الأحد، يونيو 26، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: شتان بين الأمس واليوم‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: شتان بين الأمس واليوم


إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: شتان بين الأمس واليوم‎

المصطفى سالمي
كانت الصورة التي عثر  عليها صاحبنا وسط كومة الذكريات القديمة تعود به لأربعة عقود من الزمن. إنها صورة تجمعه بمدرسه وزملائه في القسم الأول ابتدائي، وهي باللونين الأبيض والأسود فقط. ملامح المدرس تدل على أنه شاب في مقتبل العمر. سرواله يعود لـ (موضة) قديمة ما عاد لها وجود في زمننا الحاضر، فهو  واسع من الأسفل مثل سراويل عصر عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش في الأفلام والأشرطة القديمة لزمن انقضى وولى.  
                
عادت بصاحبنا الذاكرة للقسم الذي درس به، ولقراءة السيد أحمد بوكماخ.. لنصوص وعناوين لا يمكن أن تمحى من الذاكرة مثل: (سعاد في المكتبة) أو (زوزو يصطاد السمك) أو (أحمد والعفريت).. إنه ما زال يحفظ كثيرا من محتويات النصوص القديمة مثل نص: "أكلة البطاطس"، لقد انتهت الحكاية هنا بأن أكل الولد البطاطس بعد حوار شيق وطويل. تذكر صاحبنا أيضا كيف كان المدرس لا يتوقف عن الشرح طوال الحصة، كان يتصبب عرقا وينطق الحروف ويعيد نطقها مرارا، ثم يكتب على اللوح بالطبشور ويمسح ويعيد الكتابة مرات ومرات.. وبعد ذلك يطلب منا ـ نحن تلاميذه ـ أن نعيد الحرف ونقوم لكتابته.. وهنا وأثناء المراجعة أو التقويم كان العقاب شديدا إن أخطأ أحدنا أو غاب التركيز والانتباه، والعقاب تتعدد أشكاله وألوانه، من الضرب على اليد أو على أطراف الأصابع أو على الرجلين بعد أن يقوم تلميذ قوي بحمل الضحية من وراء ظهره في وضع أفقي، أو  ربط الرجلين بحبل بعد تمريرهما من تحت القمطر.. إلى غير ذلك من الوضعيات المثيرة للرعب.. ولم يكن المدرس يتورع عن الضرب على الرأس بعصاه الخشبية حتى يشجه وبسيل الدم غزيرا مدرارا، ثم يوقف النزيف بمسحوق الطبشور الأبيض. ولم يكن أي أب أو ولي أمر أحد التلاميذ يشتكي أو يحتج على العقاب الصارم الذي لا هوادة فيه الذي تعرض له الابن، بل كان يطلب مزيدا من العقاب لحمل الولد على الاجتهاد والنجاح، فالتفوق الدراسي يضمن المستقبل الوظيفي بالنسبة لذاك الزمن.                           
توقف سيل الذكرى من الماضي البعيد، واسترجع صاحبنا ذكريات قريبة مما يقصه عليه ولده عن معلمته التي تقوم بطلاء أظافرها في أثناء الحصة تاركة تلاميذها يقومون بمفردهم بإنجاز الواجب، وتمنحهم أحيانا مساحة كبيرة للهو والتحدث مع بعضهم البعض، إنها تحترم بيداغوجيا اللعب، وتحترم ما يصطلح عليه بحقوق الطفل التي تكبل يديها، فهي تعرف أن عقابا بدنيا غير محسوب العواقب قد يدفع ولي أمر التلميذ للاحتجاج أو دفع شهادة طبية في حالة الضرر.. ولكي تمر الحصة سريعا بالنسبة لها، فلا مانع من أن تنشغل قليلا أو كثيرا بهاتفها الجوال الذكي، وبالتالي متابعة كل جديد في مواقع التواصل الاجتماعي. وتفاديا لتطاير غبار الطبشور على شعرها الذي يكلفها ميزانية كبيرة، أو على ملابسها الأنيقة التي لا تمت بصلة لملابس الزمن الغابر ذي اللونين الأبيض والأسود فإنها لكل هذا تكتب بقلم حبر خاص على اللوح الأبيض، وتستعين بالعاكس الضوئي والحاسوب في دروسها المتعددة الألوان والأشكال.  
استنتج صاحبنا أنه ورغم ما يتمتع به الجيل الحالي من امتيازات، فطفولة الماضي مختلفة تماما عن اليوم، فسعادة الأمس ومتعتها لا يرى مثيل لها في جيل اليوم، كان يسعد جيله  في ماضيهم مجرد اللعب بقنينة بلاستيكية فارغة، أو اللعب بكتلة من الثوب محزوم بخيط. كان جيله في المرحلة الابتدائية يستطيع كتابة مواضيع إنشائية مميزة، رغم أن وسيلة الكتابة كانت هي الريشة والحبر، أما اليوم فتلاميذه في السلك الإعدادي يجدون صعوبة في كتابة بضعة أسطر في مهارة التعبير  كالتوسع أو التلخيص..                          
وفجأة عادت الذاكرة بصاحبنا إلى زمن الريشة والحبر، لقد كان حارس المدرسة وقتها السيد (الحسين) يأتي كل صباح بقنينة مليئة بسائل أسود، ويمر بين الصفوف فيسكب قليلا من الحبر في محبرة خاصة بكل تلميذ، وكان لزاما أن يغمس كل تلميذ ريشته برفق قبل أن يكتب على دفتره بطريقة فنية ويحذر حتى لا يتطاير رذاذ الحبر على أوراق أو ثياب الآخرين.                                        
لقد ظهرت الأقلام الجافة في زمننا الحاضر، وجفت مع ظهورها المخيلة، كما جفت الأحاسيس والقيم، بل وجف طعم الحياة وتلاشت كثير من المعاني والأوصاف. ولله الأمر من قبل ومن بعد.          

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق