الأحد، سبتمبر 18، 2016

مدرسة عباد المجاطي بين نقد العقل الجمعي المغربي وسيكولوجية الامتحانات

نشر بتاريخ :

مدرسة عباد المجاطي بين نقد العقل الجمعي المغربي وسيكولوجية الامتحانات

مدرسة عباد المجاطي بين نقد العقل الجمعي المغربي وسيكولوجية الامتحانات

بقلم الأستاذة مريم حسينة

يوم الأربعاء 04 شعبان 1437 هـ / 11 ماي 2016م وبمدرسة عباد المجاطي بتادلة تدفقت أفواج الملبين لدعوة مفتشهم المؤطر، زرافات ووحدانا ... امتلأت ساحة الباب الفسيحة عن آخرها بسيارات الوافدين والوافدات إلى ندوة عباد المجاطي .
حضر هذا اللقاء التربوي الشيق أساتذة وأستاذات م/ م أولاد احمامة، م . عباد المجاطي، م . البنات المركزية، م. براكة، م / م بوغالية، م / م تاكزيرت وم / م آيت إيكو. أساتذتها وأستاذاتها كانوا دوما فوق الشبهات، ألفاظ مثل : التقاعس، التغيب، التمارض وسوء التدبير ... غائبة عن قاموسهم: سبع مؤسسات شكلت طيلة السنة التشكيلة النموذجية لهيأة التدريس بالإقليم خاصة وبالجهة عامة ... لقد نجح السيد محمد صالح حسينة في صنع فريق متكامل بتادلة، أسس له بالتدريج منذ شتنبر 2007 حيث وضع اللمسات الأولى على مقاطعته بتادلة بمعاينته، منذ الوهلة الأولى، أنه كلهم تقنيات ومهارات وأساليب، ولكن ما كان يخون بعضهم هي اللمسة الأخيرة أو التفاصيل الصغيرة التي تبدو لصاحب " التفكير الدارج " المعتمد على " الكم " كمنهجية وأسلوب ... غير ذات جدوى ... لكن الخبير يعلم أن " في التفاصيل يكمن الشيطان"وأن النجاح في اللمسة الأخيرة إنما يتأتى من عدم احتقار الذات، ومن الإيمان أن النجاح في مهمة إنما يتطلب ممارسة عملية ممنهجة مع التعديل والتصحيح والمعالجة فوريا وختاما، والعزيمة القوية هي التي تقترح النجاح المرحلي، ولاشك أنها الفيصل في فرض النجاح النهائي.
نصح الأستاذ المفتش أساتذته بالعض على الصبر بالنواجذ، ووجههم إلى أهمية التحلي بالدراية وعدم التسرع ... فمهنة التدريس " وهو فن يقوم على التواصل والتجربة حسب STERN " كمهنة التطبيب تتطلبان دراية " علما ومنهجية " وصبرا " قيمة تشكل قمة النضج ".
 
مدرسة عباد المجاطي بين نقد العقل الجمعي المغربي وسيكولوجية الامتحانات
ولم تفته الفرصة ليجدد ثقته في فريقه التربوي هنا بمدينة قصبة تادلة حيث وصفه بالمتكامل، وأشاد بشباب م / م بوغالبة الذين ساندوه بقوة، وكانوا إلى جانبه في السراء والضراء، كما كال المديح المستحق لمجموعة م / م أولاد احمامة الرائعة برجالها ونسائها وقد تحملوا عناء التنقل إلى تادلة دون ضجر أو ملل أو عياء، بل كانوا إلى جانب السيد المفتش يشجعونه سرا وعلانية، ويدفعونه بتأييدهم إلى مغالبة الصعوبات .
بتادلة تطرق السيد محمد صالح حسينة إلى مشكل يؤرق التربويين الحقيقيين ويقض مضجعهم ألا وهو الامتحان الذي يجري بالمملكة المغربية في 2015 أو 2016 بأساليب سبعينيات القرن الماضي .
حيث المعرفة ولا شيء غير المعرفة، معارف لا تسمن ولا تغني من جوع. وقارن الأستاذ محمد صالح حسينة بين شخص يعاني من سوء التغذية، وثان يتألم من سوء التعليم والتحصيل ... فالأول قد يفرط في الأكل وعندما تصيبه أعراض سوء التغذية لا يصدق ذلك ولا يلتفت إلى هذا المصدر، بل يصب فكره في قنوات أخرى بعيدة عن المقصد... والواقع أن مصدر متاعبه إنما يكمن في تغليب الكم على حساب النوع فالجودة غائبة في تغذيته رغم حضور الكم، وهنا بيت القصيد ...
ونفس المقياس يطبق على المصاب بعسر الهضم المعرفي، إذ أن ذهنه يرزح تحت نير معلومات ومفاهيم الدنيا والآخرة، دون أن يتم ربط تلك المصطلحات بدلالاتها وسياقاتها في إطار منهجي منظم ... ليبقى خارج دائرة " الكفاية التعليمية ". صحيح أن نظامنا التعليمي يحرص على الجمع بين المعارف والكفايات ... لكن الغلبة كما هو جلي تميل لصالح المعارف دون أن تضمن أن يكون الطالب كافيا حيث يسقط في أول ممر عند اصطدامه بوضعية مغايرة من نفس العائلة الأم .
فالمدرسة عندنا عوض أن تدرب الصياد على تقنيات الصيد تجنح إلى تعليمه مهارات المشي ، وتركز على الامتحانات التي تحولت إلى غول مخيف يتضرر منه المعتمدون على أنفسهم، من الذين لازالوا يحملون قيما نبيلة في زمن التبلد الوجداني للمسؤولين الذين يدفعون عبر التعايش مع الغش والفساد إلى استتبابه وكأنه قدر مقدر كالهواء والماء والنوم والدم ... فإنه يجوز القول إن تعليمنا يحمل بدرة فنائه بداخله . والسؤال المطروح على كل مسؤول " ونحن جميعا داخل قاعة عباد المجاطي الفسيحة نعتبر في عداد المسؤولين " لماذا تحرم الغش والفساد على غيرك وتحله لنفسك ولعائلتك ولنقابتك ولحزبك ؟ " ألم تعلم أن الله ربنا يقول : " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " الآيتان 2-3 سورة الصف.
ألم يلجأ بعض الأساتذة مع الأسف للغش للنجاح في امتحانات الترقية الداخلية بالامتحان ؟ أيعتبر هذا مكتسبا من المكتسبات في القاموس المغربي ؟ أم أنه الاستثناء على الطريقة المغربية ؟
خلال هذه الندوة التاريخية التي جاءت أياما قليلة بعيد الافراج عن نتائج امتحانات الترقية الداخلية التي جرت يوم 09 / 09 / 2015، وتم تصحيح أوراقها خلال الأسبوع الأخير من نفس الشهر، ومع ذلك بقيت مكدسة في رفوف المركز الوطني للامتحانات والتقويم 06 أشهر كاملة بالتمام والكمال ... وتأتي هذه الندوة في سياق آخر، وهو قرب موعد امتحانات 2016 والتي تشغل الرأي العام بغشها وتحايلاتها وأعدادها قبل الظروف التي تجري فيها وهي بعيدة بعد السماء عن الأرض على مستوى تكافؤ الفرص، الإنصاف والعدل ... 
ولن تضع حرب الامتحانات أوزارها إلا نهاية يوليوز 2016، وسنكون في شهر شتنبر إن شاء الله أمام امتحانات جديدة للترقية الداخلية في عز الانشغال بالدخول المدرسي، وإيلاء الأهمية الكبرى لتوفير كبش عيد الأضحى في موسم جاف بكل المقاييس ساد خلال سنة عجفاء، تميز بالاستقرار التربوي حيث كان هم كبار القوم " الساهرين على شؤون التعليم ببلادنا ضمان مكانة مريحة في إطار الهيكلة الجديدة " وقد شهدنا تطاحنات لاإنسانية وسباقات لا رياضية يقودها أرانب السباق على مستوى وطني، جهوي ومحلي للفوز بالمغانم، ولاقتسام العروض في سوق تعليمية مفتوحة على كل الاحتمالات .
في بداية الندوة استهل السيد المفتش مداخلته بالتذكير بدور الأستاذ المركزي في كل فعل تربوي، صحيح أن المتعلم فاعل إيجابي، و مشارك ومنخرط أضحى قطب الرحى ومحور العملية التربوية، ولكن مع ذلك فموقع المدرس المتميز لم يتغير، والذي تغيرأساسا، هو أدواره التقليدية: فلم يعد الأستاذ هو المصدر الوحيد للمعرفة، ولم يعد يشكل القناة الوحيدة لنقلها، وهذا يعني أن هناك تراجعا في احتكار السلطة التربوية إذ انتقل من ملقن للمعرفة إلى موجه نحو مصادرها، ولكي ينجح في العمل على تحقيق التناغم والفعالية بين مدخلات العملية التربوية بات مطالبا باحترام أسس التعلم في منهجيته : 1 – أن يتعلم المتعلم كيف يتعلم . 2 – أن يتعلم كيف يكون . 3 – أن يتعلم كيف يعمل . 4 – أن يتعلم كيف ينسجم .

وقد نوه الأستاذ السيد محمد صالح حسينة بالناجحين والناجحات من مقاطعة تادلة، وتضامن بقوة مع السيدين : بنعمو ومديحي ، والسيدة عقبة ... فبئس الامتحان الذي أفشل مجهودات هذا الثلاثي المتميز... ولكنه " أي السيد المفتش " عاد ليؤكد لهذا الثلاثي ولغيره قيمة قرآنية : " فإن مع العسر يسرا " وأنه " في قلب كل نقمة هناك نعمة " وأن " الضربة التي لاتقتلني تحييني وتقويني " وأنه " لكل جواد كبوة " ودعا الجميع إلى إشعال شمعة عوض الاكتفاء بلعن الظلام . ولأجل المشي خطوات ناجحة إلى الأمام لابد من التأني بل والرجوع خطوتين إلى الوراء .
ومع ذلك فقد عاب السيد المفتش التربوي على النظام التربوي للمملكة المغربية نكوصه اللاشعوري وحنينه الأبوي إلى الامتحانات التي أهدرت طاقات حية ماضيا وحاضرا، وفوتت على أجيال واسعة من الشباب المغربي فرص الاستفادة من حقهم في التعليم والنجاح والاندماج في المجتمع .
 
مدرسة عباد المجاطي بين نقد العقل الجمعي المغربي وسيكولوجية الامتحانات
لقد جاءت العودة إلى " الزمن الجميل " كما يتوهمه بعض الذين تعودوا إسقاط الماضي على الحاضر من الساديين الذين ألفوا التلذذ بعذاب الآخرين... هؤلاء مخطئون لأنهم يسايرون القطيع كعادة جل المغاربة الذين أسقطوا مهمات العقل وجمدوا أدواره " التفكير المنطقي / الشعور الصادق / التصرف السوي ". " والزمن الجميل " في نظر عامة الشعب وبعض المحسوبين على الثقافة، يعني سحق أبناء الطبقات المسحوقة، والحد من طموحات فلذات أكباد المغبونين اجتماعيا، ولم لا العمل على تبني أسطورة إلصاق كل إخفاقات النظام الاجتماعي المريض، والنظام التربوي المحتضر، بهذه الطبقات التي أصبح لها طموح في عصر " الذلقراطية " بتعبير الراحل المهدي المنجرة .
أجل " الذلقراطية " لأنها في نظرنا مؤشر على تشويه الديمقراطية في إطار اللجوء إلى سياسات كسر العظم. وتشويه الصورة كمقدمة لتمرير الذل والإهانة، وإحلال الباطل محل الحق ...
نعم هناك أنظمة تربوية عالمية كسبت الرهان لأنها انطلقت من العنصر البشري وأعادت إليه كرامته / ووثقت بخطواته واستلهمت خططها من أفكاره / أطرته وصححت تمثلاته / وعملت على تنميته / حملته المسؤولية / ربطت المسؤولية بالنتائج وقومت المؤسسة بالمردودية / وتبنت النجاعة والحكامة .
أما عندنا بالمغرب فالعنصر البشري خارج التغطية وعندما يتم استشارته دون أي التزام لتطبيق ما يقترحه أو يراه مناسبا للظرفية أو الوضعية، نفاجأ في تلك الندوات أو الاجتماعات بأننا أمام حوار الصم بحيث كل فرد يتحدث بلغة " أنا والطوفان من بعدي " أي " علي أن أنجو بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية، وليغرق الآخرون " .
هذا التصور الطفلي الأناني والسطحي للأمور والقضايا هو الذي أغرق سفينة المغرب في جميع الميادين بتآمر مشترك ومفضوح بين القواعد والقمم. لقد كان زعيم المدرسة البنائية يرصد حركات الأطفال في ساحة المدرسة عبر كاميرات، واعتقد أن هؤلاء الأطفال المجتمعون على شكل حلقات، يتفاهمون فيما بينهم. لكن وعند تحليله لمضامين الأشرطة تبين له أن كل واحد يتحدث عن نفسه وعن عائلته الصغيرة لا غير، وأنه لا تفاهم بين أعضاء الجماعة، لأنه لم يستمع أحدهم للآخر، ولم يكن هناك حوار بين اثنين .
استفسر السويسري العالمي " جان بياجي " الأطفال عن "الليل" ففوجئ بأن كل طفل يربط " مجيء الليل به شخصيا " فالليل قد يحل بعيد العصر، أو بعد المغرب، أو قد لن يأتي إلا في الثانية صباحا حينما يذهب الطفل إلى الفراش قصد الخلود إلى النوم...والهدف يكمن في ترسيخ فكرة " التمركز حول الذات " لدى الطفل ، ويبدو أن بعض الكهول ببلدنا " وهم في مراكز القرار " لازالوا يتصرفون كالأطفال فهم يعانون من عقد وأزمات ومتاعب والطفولة { الطبع يغلب التطبع } ويأبون إلا أن يسقطوه على حاضر أطفال متعلمين أبرياء في عالم تطورت عقليات ساكنيه ، فدارت دورة تقدر زاويتها بـ 180° إلا عقلية جل المغاربة والعرب فإنها لازالت تراوح مكانها بل ويمكن أن نقول إنها ازدادت تخلفا .
ففي الوقت الذي يؤكد فيه الكندي " مارسيل بلانت " على أن المدرسة عبارة عن باخرة لابد من التعايش فيها بين الركاب / الطاقم / القيادة كي تصل إلى المقصد بسلام . { وهي صفات يمكن تنزيلها على أمة ما أو مجتمع معين }... فإن البعض عندنا يحاول خرق السفينة ويتشبث بأنانيته ...وهو لا يعلم أن مآل السفينة كله سيكون في خطر، وأن مصيرها إلى الغرق وأن الكل سيكون خاسرا في نهاية المطاف .
إن مواجهة الذات، وإخضاعها للتحليل النفسي هما الأداتان الناجعتان للتأسيس لتصور موضوعي لقدراتها وإمكاناتها ومواهبها، وكذلك وضع مكامن خللها تحت المجهر، ومن ذلك امتلاك القدرة على تقويم الآخر بكيفية موضوعية لا مكان فيها للتحيز أو العشوائية أو الذاتية .
 ومن جهة أخرى فالتقويم التكويني ينبغي أن يبقى بيد الأستاذ، فهو الذي يشخص ويصوغ التنبؤ المناسب قبل أن يمارس التتبع والدعم والتقويم والمعالجة والتثبيت والتصحيح، وخلاله { التقويم التكويني } يقدر مدى تطور التلميذ ويشجع فيه روح الانضباط والرغبة في المواظبة والالتزام بالآداب العامة، وهي عوامل إيجابية تمنحه نقطا إضافية، وغالبية الأساتذة يتعاطفون مع تلامذتهم حينما يحرزون تقدما ملموسا، ففي ذلك ملمح نجاعة أسلوب " القائم على جماعة القسم" ألا وهو المربي ... مثل هؤلاء الأساتذة وحدهم يحسبون في عداد الأكفاء حقا { كفايات الأستاذ حسب منظمة اليونسكو : 1 – كفاية التخطيط 2 – كفاية التدبير 3 – كفاية التقويم 4 – كفاية التفاعل مع التلاميذ 5 – كفاية التواصل مع الآباء} .
أما العودة إلى الامتحانات تحت ذريعة أن بعض الأساتذة يبذلون مجهودات كبيرة خلال الساعات الإضافية المؤدى عنها، أو من خلال انخراطهم مع مؤسسة التعليم الخاص... في حين تجدهم يتمارضون ويشتكون ويتقاعسون أثناء عملهم في القطاع العام فهي مسألة أخرى يمكن معالجتها من خلال إقرار مبدأ " المنحة " بحيث تمنح هذه المنحة لمن يخلص في عمله لمتعلميه الأصليين... ومعلوم أن الأنظمة التربوية المتقدمة تمنح تشجيعات ومكافآت للأساتذة أو للمدارس على قدر تمكنها من معالجة مصادر التعثر الدراسي، وتبعا لنسبة المتعلمين الذين ينجحون في هذه المؤسسات، ومدى قدرة هؤلاء المعلمين المربين في نقلهم من تيه الخلل وظلمة التخبط إلى سكة التعلم والنجاح...
كما أن تنظيم التعاقد مع القطاع الخاص يتم عبر ترخيص قانوني لمحاصرة كل الشبهات التي قد توقع الأستاذ في فخ المحظور .
أشار أستاذنا المحترم إلى أن التربية المعولمة هي تربية من أجل عقل جديد أو لنقل بصريح العبارة، إنها تربية من أجل ثقافة جديدة تقطع أو تكاد - مع بديهيات التربية قبل العولمية ذات الطابع التقليدي العتيق – تربية ما بعد الحداثة بلورت فلسفة تربوية تجمع بين أمرين أساسيين : المرونة والتفتح ...
إن تربية ما بعد الحداثة جاءت لكل الدول وكل الأفراد وليس حكرا على وطن معين، أو دولة بعينها... ويمكن أن نصفها بالكونية أو العالمية... وإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية ومن يركب فلكها يعتقدون أن العولمة هي الكونية وهي مرادفة للعالمية التي لا تخرج عن دائرة الأمركة، لقد خرجت الولايات المتحدة منتصرة من الحرب الباردة بعد سقوط جدار برلين سنة 1989 الذي تهاوت معه الشيوعية ورفعت اللبرالية رأسها عاليا .
والعولمة تكاد تجمع صفات العصر الحديث حسب المرحوم عبد الله عبد الدائم : فهي إعلامية وطبية وتكنولوجية وتربوية، وجاءت بفكرة النهايات التي آمن بها منظرو جامعة هارفارد الشهيرة : نهاية الإنسان، نهاية الدولة، نهاية الثقافة، نهاية السياسة، نهاية الاقتصاد... إي أن العولمة ارتضت للإنسان نموذجا نهائيا لا يمكنه ان يصبو إلى ما هو أحسن منه ... فالمقصد قد تحقق وبالتالي لابد من التسليم مثلا بأن المدرسة الحالية – على المقاس العالمي – هي أحسن مؤسسة تعليمية تمناها الإنسان على الإطلاق فقد كانت مجرد خيال، ولكنها أصبحت حقيقة، و قس على ذلك في باقي الميادين... طبعا هذا التصور الاحتكاري الطبقي غير صحيح بغض النظر عن مرافعات مؤيديه من المنافقين الذين يكيلون بمكيالين، والذين في قلوبهم مرض،على مستوى عولمة التربية التي قال عنها السيد محمد صالح حسينة بأنها مرادفة لتحرير الإنسان، وتغيير طرق عيشه في التعليم والتكوين وحتى في الترفيه والعمل والإبداع... وأنها تهدف إلى : إغناء الحريات الفردية / ترسيخ دور المواطن المشارك / تفتح الفرد .
وأردف قائلا ما معناه أن التربية المعولمة تجمع بين المرونة والتفتح كي تنجح في تكسير الحدود لكي تصبح تربية كل الدول.
وأضاف أن الإنسان المعولم في حاجة إلى مهارات وكفاءات مهنية على درجة عالية من الجودة وإلى ثقافة ذاتية قابلة لأن تدفعه إلى الاندماج في القرية الكونية الكبيرة ...
وخلص الأستاذ إلى القول أن العولمة من حيث المبدأ تبدو جذابة ومقبولة ولكن على مستوى الواقع، فهي قد تحولت إلى تيارات عسكرية وأمنية وإعلامية تحيط بالعالم من كل حدب وصوب، ضاربة الطوق على كل معارض، بل قد تلصق به تهم التخلف والإرهاب وزعزعة الاستقرار وممارسة الغش... لقد سبق للرئيس الأمريكي بيل كلينتون أن أشار إلى سطوة الشركات العملاقة على المعاقل الاقتصادية للدولة الأمريكية، وأنها تحولت إلى دولة داخل الدولة، ويمكن أن نضيف بأنها أصبحت أخطبوطا ينتشر بكيفية مخيفة فاتحة أسواقا جديدة متحدية الجمارك والرقابة والحدود ...
وعلى ذكر السوق فالعولمة نجحت في فتح أسواق تربوية عالمية تقاس فيها جودة المفاهيم، ويمنح فيها صك الغفران لبعض القيم، ويتم رفع حق الفيتو في وجه مناهج بعينها، ويجري إقصاء مفاهيم لا يرضى عنها منظرو العولمة ... وهذه الأسواق توجه تحذيرات للحكومات وللدول ...
السوق التربوية المعولمة تفرض الآن في المدرس والمدير والمفتش والوزير، وقبل ذلك في المتعلم المتخرج في مدرسة العولمة أ، يتحلى بمواصفات وكفايات وتتوفر فيه مهارات وقدرات، وأن يبرهن عن مواقف إيجابية مرنة ... قبل الحكم على إمكانياته في الاندماج من عدمه ... إن الكفاية تمنح الإنسان معرفة التصرف ، وهي تعني امتلاك مفاتيح الأقفال ، واستشهد بفكرة PHILIPPE PERRENARD الذي أشار إلى أنه بالنسبة للمتعلمين الذين يستوعبون جيدا معارف دراسية، والذين لا يستطيعون تعبئتها خارج سياق اكتسابها تشكل المقاربة بالكفايات خطوة حاسمة لأنها تمنحهم الفرصة للتمرس على التحويل . أما PHILIPPE JONNARET فيؤكد أن المناظرات العامة حول التربية مكنت من الوقوف على تزايد عدد الشباب الذين انقطعوا عن الدراسة بسبب التعلمات المجردة والمفصولة عن الحياة، على هذا الأساس فإن المقاربة بالكفايات تمثل بديلا بإمكانه إعادة الحيوية للمدرسة .  
خلال ندوة عباد المجاطي ركز الأستاذ محمد صالح حسينة مدرسة التحليل النفسي بزعامة المفكر النمساوي الطبيب سيجموند فرويد وأكد على أن : 
التعلم يعتبر حلقة الوصل بين التربية وعلم النفس .
الحديث عن علم نفس إنساني محض لا يصح إلا في إطار التعليم .
التحدث عن تربية بدون تعليم لا يجوز، ذلك أن التربية تعتبر نفسية معنوية علائقية إنسانية في الدرجة الأولى .
التعثر الدراسي قد يكتسي طابعا لا شعوريا، لذلك فالخطوة الأولى ضمن العلاج الكلي تكمن في إخراج جميع المكبوتات اللاشعورية إلى صفحة الشعور وواجهة الوعي .
" جورج موكو " يرى أنه لابد من إعادة بناء العلاقة التربوية التي تهم الحياة الدراسية والأسرية للتلميذ وفق أسس جديدة وظروف مستجيبة لرغباته المكبوتة قصد تحقيق توازنه النفسي المنشود .
لا مسؤولية للمتعلم فيما يعانيه من تعثر في دراسته .
المتعثر ليس متخلفا، ويمكن مساعدته ومعالجته إذا تم توفر الظروف الملائمة .
التركيز وبقليل منه، يمكن التحكم في وضعية مثل هذا التلميذ، وإعادة توازنه إلى نقطة المنطق .
أما الأستاذة عواطف عقبة فقد توقفت طويلا عند الأسباب الأسرية للتعثر الدراسي ، والتي وصفتها بالمتداخلة والمركبة، وبأنها تقف وراء حوالي 60% من حالات الفشل الدراسي أو اللاتكيف مع المناهج التعليمية، أو سوء التوافق مع المناخ المدرسي،.
الشقاق بين الوالدين الذي يسمم الحياة الزوجية، وهو وصف لحالة انعدام التواصل الوجداني بين الرجل والمرأة، أو اختلافهما حول الأساليب التربوية الناجعة... ونتيجته حدوث تفكك معنوي على مستوى الأسرة، يؤثر سلبا في تصرفات الطفل عاجلا وآجلا .
إسقاط طموحات الوالدين على الأبناء، وهو نوع من الإسقاط التعويضي عن حرمانهما من السير بخطوات ثابتة نحو هدف كانا يعتقدان أنه في المتناول، فإذا به يصبح صعب المنال .
هذه المراهنة اللاشعورية من طرف الآباء لتعويض ما ضاع منهما بواسطة الأولاد قدد تتعارض مع قدرات وميولات الأبناء، ولهذا تجد الابن مصدوما لأنه زج به من طرف الأم أو الأب أو كليهما في شعبة الطب، بينما ميولاته الحقيقية تؤهله للعب أدوار طلائعية مستقبلا كرياضي أو كممثل أو كإعلامي ...
وهنا تدخل السيد المفتش ليؤكد أن مداخل المنهاج التربوي ثلاثة : مدخل المقاربة بالكفايات / مدخل التربية على القيم / مدخل التربية على الاختيار، ( أن يتعلم الطفل الاستقلالية والحرية في اختياراته)... أي أن الطفل يتلمس المسؤولية منذ نعومة أظافره، يتدرب على كيفية اتخاذ القرار وتحمل تبعاته دون الجري وراء البحث عن كبش فداء لإلصاق التهمة به .
الاتزان الوجداني، وهو يعني محاولة سلب مشاعر الوالدين من قبل الطفل الذي ينخرط في سلسلة محاولات لإثارة سلب مشاعر الوالدين من قبله، وذلك عبر انخراطه في سلسلة محاولات لإثارة اهتمام وعطف الوالدين، فينعكس ذلك على الدراسة نفسها من خلال افصاح الولد عن متاعب دراسية تتحول إلى تعثرات .
الغيرة الأخوية : التي تؤدي إلى عمى البصيرة كذلك الطفل الذي ينسى صيغة الجمع كتعبير عن غيرة أخوية دفينة في أعماقه لا شعوريا.
وقد تدخل الأستاذ المفتش ليضيف مثالين : الأول يتعلق بذلك الطفل الذي طلب منه المحلل النفساني رسم صورة عائلته فحذف أخاه من الصورة واكتفى بنفسه كولي للعهد ووريث وحيد للأسرة وهو يضم إليه يدي أبيه وأمه .
أما الثاني، فقد ضرب الأستاذ محمد صالح حسينة المثل بطفل لا يقوى على كتابة حرف P واكتشف الأخصائي النفساني أن ذلك يعزى إلى أن اسم أخيه المغار منه يبدأ اسمه ب P  ، ويحتكر لقبه العائلي على أخيه، ويعتبر هذا اللقب حكرا عليه وحده .
تغيير البيئة الاجتماعية .
ظروف المعيشة .
المساواة الاجتماعية .
التقلقل داخل الأسرة .
السيد نورالدين الغزواني عاري الأستاذ الممتاز بأولاد احمامة، والمتخصص في الإعلاميات ، تطرق إلى الأسباب المدرسية للتعثر الدراسي، وخصوصا إلى :
1 – الأستاذ غير الناضج وجدانيا، وهوالذي يفسح المجال أمام " طفله " المتواجد بداخله  " وبداخل كل منا طفل " يكبر ويسيطر على تصرفاته ويوجه عصبيته لذلك تجد هذا المعلم يكثر من الصياح والوعيد والشتم والعقاب، يشتكي بسبب قلقه وضعف صبره ... هذا المربي يكون متعصبا لرأيه لذلك يكون غير قادر على ممارسة السلطة التربوية فيتحول إلى عامل من عوامل التعثر الدراسي .
وقد تدخل السيد المفتش لينزه جماعة تادلة عن مثل هذه السلوكات التي يكون مصدرها المعلم غير الناضج وجدانيا، ... وقدم أمثلة عن هذا النموذج :
المعلم المحتقر للتلاميذ .
المدرس الذي يصر على وضع المتعلم في قفص الاتهام أمام زملائه . 
إهانة المتعلم أمام زملائه وأمام مرأى ومسمع متعلمين آخرين في الساحة مثلا .
ومعلوم أن هذه الاهانات تصيب كرامة التلميذ في مقتل ، وتهيئه لرد الصاع صاعين، وتوجيه أسلحة الإهانة المضادة .
2 – لا مدرسية المدرسة : ومن تجلياتها النظام التربوي الصارم الذي يحول المدرسة إلى ثكنة عسكرية تجعل المتعلم ينفر من الجو السائد بمدرسته .
ومن مظاهرها كذلك الاكتظاظ حيث يتحول التلاميذ إلى قطيع مدرسي يتعذر معه ممارسة الأستاذ لسلطته التربوية .
ثم نأتي إلى التغير المفاجئ لطرائق التعليم خاصة عند الانتقال من مؤسسة إلى أخرى أو من بيئة إلى أخرى .       
كما تطرق السيد عاري الى العلاقة المتشنجة بين الأسرة والمدرسة، والراجعة بالأساس الى التنافر الوجداني بين الأستاذ والأب.
 وقد تدخل الأستاذ المفتش ليختم هذه الندوة حوالي الساعة 14H بتوجيه أساتذته الى التحلي بالشجاعة، ونبذ الخوف و الاشاعات التي تروج حول المدرسة العمومية.
كيف تقاوم الاحباط ؟ من وجهة نظر "مايكل إفريدج"
1) اتباع طريقة التنفيس او التهدئة الذاتية بأخذ شهيق عميق وزفير بطيء
2) تفريغ المشاكل بالفضفضة مع صديق او انسان مقرب
3) البكاء اذا احس الانسان بالرغبة في ذلك دون مكابرة
4) الخروج الى الاماكن العامة المفتوحة
5) تدريب النفس على استيعاب المشاكل اليومية، باسترجاع التجارب المشابهة التي مرت به وتغلب عليها فيثق في قدرته على تخطي الأزمة.
6) تبسيط الضغوط النفسية، والثقة بأن أي مشكلة لها حل حتى وان كان في وقت لاحق
7) ممارسة الهوايات، لأنها تنقل الشخص الى حالة مزاجية اكثر سعادة
8) ان يترك الانسان التفكير في مشاكله ويحاول اسعاد الآخرين فيجد سعادته الغائبة وليس الاحباط
9) تذكر ان دوام الحال من المحال، والثقة بأن الوقت كفيل بإنهاء هذه الحالة
10) الاهتمام بالغذاء، والحرص على تناول البروتينات الحيوانية والنباتية وعسل النحل، والقرفة، لأن ما تحتويه هذه الاغذية من أحماض أمينية يعتبر مضادات طبيعية للاحباط.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

اعداد وتقديم الأستاذة مريم حسينة
الإخراج الفني: للأستاذين نورالدين الفرخ – مروان أقديم

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق