الثلاثاء، يونيو 21، 2016

الدعوة إلى مراجعة مناهج " التربية الدينية" السياق وواقع مادة التربية الإسلامية

نشر بتاريخ :
الدعوة إلى مراجعة مناهج " التربية الدينية"

السياق وواقع مادة التربية الإسلامية
الدعوة إلى مراجعة مناهج " التربية الدينية" السياق وواقع مادة التربية الإسلامية

ذ.خالد البورقادي
مفتش تربوي بالتعليم الثانوي التأهيلي
منسق جهوي تخصصي
باحث في قضايا التربية والتكوين
تقديم
بعد خرجات إعلامية لبعض الوجوه الثقافية والإعلامية تدعو إلى مراجعة مناهج مادة التربية الإسلامية؛ وتشن على المادة وأهلها هجوما عنيفا؛ متهمة مناهج التربية الإسلامية بتضمنها ما يحرض على الكراهية؛ جاءت الدعوة بعد ذلك بشكل رسمي لمراجعة ما سمته مناهج " التربية الدينية".

فما هي سياقات هذد الدعوة؟ وهل منهاج "التربية الدينية" بحاجة إلى مراجعة وتعديل؟ ثم ما هي الشروط العلمية والبيداغوجية لعملية مراجعة المناهج؟ وهل واقع مادة التربية الإسلامية كجزء من "التربية الدينية" يصدق هذه الدعوة ويعززها؛ أم الأمر بخلاف ذلك؟
1.    "التربية الدينية" ؛ المفهوم وحَمولتُه:
تعالت الدعوات والأصوات في الآونة الأخيرة إلى مراجعة المناهج التعليمية؛ وخاصة ما تعلق بمناهج ما سمي "بالتربية الدينية"؛ مع أن المشتغلين بالحقل التعليمي والتربوي؛ والباحثين والمتتبعين يعلمون ألا وجود لهذا المصطلح في المنهاج التربوي المغربي؛ وكل ما هنالك: مادة اسمها مادة التربية الإسلامية ضمن المواد المُشكِّلة للمنهاج؛ تغطي الأسلاك الثلاث: الابتدائي والثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي؛ هذا في التعليم العام؛ ثم هناك التعليم الأصيل بمواده المختلفة مع التركيز على المواد الإسلامية وهو أيضا تحت مسؤولية ونظر وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني؛ وتتبع المفتشين التربويين للمادة؛ بالإضافة للتعليم العتيق الذي تسهر على تتبعه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية هيكلةً ومقرراتٍ وتتبعاً وتقويماً؛ بالتنسيق مع وزارة التربية الوطنية بخصوص الشهادات ومعادلتها.
فهل نتحدث عن تربية إسلامية كمادة تعليمية حاملة للقيم ضمن المنهاج التربوي ككل؛ منصوص عليها في المنهاج؛ لها توجيهاتُها وديداكتيكُها الخاص؟ أم أن مصطلح "التربية الدينية" مستورد ضمن ما يستورد عبر وسائل الإعلام من أوساط وبيئات ودول مختلفة؟ خاصة المشرقية منها؛ لأنهم يتحدثون في مناهجهم التربوية عن مسمى " التربية الدينية" ؟! فدول الخليج ومصر والأردن.. دأبوا على استعمال هذا المصطلح في أدبياتهم التربوية والإعلامية، فهل انتقلت إلينا العدوى؛ أم أن التسمية بهذا المصطلح في البيئة المغربية أمر مقصود يروم صبغ المفهوم بصبغة خاصة بعيدة عن مفهوم التربية الإسلامية؟ أم أن المصطلح أوحي به من قبل جهات معينة تمهيدا لخلطة لا طعم لها في المستقبل القريب؟
هذه بعض التساؤلات المشروعة بخصوص الحمولة القيمية للمصطلح المُرَوَّج له                                          "التربية الدينية" في الدعوة الأخيرة لإصلاح المناهج؛  لأننا في المغرب وكما يعلم جميع المغاربة أن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام وأن المغاربة جميعَهم مسلمون؛ إلا ما كان من بعض الأقليات المغربية المتواجدة ضمن النسيج المجتمعي المغربي عبر قرون طويلة من تاريخ المغرب ويضمن لهم الدستور والقانون جميع حقوقهم الدينية.
إن الانتقال من مفهوم التربية الإسلامية إلى مصطلح "التربية الدينية"؛ يوحي للمتتبع القريب والبعيد وكأننا في دولة بها أديان متعددة؛ وطوائف مختلفة؛ وأقليات كثيرة؛ مما يدفع إلى ضرورة مراجعة مناهج التربية الدينية حتى تستجيب لحاجيات الجميع؛ ولسنا في بلد يَدينُ أهلُه بالإسلام؛ وتحرص الدولة أيما حرص على إعلان ذلك وإقراره في مختلف القوانين والنصوص التشريعية والوثائق المُنظِّمة!!!
ففي الدستور المغربي نجد في الفصل الثالث: " الإسلام دين الدولة؛ والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية"[1].
وفي الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ والذي لازال يعد الوثيقة المعبرة عن السياسة التربوية والتعليمية للنظام التربوي المغربي نجد ما يلي:
(يهتدي نظام التربية والتكوين للمملكة المغربية بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح؛ المتسم بالاعتدال والتسامح؛ الشغوف بطلب العلم والمعرفة في أرحب آفاقهما؛ والمتوقد للاطلاع والإبداع؛ والمطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع)[2].
ونجد في المرتكز الثالث: (يتأصل النظام التربوي في التراث الحضاري والثقافي للبلاد؛ بتنوع روافده الجهوية المتفاعلة والمتكاملة؛ ويستهدف حفظ هذا التراث وتجديده؛ وضمان الإشعاع المتواصل به لما يحمله من قيم خلقية وثقافية).[3]
وتجدر الإشارة إلى أن الوثيقة الإطار للاختيارات والتوجيهات التربوية حددت مدخلا تربويا لجميع المناهج التربوية يتمثل في ثلاثة أبعاد هي بُعد تربية التلميذ على القيم(أربع مجموعات من القيم)؛ وبُعد تنمية كفايات التلميذ (خمس مجموعات من الكفايات)؛ وبعد تربية التلميذ على الاختيار واتخاذ القرارات.[4]
والقيم التي نصت عليها الوثيقة هي:
قيم العقيدة الإسلامية؛
قيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية
قيم المواطنة؛
قيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية.
فما الذي استجد يا ترى لتتسلل هذه المفاهيم المحملة بالكثير من الدلالات المنصبغة بالظرفية السياسية الراهنة لتشكل عنوان الدعوة لمراجعة مناهج "التربية الدينية"؟ وما هي السياقات المنتجة لهذه الدعوات؟
2.    سياق مراجعة مناهج " التربية الدينية":
أ ـ حاجة المنهاج التربوي إلى التطوير والتجديد:
لا يختلف اثنان في ضرورة وأهمية مراجعة المنهاج التربوي curriculim لأي نظام تربوي كيفما كان؛ وتكاد الأبحاث والأدبيات والدراسات التربوية تتفق على هذا؛ تماشيا مع التطور والتغير الذي يعرفه الإنسان؛ ونظرا لتعقد الظاهرة التربوية والحاجة الدائمة للمراجعة والتجديد والتطوير؛ بما يستجيب بشكل رئيسٍ وأساسٍ لحاجاتِ  les besoins المجتمع بالدرجة الأولى؛ وحاجيات وانتظارات المتعلمين بدرجة ثانية.
ويعد علم المناهج علما قائما بذاته في حقل علوم التربية؛ له خبراؤه المتخصصون في تصميمه وبنائه وتنفيذه وتقويمه؛ وفق قواعد وأسس علمية وتربوية وبيداغوجية. والأصل في عملية المراجعة للمنهاج؛ تكون ناتجة عن عمليات متابعة وتقويم مستمرة؛ من خلال مجموعة من التقارير والدراسات التي يقوم بها الخبراء التربويون المتخصصون وذلك "للوقوف على مدى تحقيق المنهاج لأهدافه ومعرفة المشكلات التي تحدث عند التطبيق حتى يمكن مواجهتها"[5].
وهناك أسباب ودواعي عديدة تدفع خبراء التربية إلى مراجعة المناهج؛ من أهمها:
>  قصور المنهاج الحالي: عندما يقتنع كل القائمين والمهتمين بالشأن التربوي داخل المجتمع بقصور المنهاج الحالي عن تحقيق مخرجات معتبرة وتحقيق أهداف مجتمعية؛ فإن ذلك يدفع في اتجاه مراجعة أو تجديد أو تطوير لهذا المنهاج؛
>  التغيرات الطارئة على المتعلم/التلميذ والبيئة والمجتمع والمعرفة: فالعصر الذي نعيش فيه سريع التطور؛ من سماته التغير السريع؛ والسرعة في إنتاج المعرفة والمعلومة؛ وثورة خيالية في وسائل الاتصال وتقنايته؛ لاشك أن لذلك كبير الأثر على سيرورة الحياة جملة للمجتمعات البشرية؛ وبالتأكيد الشباب والطلبة والتلاميذ في مقدمة هذا النسيج المجتمعي السريع التأثر بالتطورات المعاصرة؛ الأمر الذي يضع على كاهل المسؤوليين التربويين وصناع القرار التربوي مسؤولية تطوير المنهاج التربوي وتجديده بما يحفظ قيم المجتمع في عالم موار؛ يشهد تدافعا غير مسبوق في مجال القيم؛ ثم الحاجة الملحة لمسايرة تطور العصر وتقنياته بما لا يفضي إلى الذوبان في قيم الأمم الأخرى؛ أو السقوط في يسميه البعض ب" عولمة القيم " وفرض نموذج قيمي واحد؛ لأنه هو المسيطر في العالم.
>  التطوير بناء على الدراسات المستقبيلة: قد يحدث التطوير نتيجة التنبؤ بحاجيات الأفراد واتجاهات الفرد والمجتمع؛ عبر دراسات علمية وإحصاءات مجتمعية عامة؛ تقترح الخطة المستقبلية للمجتمع؛ تحدد مطالب الغد؛ وحاجات المجتمع في قطاع التربية والتكوين وما يرتبط بذلك من سوق الشغل وإدماج الخرجين في المجتمع وفق دراسات استراتيجية علمية ودقيقة[6].
>  تطور الفكر التربوي:  وازدياد حركة البحث العلمي في مجال التربية وعلم النفس التربوي؛ والإحساس بضرورة التكامل بين النظريات والمقاربات البيداغوجية، والأخذ من كل منها في مجال تطوير المناهج الدراسية نفسها. " فلم يعد بين النظريات التربوية وعلم النفس من حواجز تمنع الأخذ والعطاء؛ بل صار معيار الحكم على كل نظرية منها قدرتها على أن تترجم إلى منهاج دراسي يشق طريقه إلى حجرة الدراسة بكفاءة واقتدار"[7].
تلك أهم الدواعي والأسباب التي تدفع صناع القرار التربوي في أي بلد إلى الدعوة إلى مراجعة المناهج وتطويرها؛ فهل ينطبق هذا على الدعوة المعلنة في المغرب لإعلان عن مراجعة مناهج "التربية الدينية"؟
إذا كان الأمر كذلك؛ فأين هي الدراسات البيداغوجية والديداكتيكية العلمية التي أثبتت قصور منهاج التربية الإسلامية المعمول به في المنهاج التربوي المغربي؟ كم من تقرير أو دراسة علمية انطلق منها الداعون إلى مراجعة منهاج ما سموه "التربية الدينية" ؟؟
في ظل التخبط الذي تعيشه المنظومة التربوية المغربية؛ والواقع المتردي الذي صارت إليه بفعل السياسات التعليمية المتبعة؛ ولَمَّا لمْ توجد أَيٌّ من المسوغات والدواعي العلمية المذكورة سابقا؛ يبقى السؤال الذي يطرح بإلحاح:
لماذا الدعوة إلى مراجعة منهاج "التربية الدينية" الآن؟ وما السياقات التي دفعت إلى إعلان هذه الدعوة؟
ب ـ سياقات الدعوة إلى مراجعة منهاج "التربية الدينية":
>  السياق الدولي:
والمتمثل في ضغط الاستكبار العالمي؛ والمستمر على الدول الإسلامية والعربية؛ من أجل مزيد من فرض التبعية وفصل الشعوب عن مقوماتها الثقافية والحضارية؛ فلم يكتف الغرب الرأسمالي بالاحتلال العسكري وتفتيت المفتت وتجزيء المجزء، بل امتدت أياديه إلى المناهج التعليمية للمجتمعات العربية والإسلامية؛ من أجل تغييرها؛ ومسخها بما يخدم أهدافه ومصالحه الثقافية ويحقق أهدافه الاستعمارية/الاستخرابية وعلى رأسها عولمة قيمٍ بعينها وصبغ الشعوب المستضعفة بها؛ إنها قيم العولمة المتحللة من كل قيد أخلاقي أو ديني؛ أو حتى ضوابط أخلاقية تتماشى والفطر السليمة لكل ذي عقل من الناس!
كل ذلك تحت يافطة حقوق الإنسان الكونية؛ وعولمة قيم  "التسامح" والتعايش؛ ورغبة جامحة متطرفة لفرض نموذج قيمي  واحد في تناقض تام مع كل مبادئ التعددية والاختلاف بين الأمم والشعوب!! في تجاهل تام للأسباب الحقيقية التي تغذي نزعات التطرف والكراهية؛ وفي مقدمتها غياب الإنصاف والعدل وعدم احترام الخصوصيات الثقافية والقيمية لمختلف الشعوب والدول.
" فقد طالب الرئيس الأمريكي السابق – جورج بوش- بتخصيص 145 مليون دورلار- حينها- من ميزانية 2004 لتحويل التعليم في المدارس الإسلامية في العالم العربي إلى تعليم علماني؛ وهناك معطيات دقيقة تؤكد دور الحكومات الغربية في الضغط على الأنظمة العربية لنشر القيم الغربية في المنظومة التعليمية؛ يقول وزير الخارجية الأمريكي السابق –على عهد بوش- : (إذا أرادت الدول العربية أن تكون صديقة لنا فعليها أن تعرف أنه مهما كانت الطروحات الدينية التي تدرسها لأبنائها في مدارسها العامة فإننا ننتظر منها أن تلقن بالطريقة السليمة؛ التي ينتظر منها أن تحاط بها تلك الطروحات؛ وعلى كل سفراء أمريكا أن يحققوا هذا الجزء من الأمر؛ لأنه إذا لم يكن التسامح عالميا فإنه لا يمكن التعايش)، كذلك وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في منتدى جدة الاقتصادي دعت وزراء الدول الإسلامية إلى "تغيير مناهجها الدراسية لمنع ترسيخ العقائد في النظام التعليمي"![8]
فهذا السياقُ أزعم أنه وَجَّه بقوة الدعوةَ إلى مراجعة مناهج "التربية الدينية"؛ إِذِ الدعوةُ نفسها تتم على صعيد أكثر من دولة عربية وإسلامية آخرها مصر؛ التي دعا الانقلابُ فيها إلى مراجعة المناهج الدينية وفي مقدمتها مناهج جامعة الأزهر التاريخية؛ ..وقبل ذلك الموجة نفسها عمت العديد من الدول الإسلامية كالسعودية والإمارات والأردن والعراق وغيرها.. تحت نفس الذرائع: محاربة التطرف والإرهاب!!
>  السياق المحلي:
جاءت الدعوة إلى مراجعة مناهج "التربية الدينية" عقب إنتهاء أشغال المؤتمر المنعقد بمدينة مراكش تحت عنوان: " حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة" أيام: 25-26-27 يناير 2016 على امتداد ثلاثة أيام، شارك فيها العديد من العلماء والباحثين والمهتمين؛ وقد دعا البيان الختامي للمؤتمر" المؤسسات العلمية والمرجعيات الدينية إلى القيام بمراجعات شجاعة ومسؤولة للمناهج الدراسية للتصدي لأخلال الثقافة المأزومة التي تولد التطرف والعدوانية، وتغذي الحروب والفتن، وتمزق وحدة المجتمعات" [9].
 ليعقبها بلاغ للديوان الملكي يوم السبت 30 يناير2016 يدعو وزارتي التربية الوطنية ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى مراجعة مناهج وبرامج تدريس التربية الدينية في مختلف مستويات التعليم بغرض تكريس التسامح والاعتدال.
لتصدر التعليمات لوزيري التربية الوطنية والأوقاف والشؤون الإسلامية بضرورة مراجعة مناهج ومقررات تدريس "التربية الدينية"، سواء في التعليم العام أو الخاص أو في مؤسسات التعليم العتيق (التعليم الديني التقليدي).
وحسب البلاغ الصادر؛ ستتم مراجعة مناهج تدريس "التربية الدينية" في اتجاه (إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، وفي صلبها المذهب السني المالكي الداعي إلى الوسطية والاعتدال، وإلى التسامح والتعايش مع مختلف الثقافات والحضارات الإنسانية) وفق بيان الديوان الملكي.
وأَنْ  ترتكز البرامج والمناهج التعليمية على "القيم الأصيلة للشعب المغربي، وعلى عاداته وتقاليده العريقة القائمة على التشبث بمقومات الهوية الوطنية الموحدة الغنية بتعدد مكوناتها، وعلى التفاعل الإيجابي والانفتاح على مجتمع المعرفة وعلى مستجدات العصر" حسب البلاغ دائما.
هذه الدعوة تقاطعت مع أصوات أخرى دأبت على التهجم على مادة التربية الإسلامية وتحميلها مسؤولية صناعة العنف والتطرف! في ادعاء غريب عارٍ من كل حجة علمية أو تربوية؛ ولو وجدوا أدنى مثال أو دليل ما تأخروا في إخراجه وإعلانه. لأن منهاج التربية الإسلامية مصادق عليه من طرف وزارة التربية الوطنية؛ معد وفق دفتر للتحملات؛ منسجم مع مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ وتوجيهات الوثيقة الإطار؛ شارك في إعداده نخبة من الخبراء التربويين وذوي التخصصات المختلفة، لذلك نحسن الظن بهؤلاء ونقول بأن هجومهم ناتج عن ضعف دراية واطلاع على منهاج المواد الإسلامية؛ سواء بالتعليم العام أم بالتعليم الأصيل أم بالتعليم العتيق. وقديما قيل: من جهل شيئا عاداه.
هذا عن السياقات المتحكمة في الدعوة إلى مراجعة مناهج "التربية الدينية"؛ فماذا عن واقع مادة التربية الإسلامية في التعليم العام كجزء من التربية الدينية؟ وما نوع التجديد والتطوير المطلوب لمنهاج المادة؟
3.    واقع مادة التربية الإسلامية:
شهدت مادة التربية الإسلامية تطورا مطردا في منهاجها عبر مختلف المحطات التي عرفها الإصلاح التربوي للمنظومة بالمغرب؛ كان آخر هذه الحلقات الإصلاحية مع وثيقة الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ حيث انكبت لجن مراجعة البرامج والمناهج على تحديد رؤية جديدة لإعداد برامج ومناهج التربية الإسلامية تحددت أهم معالمها في المنطلقات الآتية:
" الانطلاق من القيم والكفايات والمواصفات الواردة في مشروع الوثيقة الإطار لمراجعة البرامج والمناهج؛
" التخفيف من زخم المقررات؛
" تكييف المحتويات حسب حاجات المتعلمين؛
" إدماج الأشغال التطبيقية والأنشطة التعليمية في محتويات الدروس؛ حيث حظيت الأنشطة بالسلك الثانوي التأهيلي بحصتين في الدرس الواحد؛ مقابل حصتين في الجانب النظري؛ وحصة تطبيقية؛ مما أضفى على المادة حيوية؛ وأهلها لتكون من المواد المدرسة وفق المقاربات البيداغوجية الحديثة؛ ومن يتهم المادة وأساتذتها بالجمود والقصور؛ فهو جاهل بمنهاجها متحامل على المادة والقيم التي تروم إكسابها للمتعلمين.
" استحضار البعد الوظيفي للمفاهيم المدرجة في المقرر ليتمكن المتعلم من عملية نقل القيم الإسلامية قصد توظيفها في واقعه المعيش؛ في سلوكه التعبدي أو التواصلي أو الصحي أو البيئي أو الحقوقي أو الأسري والاجتماعي العام[10].
" الالتزام في الأحكام الفقهية بمذهب الإمام مالك وما جرى به العمل عند المغاربة في تأليف الكتب المدرسية؛
" الارتباط أكثر بواقع المتعلمين من خلال إعادة صياغة وحدات المادة لتستدمج أكثر المفاهيم المعاصرة كالصحة والبيئة والاقتصاد والأسرة والحقوق والفن والجمال والصحة النفسية وغيرها، ويكفي نظرة استقرائية لمقرر المادة بالسلكين الإعدادي والتأهيلي للوقوف على هذا! وأكثر الذين يوجهون سهام النقد للمادة ومضامينها يجهلون المضامين والمفاهيم التي نصت عليها وحددتها الأطر المرجعية بدقة!!
" تميز المادة في طرحها البيداغوجي وتناولها الديداكتيكي من خلال التوجيهات التربوية الموجهة لعمل الأساتذة؛ والأطر المرجعية المنظمة لعملية التقويم بدقة وعلمية.
إن الذين يدعون إلى مراجعة مناهج التربية الإسلامية أكثرهم يصدرون عن تمثلات مغرقة في التهجم على كل ما هو ديني وإسلامي؛ منتقصين من قدر المادة وأساتذتها؛ لا علم لهم بالسيرورة التي قطعتها المادة بفضل هيأة التفتيش والتأطير التربوي للمادة والخبراء التربويين الذين بذلوا جهودا حثيثة من أجل تطوير تدريسيتها؛ وجعلها مادة تعليمية علمية حاملة لقيم الوسطية والاعتدال؛ مسهمة في التأسيس لتدين وسطي متزن وبناء عند المتعلم والطالب المغربي.
هذه ملامح مختصرة عن واقع مادة التربية الإسلامية بالتعليم العام؛ أردنا أن نقدم من خلالها صورة عن الحيوية التي تعرفها المادة؛ ؛ لعل الوقت يسمح ببسط القول بتفصيل عن سيرورة المادة والتطورات التي عرفها منهاجها؛ ومقترحات للتطوير والتجديد.
خاتمة:
في ختام هذه الدراسة نسجل النقاط الآتية:
§       إن الدعوة إلى مراجعة مناهج " التربية الدينية" لا ينبغي أن تكون أسيرة سياقات دولية أو إقليمية أو محلية؛ أو حتى استجابة لضغوطات معينة، بقدر ما ينبغي أن تكون نابعة من حاجات مجتمعية؛ ومؤسسة على دراسات علمية وأبحاث تربوية تقويمية لمنهاج مادة التربية الإسلامية والتعليم الأصيل والتعليم العتيق؛ لا مبنية على انطباعات وتمثلات سابقة عن المادة وأصحابها.
§       ثم لا يعقل أن يقع الانفصال منذ البداية بين " مناهج التربية الدينية" وورش الإصلاح التربوي مستمر في أعماله وأشغاله؛ حيث صدرت الرؤية الاستراتيجية 2015-2030؛ والحديثُ جارٍ عن التدابير ذات الأولوية؛ فلماذا التعسف في فصل التربية الإسلامية عن باقي عناصر المنهاج التربوي؟ إن عملية الإصلاح والمراجعة للمنهاج التربوي ينبغي أن تتم في رؤية شمولية وفق أحدث النظريات التربوية في بناء وتصميم المناهج؛ التي تلح على المنهاج المترابط والنسقي المتمركز حول المتعلم بكل أبعاده المعرفية والسلوكية والوجدانية.
§       لابد في عملية مراجعة منهاج التربية الإسلامية من الاستشارة والإشراك الفعلي لأهل الميدان وأبناء الدار؛ المعنيين بالمادة من أساتذة ومفتشين وخبراء تربويين؛ حتى لا تتكرر الأخطاء المرتكبة في المشاريع الإصلاحية السابقة!
§       نحتاج بالفعل إلى عملية إصلاح لمنهاج مادة التربية الإسلامية؛ هذه الرغبة نابعة من الممارسة الميدانية؛ ونتيجة الخبرة التربوية المتراكمة؛ أهم معالمها:
·       إيلاء مادة التربية الإسلامية المكانة اللائقة بها ضمن مواد المنهاج؛ لأنها مادة حاملة للقيم؛ وما تحتاجه المنظومة الآن أكثر من أي وقت مضى هو زرع القيم الدينية والوطنية في نفوس الناشئة؛ لأن المادة قادرة بفعل نوع المعرفة التي تنطلق منها؛ وبفضل الطاقات التي تمتلكها من أطر تربوية وتأطيرية؛ على تمرير قيم التسامح والمحبة والتعايش والتعاون والحوار والاختلاف والتكافل والعفة..؛ في وقت أصبحت في قيم النسيج المجتمعي مهددة؛ فبتنا نسمع عن ارتفاع نسب الجريمة داخل المجتمع؛ وتفشي الإدمان والمخدرات؛ وانتشار التفسخ والانحلال الخلقي؛ وارتفاع نسب الطلاق وتفكك الأسر؛ وظواهر مشينة لا تخدم القيم النبيلة التي نشأ عليها المغاربة؛ وغيرها... والتقارير الرسمية ووسائل الإعلام تؤكد هذا.
·       الرفع من الغلاف الزمني للمادة؛ والمعامل؛ كفيل بتصحيح التمثلات نحو المادة وأساتذتها؛ وقمين بتحقيق الأهداف المتوخاة من المنهاج التربوي؛
·       الرقي بتدريسية المادة وتجويد أداء أساتذتها عن طريق التكوين الأساس الرصين؛ والتتبع من خلال التكوين المستمر حرصا على التجديد والإبداع؛
·       تحيين المقررات الخاصة بالمادة من لدن المشرفين التربويين؛ تفاديا لكل الإشكالات الديداكتيكية؛ واستثمارا لتقارير المجالس التعليمية للسادة أساتذة المادة؛
·       تحيين الأطر المرجعية للمادة وفق أحدث نظريات التقويم والقياس.

                                                والحمد لله رب العالمين




[1] ـ الدستور الجديد للملكة المغربية؛ سلسلة نصوص قانونية محينة؛ ص:19. 2011.
[2] ـ الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛ القسم الأول: المبادئ الأساسية؛ المرتكزات الثابتة: المرتكز الأول، ص: 7.
[3] ـ المرجع نفسه؛ ونفس الصفحة. المرتكز الثالث.
[4] ـ مجلة دفاتر التربية والتكوين؛ العدد 6/7 مزدوج خاص بالمناهج والبرامج؛ ص:32. مجلة تصدر عن المجلس الأعلى للتعليم. ماي 2012.
[5] ـ  حلمي أحمد الوكيل؛ أسس بناء المناهج وتنظيماتها ص:329.دار المسيرة؛ الأردن. الطبعة السادسة 2013/1434.
[6] ـ انظر لمزيد من التوسع: الخوالدة محمد محمود؛ أسس بناء المناهج التربوية ص 44 وما بعدها. دار المسيرة الطبعة الثالثة 2011/ 1432. وكارول آن توملنسون؛ المنهاج الموازي؛ ترجمة: د. عبد الله بن محمد الجغيمان. ص:27 وما بعدها.الطبعة الأولى : 2013.
[7] ـ طعيمة أحمد رشدي؛ المنهج المدرسي المعاصر؛ ص: 8ـ 9. الطبعة الثالثة 2011/ 1432. دار المسيرة- الأردن.
[8] ـ الدويش محمد بن عبد الله؛ واقع تدافع القيم على المستوى التعليمي؛ ص: 111؛ ضمن مجموعة دراسات حول : تدافع  وبناء القيم؛ السياق الدولي والواقع الإسلامي؛ الطبعة الأولى 2013. منشورات المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة.
[9] ـ انظر نص البيان الختامي؛ منشور على الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ المغرب
[10] ـ الصمدي خالد؛  خطاب التربية الإسلامية في عالم متغير ص:77 طبعة 2006.
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق