الخميس، سبتمبر 22، 2016

لحظة تردد

نشر بتاريخ :

لحظة تردد

لحظة تردد

المصطفى سالمي

وجد (الحسين) نفسه في صراع داخلي عنيف، رجعت به الذكرى لماض قريب حين كان جاره يسب أهل الحارة جميعا، ويلعن الكبير والصغير، يومها تحدث البعض على أن الجار الجديد كان في حالة سكر طافح، وقرر  الناس مقاطعته تأديبا له على جسارته وتطاوله عليهم، لم يكن السيد (الحسين) متفقا مع هذا القرار ، حاول أن يفهمهم أنهم بهذا الموقف سيكونون عونا للشيطان على هذا الجار، وأن المصالحة والغفران من شيم الكرام، لكن لا أحد استمع لرأيه، واعتبروا أن أبسط درس يمكن تلقينه لمثل هذا الواحد من المعربدين المفسدين هو المقاطعة.                                     
اقترب العيد، وأحس (الحسين) بالخجل من نفسه وهو  يقاطع جارا لم يقلع حقيقة عن "البلاء" أو "الآفة"، وكأنما زيادة في التنكيل بالجيران، كان يعود كل مساء معربدا لاعنا الدنيا والناس.. ولكن إساءاته للجيران قلّت مع مرور الأيام. كان السيد (الحسين) يحس بأن إبرا حادة تنغرز في جسده وهو  يتقاطع مع هذا الجار  في الطريق ولا يحادثه، ولكن هل يعادي الجيران جميعا من أجل كسب واحد صلاحه غير مضمون؟! وهل يفعلها الآخرون ويقاطعونه هو نفسه مثلما يقاطعون المبتلى؟، لقد كانت قرارات أهل الحارة كالسيف المسلط على رقاب الجميع، ومن يتمرد عليها يعاقب بصرامة، إنه لم يعد يقوى على الاستمرار في الخنوع لحارة تغلب أعرافا بالية من زمن غابر.                                   
في مساء ذلك اليوم شاءت الأقدار أن يتقابل الرجلان، وتلتقي الأعين، لكن نظرات (الحسين) لم تنخفض للأسفل كالمعتاد، اقترب الأخير ، وبابتسامة عريضة قابل جاره، وكسر أغلالا كانت تطوق رقبته. احتضن (الحسين) جاره الذي هو أقرب لبيته، والذي هو أولى بمحادثته، وليكن بعد ذلك ما يكون، وكان الجار  كأنما ينتظر مبادرة من هذا القبيل على أحر من الجمر، فقد التمعت عيناه، وظهر فيهما بريق غريب، وكانت حرارة المصافحة من جانبه بادية للعيان.                  
ترقب (الحسين) ردود الفعل الساخطة، لكن الناس لم يبد منهم أي شيء مريب، "إنهم ليسوا أوصياء عليه" قالها الرجل في أعماقه. مرت أيام وأيام، انقطع الجار تماما عن "البلاء المبين"، وفجأة وجد صاحبنا جاره الجديد يرافقه للمسجد لأول مرة، وتغير شكل هذا الجار، لقد ظهر ضياء رباني على محياه، وبدأ الجيران تدريجيا ـ واحدا بعد الآخر ـ يكسرون  جدار الحصار والمقاطعة عن الجار الجديد، بل أصبح سلاح المقاطعة شيئا من الماضي الغابر الذي ما عاد أحدهم يجرؤ على ذكره أو التفكير في توظيفه في هذه الحارة.  
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق