الخميس، يونيو 09، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: عبث بين الأطلال‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: عبث بين الأطلال‎


أطلت وجوه زائرة أخرى من باب الفصل الدراسي حيث أجواء الامتحانات كانت تخيم على المؤسسة. دلف إلى القاعة السيد المدير الذي هو رئيس مركز الامتحان وإلى جانبه السيد المراقب العام. كان الفصل لا يزال    فيه بضعة عناصر يديرون أعينهم شمالا ويمينا، والحقيقة أن هؤلاء لم يكتبوا سوى أسطر مفرغة من أي محتوى حقيقي، كان هؤلاء المترشحون لامتحانات الباكالوريا يتوزعون على كراسي متباعدة، همهم الوحيد في هذه اللحظة هو  اختلاس بعض الأجوبة من هنا أو هناك، لكن أجواء الحزم والشدة في هذه المؤسسة وفي هذه السنة بالذات حالت دون ذلك.    
                   
في هذه القاعة وجد السيد المدير الفرصة سانحة لتوجيه بعض الكلمات، مادام أن العناصر المستهدفة هي الحاضرة وحدها، فكلماته لن تعيق سير الكتابة بالنسبة للعناصر الجادة، هؤلاء المجدون أغلبهم انصرف من القاعة، وربما من القاعات الأخرى. وهذه الدقائق الأخيرة قد تكون ذات جدوى بالنسبة له لإيصال رسائله المعتادة. كان السيد المدير من صنف الأجيال التي تربت على روح الانضباط والاحترام...                                        
ـ إذا كنتم أبنائي تظنون بأن الغش سيوصلكم إلى ما تتمنونه، فأنتم واهمون. ما فائدة النجاح بطرق غير شريفة إذا كان الواحد منكم سيجد نفسه مستقبلا عاجزا عن تولي المنصب المسند إليه ؟!                                           
كانت كلماته رغم أنها منطقية في جوهرها، إلا أنها لم تكن ذات أي معنى بالنسبة لهؤلاء المستمعين، فالواحد من هؤلاء لم يكن ليتردد في إعمال مشرط الجراحة في أي مريض ولو عن جهل وفراغ داخلي مطبق، إنه لن يهتم بحياة إنسانية ما دام هو نفسه مجرد كتلة بلا ضمير ولا أخلاق. ولن يتردد آخر من طينة السابق في إقامة جسر بلا أسس هندسية حقيقية وفعالة لو سمح له بذلك، أو أتيح له أن يصبح مهندسا معماريا، ما دام ـ هو نفسه ـ أساسه القيمي مهدم من الداخل. أحس السيد المدير ومرافقه أن هذه الأجيال الصاعدة مفرغة من كل قيم الشرف والأمانة والمسؤولية بفعل سياسات تعليمية منحرفة..                                                       
كان (خالد) الجالس في آخر الصف يتأمل الأحداث ولسان حاله يتذكر قصة وزير الرياضة في وطنه الذي نهب ملايين الدراهم دون محاسبة أو مساءلة، والغش جلي واضح في أفعاله الشنعاء. بينما كان (سمير) في الطرف المقابل من الناحية الأخرى قد عاش أجواء الغش في مدرسته الأولى من معلميه الذين كانوا صورا ونماذج متحركة عن الغش، لقد انتقل بفعل أجوبة تمّ مساعدتهم بها في امتحان السادس ابتدائي. كان قد انتقل ضمن فوج كامل لا يجيد القراءة السليمة ولا الكتابة أو الحساب...                    
كانت (أسماء) قد تربت في وسط عائلي قائم على الغش. والدها جعل أمها تعيش حياة مغشوشة من ألفها إلى يائها، وبعد وفاته اكتشفوا أن له زوجة وأبناء آخرين.. أحست (أسماء) أن مجتمعها منخور  ومسوس من الداخل، وأنه يراد لواجهته أن تكون براقة، ليتها تكون واجهة شفافة تعكس حالة الداخل المتعفنة، حيث الانتخابات المغشوشة، ونتائج الرياضة المغشوشة الملوثة بالمنشطات والأرقام  المفبركة، والبنية التحتية المغشوشة...   
انتهى السيد المدير من كلماته التي بدت رنانة لا أحد استوعب منها شيئا، ولا أحد من المترشحين تسربت إلى أعماقه، فلم يكن لهؤلاء المخاطبين أي سند يمكن أن يدعمها، فلا الجانب الديني عندهم أصيل قوي، ولا الجوانب الأخلاقية وظروف التنشئة الاجتماعية تساعد على ذلك، ولا المناهج المعتمدة سهلت التلقي ويسرت ظروف التواصل والتقبل لديهم، إن هي إلا كلمات جوفاء بالنسبة لهذه العناصر..                                                 
أحس السيد المدير أنه كان يصب المياه في رمال مقفرة ببيداء القحط، فالأمور أصبحت أكثر ميوعة مما يمكن تصوره، والأفضل أن يتم اللجوء إلى وسائل أخرى للاختبار، وإلا فسيصبح التنافس لانتقاء الأقدر على الغش والأكثر مقدرة على اختلاس الأجوبة. هذه الحال العشوائية أفضل منها إجراء قرعة عبثية أخرى بين المترشحين، ما دام الامتحان لا يساهم في فرز الأصلح والأجدى، فعما قريب ستنعدم نسمات و معالم الجودة بالمطلق، وستعم الفوضى الهدامة في ما تبقى من أطلال بنيان اسمه: "التعليم في منطقتنا العربية".                                                                             

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق