الخميس، يونيو 30، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: سفر ليليّ‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: سفر ليليّ‎

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: سفر ليليّ‎



المصطفى سالمي

    مازال هدير الحافلة يطن في رأسه طنينا متواصلا، ولم تكن الحافلة لتشكل همّا يذكر بالنسبة له رغم أن الرحلة طويلة بين مدينتي آسفي والبيضاء، تفوق مدتها الزمنية ثلاث ساعات. ولكن مشكلته هي النوم. إن  كل شيء يمكن له تحمله إلا ان يبقى مستيقظا طيلة الليل ثم يستقبل في الصباح مباراة لولوج سلك الأساتذة. كان بإمكانه أن يستقل حافلة
مكيفة ومريحة لا تتوقف كثيرا في الطريق، ولا يحس المرء لها قلقلة أو خلخلة في الكراسي والزجاج، ولا تخلف في رأسه مثل هذا الطنين. ولكنه الفقر اللعين الذي يحتم عليه اقتصاد دريهمات يستبقيها لعوادي الزمان، أو بالأحرى لعوادي هاته الرحلة. وكان بإمكانه أن يأتي إلى البيضاء قبل الامتحان بيوم أو بيومين وينزل ضيفا على أحد الأقارب وما أكثرهم سواء الذين يمتون بصلة القرابة لأمه أو لأبيه والذين جاؤوا من البادية منذ سنين بعيدة واستطاعوا أن يشقوا طريقهم في العاصمة الاقتصادية ويصبحوا من أصحاب الأملاك. ولكنه يرفض أن يريهم وجهه فقط لخوفه من ملاحقتهم إياه بالأسئلة الروتينية التي أصبحت كالدمامل على جسده لا يستطيع منها فكاكا  سواء في الشارع أو عند زيارات الأهل والأقارب. دائما يسألون عن العمل، عن الوظيفة المرتقبة،  عن ضرورة البحث وعدم الركون لليأس، وتتطور الأسئلة إلى تعقيبات  جوفاء تثير الضجر: "فلان أخرج ابنه من المدرسة وهو في الابتدائي، وها هو الابن قد أصبح اليوم صاحب ورشة ميكانيكي تذر عليه الألوف" ويعقب  الآخر على أن هذا الزمن ليس بزمن  الشهادات. إنه زمن (الفهلوة) وزمن أصحاب النفوذ الذين يفتحون الأبواب المغلقة بقوة سر  أسرار العصر.                                    
  آه إن الطنين ما يزال يطن في رأسه رغم أنه ترك الحافلة اللعينة وحطّتْ قدماه أرض مدينة الضباب كما يقولون. وها هي البنايات الشامخة مازالت غارقة في سكونها الليلي. لقد وصلت الحافلة باكرا، إذ لم تتعد الساعة الرابعة صباحا. وما هي إلا دقائق معدودات حتى تشتعل المدينة ضجيجا وصخبا ودخانا .. ما أطولها من رحلة والرجل العجوز بجانبه في الحافلة لا يكف عن الثرثرة ولكن أنت المسؤول عن ذلك فلو لم تفتح له المجال لما تمادى في الأسئلة وفي التدخل في الخصوصيات التي لا تهمه. ما أشد فضول الأجيال العتيقة!، سألك عما إذا كنت ما زلت تلميذا، ثم استفسر عن سفرك، فقلت له إنك مسافر لاجتياز مباراة للحصول على شغل، وبعد لحظات عقّب على حالك بقوله: مسكين يا ولدي! ومتى أنهيت دراستك؟ فقلت: منذ ثلاث سنوات يا  والدي ورد  قائلا: لا عليك يا بني ،سيسهلها الله. ولكن قل لي، لماذا لم تذهب للبيضاء منذ يومين أو يوم على الأقل من أجل أن ترتاح وتنعم بالنوم؟ ثم استطرد لوحده بعد قليل :آه ليس لديك أقارب ومعارف بالبيضاء على ما يبدو وليس لديك ثمن المبيت بالفندق أليس كذلك ؟ ولماذا لا تجتاز المباراة بمدينة آسفي؟ ... عليك اللعنة أيها العجوز ـ قالها صاحبنا في نفسه ، بعد أن حرمه مرافقه من النوم ولو لدقائق وهو الذي تنتظره ساعات  من الجهد العقلي والنفسي  ثم رحلة العودة إلى آسفي، كل هذا في يوم واحد. آه، إن الطنين في رأسه يكاد يشقه شقا. لو أن هذا الطنين يتركه فقط حتي يخرج من قاعة الامتحان ثم يفتك به كما يشاء. إنها الآن الساعة الرابعة والنصف، لازال الوقت باكرا. وها هي مقهى  معظم زبائنها من المسافرين، كانت شبه فارغة، إذ تفرق في زواياها بعض نفر كلهم شباب. وأخذ صاحبنا يتصفح أوراقه التي تضم أشتاتا من المعلومات. وجاء النادل فطلب كأس قهوة لعله يُذهب ما تبقى من آثار النعاس وعاد إلى أوراقه التي زادت رأسه طنينا فلملمها في يأس من الإفادة منها في هاته اللحظة، فيما كان النادل يضع  أمامه كأس قهوة ساخنة احتساها احتساء ثم نقد النادل وخرج إلى فضاء المدينة.                                                                  
الساعة الخامسة، هو الوقت المناسب للتوجه إلى مركز الامتحان والذي يحتاج إلى حافلة للوصول إليه ولكن لا بأس فنسيم الصباح يغري بالمشي، ثم لا يجب أن ينسى أنه سيوفر بعض النقود على قلتها إلا أنها ستنفع شخصا كحالته.                                    
الحركة تدب رويدا رويدا في المدينة مع توالي خطوات قدمين تحرقان المسافات، وأحنى بصره باتجاه قدميه، آه ..الحذاء ،إن ضياعه يعد بالنسبة له خسارة مادية ومعنوية. مادية لأنه لن يستطيع بعد اليوم أن يحلم بحذاء مثله، على الأقل في ظل البطالة التي يخاف أن تستديم. ومعنوية لأن الحذاء يعود به إلى الحياة الجامعية، لقد اشتراه بعد نجاحه في الدورة الأولى من ليسانس الآداب. ما أجملها من ذكرى وما أتعسه من واقع !                           
  ها هي السيارات بدأت تنفث دخانها الأسود مع تبدد بقايا الظلام. وأخيرا، ها هو مركز الامتحان قبالته كان يظن أنه سيكون أول من يصل إليه. ولكن متبارين بالعشرات جاؤوا مثله، وربما قضوا الليلة هنا  وبدأت الدقائق يتلو بعضها بعضا في رتابة مملة، واكتشف لحظتها  أن مباراة اليوم لا تكاد تختلف عن مباريات أخرى عديدة اجتازها لولوج سلك المحررين أو الممرضين... وأسماء أخرى لوجه واحد. وكأن القدر يكرر نفسه. وإذا ببعض الوجوه المعروفة وقد نزلت للتو من إحدى حافلات النقل الحضري تتوجه نحوه مهللة :"آه هذا أنت، كنا نظنك قد أصبحت أستاذا أو موظفا كبيرا منذ  زمن". وقال زميل آخر: "ألا لعنة الله على الظروف، عبقري الكلية مازال عاطلا في حين أن الأوغاد ينقضون على المناصب بقدرة قادر".                    
 ووجد نفسه أخيرا بين رفاق شاركوه الرحلات (الماراطونية) عبر الحافلة بين الجامعة والحي الجامعي حيث كانوا يقطنون. وسرحت به الذاكرة فجأة نحو الماضي الذي أصبح يبدو بعيدا، بعيدا جدا، نحو الطوابير الطويلة أمام باب مطعم الحي الجامعي بانتظار وجبات الغذاء والعشاء ...                                                    
 الطنين لم يعد يكتفي برأسه وحده ، بل امتدت آلامه لتشمل سائر جسده ، بينما كانت عيناه تحملقان في حالات نقيضة لحالته، إذ تقف بين الفينة والأخرى سيارات أنيقة من آخر طراز في عالم السيارات، ينزل منها متبارون يظهر أنهم استفاقوا من نومهم منذ دقائق فقط كما خيل إلى ذهنه النعسان. ما أسعدهم وأسعد أمثالهم من الذين يجدون كل شيء جاهزا ليتسلموا كل شيء دون عناء يذكر! في هاته اللحظة حيث جرس الامتحان ينبه المتبارين ويدعوهم لقاعات التباري، تذكر صاحبنا دعوات والدته التي يخفق قلبها دون شك في هاته الساعة .                                                         
 من أجل ذلك القلب الحنون الذي يحمل همه، ذلك القلب القريب رغم المسافات، سيدوس الألم والنعاس وكل الكوابيس لعل وعسى..!                                                               
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق