الآباء والمربون والسياسيون؟ ! من يمارس التغيير المنشود إن لم يمارسه اصحاب المبادئ لا أصحاب الوظائف؟ ألم يكن يدون المقالات التربوية في المواقع الإلكترونية عن واقع الحال، ويحمل المربي الأول ـ الذي هو المدرس ـ العبء الأكبر في تردي الوضعية التعليمية، وعن وجوب عدم الركون لليأس؟!                                                      
وقعت كلمات الصديق كالصاعقة على قلب (رحال)، كان الرجل شبه متأكد بأن دفعه الملف سينقله لا محالة لعالم الإدارة، لكنه الآن مصرّ على البقاء في ساحة المعركة بدون أدنى شك، لابد من ذلك بعد أن أيقظته كلمات صديقه. وتمثل نفسه في موقف مثل ذاك الذي كان عليه الشاعر أبو الطيب المتنبي وهو في البيداء حين أراد نفر من أعدائه الفتك به، وحين همّ الشاعر بالفرار بسبب كثرتهم، فاجأه أحدهم قائلا: ألست القائل:                                        
الخيل والليل والبيداء تعرفني  #  والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فوقع البيت كالصاعقة على قلب المتنبي، إذ كيف له أن يفرّ من البيداء التي تعرفه ويعرفها؟ وكيف يفر كالجرذ وهو رفيق السيف والرمح؟! وعاد الشاعر للمواجهة، ومات صريع شعره وأفكاره، وشهيد مبادئه وقرطاسه وقلمه، فهل يعود (رحال) لساحة الوغى الأكبر، ساحة التدريس، حتى يموت شهيد مبادئه التربوية التي كاد يتغافل عنها، لولا تلميحات صديق عمره؟! لا مفر له من ذلك!
عاد (رحال) بنفسية وعقلية كلها تصميم وإرادة كل إكمال المهمة التي رصد حياته من أجلها، عاد إلى بيته ليمزق الملف التربوي الذي كان قد انتهى من إعداده، فالفصل الدراسي هو قدره.        
   

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق