الاثنين، يونيو 06، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: حنين إلى الزمن الجميل‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: حنين إلى الزمن الجميل‎

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: حنين إلى الزمن الجميل‎

بقلم المصطفى سالمي
  عاد بذاكرته إلى سنوات بعيدة جدا حين كان يدرس بالمرحلة الثانوية وذلك منذ  حوالي  ثلاثة عقود من الزمن. كانت مدينته وقتها صغيرة لم تنفض بعد عنها عباءة البداوة والبساطة والبراءة. كان يأتي أحيانا قبل أن تفتح الثانوية أبوابها لدقائق ليست بالسيرة إلى قبلته المنشودة: "مكتبة النور" المقابلة لثانوية "المعتمد بن عباد". كانت هذه الأخيرة تبيع الكتب القديمة، بل وتؤجرها أيضا بمبلغ
زهيد لا يتعدى نصف درهم أو خٌمسه أحيانا. كان يحب أن يستبدل قصة بأخرى وخاصة قصص المنفلوطي وجرجي زيدان.. وأحيانا ـ وهو ينتظر أن يرن جرس الدخول ـ  كان يشرع في قراءة صفحات من (العبرات)أو (النظرات)أو (ماجدولين)..على أنغام (قارئة الفنجان)أو (موعود) التي كان صاحب المكتبة يجتذب بها طلبة الثانوية لمكتبته، وكأنه كان عالم  نفس يستعمل معهم  أسلوب التنويم المغناطيسي، وكان ينجح في ذلك نجاحا ملفتا للطابع الأدبي الذي ميز ثانوية:(ابن عباد) مقارنة مع ثانوية (الرازي) العلمية، وهما الثانويتان الوحيدتان في مدينته وقتئذ، هذه المدينة التي بدأ شأنها وصيتها يتناميان في هذه الفترة. كانت الإناث في ثانويته يشكلن ـ عدديا ـ أقل من ثلث القسم، وربما نفس النسبة على صعيد المؤسسة، إلا أنهن أكثر مثابرة واجتهادا من الذكور. كانت زميلاته يضعن كلهن ـ تقريبا ـ قطع الثوب على الرؤوس، وملابسهن محتشمة تكاد تغطي كل الجسد. وكان عاديا أن يسمع الواحد  أن التلميذة الفلانية قد انقطعت عن الدراسة بسبب عامل الزواج. ولم يٌنعت ذلك  يوما بأنه "زواج مبكر"،  فهو زواج وكفى. وكانت التلميذات يحصلن على أعلى الدرجات الدراسية ـ مقارنة بالذكورـ كما كن مهووسات بالقصص، وضالتهن هن أيضا يجدنها في "مكتبة النور"، وكأنهن يعشن في عوالم المنفلوطي وجبران خليل جبران ما لا يعشنه في عالمهن المحافظ .                                                                          
 مرت عقود ثلاثة أو ما يقرب منها، ويعود صاحبنا إلى مدينته التي نفضت عنها عباءة البراءة والبداوة في آن واحد. لقد أمضى سنوات الجامعة ثم اشتغل في أقصى الجنوب المغربي لسنوات. عاد لمدينته وقرر أن يذهب ليستعيد الذكريات الجميلة. عاد به الحنين لثانوية: "المعتمد بن عباد" و"مكتبة النور" المقابلة لها. لكنه صعق حين وجد بدل المكتبة مطعما للوجبات السريعة. أما أنغام عبد الحليم حافظ فما عادت تسمع هنا. لقد حلت محلها أصوات منبهات السيارات وضوضاء وصخب طغى على كل صوت. هنا يتوزع كثير من الشباب ـ ذكورا وإناثا مختلطين ـ أغلبهم يحملون هواتف ذكية يتبادلون ضحكات ويتصفحون مواقع إلكترونية هم وحدهم يعرفون أسرارها.. ملابسهم تدل على كثير من التحرر. لكن اختلاطهم ـ في ما يبدوـ لا يشع متعة وسعادة كالتي كانت تبدو على جيله حين يجالس الذكور الإناث في بعض الحالات النادرة. فبريق العينين ليس هو نفسه، وشعاع السعادة وطيفها لا يبدوان على هذا الجيل المتخشب كالألواح، لا تثيره لا الألوان ولا الأشكال البراقة المحيطة به.                                                                                 
   تبددت أحاسيس الحنين في صاحبنا، وحلت محلها أحاسيس  الحسرة والألم ممزوجة بالأسى على ماض جميل لم يعد موجودا إلا في ذاكرته وذاكرة جيله ممن عاش عوالم المنفلوطي وعبد الحليم حافظ .. فالزمن اليوم  تبددت أوراقه، والماضي الجميل أصبح طيفا بعيد المنال، لاوجود له إلا في الخيال.                                     

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق