السبت، مايو 14، 2016

مقتطف من كتاب "آليات صناعة التخلف: وقفة صريحة مع الذات"

نشر بتاريخ :

مقتطف من كتاب "آليات صناعة التخلف: وقفة صريحة مع الذات"

مقتطف من كتاب "آليات صناعة التخلف: وقفة صريحة مع الذات"

د.عبد الله لخلوفي

قوم تقضى على أيديهم حوائج الناس
إن كلمة موظف مشتقة من الوظيفة، والوظيفة تعني القيام بخدمة ما، بمهمة، بعمل ما؛ فلكل شيء وظيفة يؤديها في وجوده، حتى الجمادات بكل أحجامها وأصنافها لها مهمة محددة تؤديها. في المجتمعات البشرية يؤدي الفرد وظيفة ما مقابل أجر يأخذه، فيقال تم توظيفه لمهمة كذا، ومتى انتفت هذه المهمة، تنتفي مسوغات الوظيفة، أي مسوغات أداء الأجر. 

كثيرة هي مكاتب المصالح الإدارية عندنا، التي إذا ما دخلت إليها لقضاء مصلحة ما، يثير انتباهك وجود ورقة من حجم A3 أو A4 معلقة على الحائط، مكتوب عليها بحروف كبيرة ومغلظة حديث نبوي شريف من الأحاديث الصحاح: "رأيت قوماً من أُمتي على منابر من نور يمرون على الصراط كالبرق الخاطف، نورُهم تشخص منه الأبصار، لا هم بالأنبياء .. و لا هم بالصديقين ... و لا هم بالشهداء .... إنهم قومٌ تُقضى على أيديهم حوائجَ الناس".
يُجمِل هذا المشهد، وهذا الصنيع، أوج ما آلت ٳليه عقليات الانحطاط صانعة ثقافة التخلف التي ترسخت في مجتمعنا على كل المستويات. موظفون يتقاضون أجرهم للقيام بما يقومون به، وبتقاعس وتكاسل لا نظير لهما عند الكثير منهم، لكن يبدو جليا مما علّقه بعضهم على جدران المكاتب، أنهم يظنون، بل مقتنعون، أنهم يسدون للناس خدمة لا تلزمهم، فهم فقط يعملون على قضاء حوائج الناس من باب حسن الخلق وحسن المعاملة والمواطنة. إنه قلب خطير للمفاهيم والقيم؛ قد يكون ما سيأتي، مما سأتطرق ٳليه، ضروريا للإحاطة بكل حيثيات عنوان هذا الكتاب، لكن الوقوف فقط عند بعض ما خفي من حيثيات تعليق هذا الحديث النبوي على جدران مكاتب قضاء مصالح المواطنين، قد يغني عن التعليق وعن الإطناب في الكلام، من باب "كفاني فيك يكفوني". لكن ما دام أن هذا الأمر لا يثير الاستغراب ولا الاستفهام عند غالبية الناس، فيبدو جليا أنهم يرون فيه عربونا عن استعداد من علقوه للتفاني في خدمة الصالح العام بكل تلقائية. بل قد يكون السواد الأعظم من الناس لم يُعر أي اهتمام لما هو مكتوب، وهذا في حد ذاته يمثل جانبا من جوانب ثقافة التخلف. فالمعتاد عندنا أن تجد أحدنا لا يدع صغيرة ولا كبيرة من أمور الناس إلا وتتبَّعها، لكن حينما يتعلق الأمر بملاحظة سلبيات معاملاتنا وتصرفاتنا التي يجب العمل على التنبيه عليها، فإنه لا يرى شيئا، بل قد يرى عكس ما يجب. من هنا، فلا بد من السير قدما في إثارة الانتباه لخطورة المنزلق الذي ننحدر عبره إلى أغوار مظلمة، كما يبدو ذلك جليا من صميم ثقافة مجتمعنا (الاجتماعية والإدارية، و...). 
يرى من علقوا هذا الحديث أنفسهم أنهم يقومون تفضلا منهم بقضاء حوائج الناس، لا امتثالا لواجب تأدية خدمة مقابل الأجر الذي يتقاضونه. فلو لم يوجد الذين يأتون لاستلام أو تتبع وثائقهم الإدارية، لما دعت الضرورة لوجود هذه المكاتب، ولما كان هناك أي سبب لوجود هؤلاء الموظفين. لو كنا نحسن الفهم، لكان أي موظف في الدولة، علا شأنه أم صَغُر، مُمتنّا لمن هم في خدمته في حقيقة الأمر، بدل أن يرى أنه هو الذي يخدمهم. أنا (الموظف) أخدمك في قضاء حاجتك الواجبة والمفروضة علي (القيام بواجبي نحوك)، لكن في الواقع فأنت من تخدمني بجعل الدولة لا تستغني عني، فتشغّلني بحيث أضمن مصدر عيشي. الأفراد يُكوّنون مجتمعا، كل واحد منهم يخدم نفسه عبر خدمته الآخرين؛ إنها الحقيقة التي أضعناها في أغوار منظومتنا الثقافية المختلة، حتى أصبح كل واحد منا يمتنُّ على الآخرين إن هو قام بما يمليه عليه حق من يخدمونه في حقيقة الأمر. ولو أننا فهمنا الأمور كما يجب أن تفهم، لكان لنا شأن آخر مع التاريخ.
إذن ليس الموظف بمكتب مصلحة إدارية ما، أو في أية مؤسسة من مؤسسات الدولة، من يقضي حوائج الناس، ولكن العكس هو الصحيح، فالناس هم من يقضون حاجته. ثم، ألم يوجد إلا هذا الحديث النبوي الشريف ليقتطع قطعا، ويُزجَّ به في غير سياقه وفي غير محله ومكانه؟ كم هي الأحاديث التي تحث على التفاني في القيام بالواجب على أحسن وجه، وتحذر من إضاعة الوقت في القيل والقائل، والغش في العمل والتساهل في تحمل المسؤولية، وما إلى ذلك من دروب التلاعب بالمصلحة العامة. ثم إن الحديث الذي فرض نفسه علينا هنا حديث يتعلق بمن تطوع بوقته أو ماله في سبيل قضاء حاجة الآخرين لوجه الله، لا يريد منه لا جزاء ولا شكورا كما يقال، لا بمن قد يقبض حتى "التدويرة" (الرشوة) للقيام بواجبه، ويحسب أنه ممن سيكونون "على منابر من نور" يوم القيامة. إنه جهل مكعب، جهل بأمور الدين والدنيا، إنها ثقافة من "يهرف بما لا يعرف" كما يقال. فحتى لو عمل أي موظف، في أية مؤسسة من المؤسسات، أو أية مصلحة إدارية، بتفان وحس مهني عال، فلن يدخل تحت مفهوم هذا الحديث، بل كل ما في الأمر أنه سيحسب على من يقومون بواجباتهم بإخلاص وسيجزيه الله تعالى عن نيته، إن كان ما يقوم به بتفان ناتج عن خوفه منه تعالى "رحم الله من عمل عملا فأتقنه" و من "غش ليس منا".
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق