الجمعة، يونيو 03، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان : ابتسامتي هي رصيدي في الحياة‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان : ابتسامتي هي رصيدي في الحياة

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان : ابتسامتي هي رصيدي في الحياة‎


بقلم المصطفى سالمي
أمضى السيد (عبد السلام) زهرة عمره في قطاع التعليم، فقد تعاقبت أجيال بين يديه، واشتعل رأسه شيبا واحترقت كثير من خلاياه العصبية بين فصول الدراسة، لكنه لم يفقد مع ذلك ابتسامته وطابع النكتة التي تميز بها، في وقت كان فيه غيره من المدرسين يعيش محبطا أو مصابا بأعراض وحالات عصبية أقلها التوتر والانزعاج من أبسط كلمة،
وتأويل أقل عبارة بأنها استفزاز له. فكانت روحه المرحة تجعله يتعجب من ردود فعل بعض زملائه العنيفة والمزاجية، لكنه يعذرهم في نهاية المطاف، فهو يعرف أن المشتغل بالتعليم كالممسك بالجمر في قطاع ما عاد يحتفظ بنفس ضوابط الماضي، وبنفس قيم الاحترام الذي ميز على مر الأجيال شخصية المدرس وشخص الكبير سنا و الكبير علما. إنها قيم العولمة المفرغة من كل قيمة وكل ميزة. اضطر السيد (عبد السلام) إلى تجريب الإدارة التربوية، فاختار الحراسة العامة بعد أن أمضى قرابة ثلاثة عقود متقلبا بين فصول الدراسة. لكن الإدارة فاجأته بأن عوالمها لا تقل صعوبة ولا تختلف همومها في قليل أو كثير عن الفصل والتدريس. فمشاكل التلاميذ الصغيرة التي لم تكن الأجيال العتيقة تجرأ على الإقرار والإفصاح عنها أمام الكبار، ها هم فتيان وفتيات اليوم والحاضر يترددون باستمرار على مكتب السيد (عبد السلام)، هذا يتهم ذاك بأنه التقط له صورة بالهاتف الجوال وهو في وضعية غير لائقة، وأخرى تتهم صديقتها بنقل أخبار كاذبة عنها لأمها، وآخر يزعم سرقة نقود من محفظته بملعب التربية البدنية... مشاكل لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، ومطلوب منه إيجاد حلول لها، وكأنما هو يعلم الغيب وما خفي من الأمور بفصول المدرسين، فيتحول صاحبنا في أحيان كثيرة إلى ما يشبه "محقق شرطة". وفي ظل توقف مراكز الاستماع عن القيام بمهامها يجد السيد (عبد السلام) نفسه ـ في أحيان أخرى ـ يتحول إلى أشبه بالمعالج النفسي أو الخبير الاجتماعي الذي يعالج هذه المشكلات التي تبدو بسيطة، لكنها عميقة الأثر في نفوس ناشئة اليوم. وحين يدق الجرس على رأس كل ساعة، يهب السيد الحارس العام من مكتبه لتنظيم دخول التلاميذ إلى فصولهم. ففي وسط الساحة هناك (سقاية) يتحلق حولها التلاميذ من أجل شرب جرعات من الماء في ظل حرارة أواخر الموسم الدراسي، وخاصة مع تخريب الصنابير ، إذ لم يعد صالحا منها إلا اثنان لما يفوق ألف تلميذ.. وهكذا تبدأ مهمة السيد (عبد السلام) المستحيلة، يساعده في ذلك زميلاه: السيد "غريب" والسيد "المصطفى" الملقب بـ (أردوغان)، خاصة مع اندفاع تلاميذ التربية البدنية الذين يتصببون عرقا باتجاه السقاية اليتيمة.. وبعد أن ينصرف المدرسون في نهاية الفترة الصباحية، يجد السيد الحارس العام نفسه يعود لمواصلة عمله في الساعة الثانية بعد الزوال بخلاف المدرسين الذين يكتفون بنصف نهار فقط. لكنه يتمسك بالابتسامة رصيدا لا يتخلى عنه، فكلماته الساخرة هي رأسماله الذي ساعده على الصمود طوال هذه المدة، في وقت يتهدم فيه البنيان النفسي لزملائه في مهنة أصبحت يوما عن يوم جحيما للمدرسين. إنه يلاحظ أن زمرة من الأجيال الحديثة ما عادت تقوى على مواصلة مسار التدريس والتكوين في ظل العجز عن تحمل الشدائد مقارنة بالأجيال العتيقة. لذلك لم يعد السيد (عبد السلام) يتعجب من ردود فعل المدرسين الشاذة أحيانا، فهو يلتمس الأعذار للجميع. بل لا ينفك يردد مع نفسه قائلا: "الأولى بمراكز الاستماع والإنصات في المؤسسات التربوية أن تفتح خدماتها لصالح رجال التدريس قبل غيرهم".
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق