السبت، مايو 14، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: عذرا أيها المدرس..‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: عذرا أيها المدرس..‎

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: عذرا أيها المدرس..‎

المصطفى سالمي
كانت مدرسة الرياضيات (حنان) قد أمضت سنوات طويلة في فصول الدراسة، وقد بدأت تحس بالضجر خاصة مع تمديد سن التقاعد وتدني مستوى التلاميذ.  أصبحت أكثر عصبية وتوترا، ولهذا أوكل إليها مدير الإعدادية مستويي الأولى والثانية فقط في هذه السنوات الأخيرة. لم تكن تتحمل حماقات وشغب تلاميذ مستوى الثالثة الذين كانوا  يثيرون جنونها.     
                                  
    كان قسم الأولى:2  أكثر الأقسام اجتهادا وخوفا من العقاب، ولعل هذا ما كان يشجع  (حنان) على الخروج أحيانا من الفصل للحديث مع بعض صديقاتها والتفريغ عن مشاكلها الإدارية والمنزلية. كانت تَشْغل التلاميذ ببعض التمارين والأسئلة الصعبة تحت طائلة العقاب إن لم ينجزوها. وذات يوم وقع المحظور. فأمام تأخر المدرّسة في كلام لا ينتهي، بدأ ضجيج التلاميذ يرتفع قليلا قليلا، ثم تعالت أصواتهم وتحولت إلى غناء و ضرب على لوح الطاولات، كان كل واحد يشجع الآخر في انتقام صريح من صعوبة التمارين وضعف نقط الفروض والامتحانات. كانت الاستثناءات قليلة في المشاركة في هذه الإيقاعات الصاخبة، وبقي المجدون منهمكين في محاولة فك طلاسم التمارين المستعصية. وقد تزعم التمرد ثلاثة مشاغبين كانوا لا يتوقعون نجاحا في دراستهم.                     
خرجت التلميذة المسؤولة مسرعة نحو الحارس العام لإخباره بالفوضى العارمة في القسم. وشاء القدر أن تصادف المدرّسة التي أحست بالحرج حين علمت بما يجري بقسمها وأن الأخبار كادت تصل  للإدارة ، وهذا سيضر بسمعتها  المتهاوية أصلا. وتناهى إلى سمعها وهي في الطريق حجم الصياح والضجيج. فقررت معاقبة جميع التلاميذ. وفي الفصل الذي بدأ يستعيد هدوءه عند رؤية المدرّسة قادمة أصبح كل واحد يلقي باللائمة على غيره. طلبت المدرسة تحديد المسؤول، فلزموا فجأة سلاح الصمت. أمرت عندها (حنان) عنصرين بالوقوف، وكانا من أبرز المجدين: خالد وسناء. لم يتردد الأول في توجيه الاتهام إلى المشاغبين الثلاثة، وما كاد ينطق بأسمائهم حتى ردد أكثر من عنصر بأن خالدا أيضا كان مشاركا في الضوضاء شأنه شأن سناء. ازدادت عصبية (حنان) فقررت حسم الموقف: "على العناصر الخمسة مغادرة القسم وإحضار أولياء أمورهم".                                                                            
  في الخارج كاد الثلاثة يعتدون على خالد وسناء لولا بعض فاعلي الخير الذين تدخلوا لفض النزاع بينهم. و في البيت حكى الفتى لأمه ما حدث راجيا إياها أن لا تخبر والده، لكن الأم وبخته لأنه تدخل فيما لا يعنيه. كان الأب قد ربى ابنه على الصراحة والصدق، وهذه القيم بدأت تتراءى للفتى صادمة وغير رائجة في مجتمعه، بل ومنتهية الصلاحية عند بعض مدرسيه الذين ينبغي أن يراعوها أكثر من غيرهم.                                                                         
 في اليوم الموالي منعت المدرّسة المجموعة المغضوب عليها من دخول القسم. وضاعت حصة أخرى في مادة أساسية. لكن باقي الأساتذة الذين كانوا يعرفون حُسن سيرة كل  من خالد وسناء كانوا يسمحون لهما بالدخول ولا يحرمونهما من حقهما في الدرس. أحس الفتى أن الأمور وصلت ـ مع مُدرّسته ـ للباب المسدود، وأن والده من سيحسم الأمور في النهاية.                                
  اشتد سخط وغضب الأب، وكان بدوره مدرسا بالسلك الإعدادي في مؤسسة أخرى. ولم تكن (حنان) تعلم شيئا عن والد تلميذها خالد. توجه الأب/ المدرس نحو الفصل مباشرة، ألقى التحية على المدرّسة بهدوء وأدب، فقالت له: "أرأيت ما فعله ولدك من تعطيل للدرس والتسبب في الفوضى..؟" . رد عليها على الفور: "أين كنت يا أستاذة حين وقع كل هذا؟ وهل شاهدته وهو يثير الفوضى بأم عينيك؟ ولِم لم تكتبي تقريرا عن هذا الفعل؟ ولِم سمحت لنفسك بإخراج ابني للشارع وتركه عرضة لتهجم المشاغبين؟". تلكأت المدرسة في الجواب على أسئلة ما كانت تتوقعها. حاولت الدفاع عن نفسها بمبررات واهية. أكد لها الأب بأن الضحية لم يمن ابنه، بل القيم التي أمضى سنوات في ترسيخها في ذهن وسلوك ابنه. طلبت منه بأدب أن يترك الفتى يدخل حتى لا يتأثر بالحوار بينهما ، وحين عرفها بأنه زميل لها في المهنة عرجت بالحديث عن معاناتها النفسية، وأنهما في نفس المركب ونفس الخندق. لم يقتنع الأستاذ في أعماقه بما ذكرته، ولكنه في نفس الوقت قرر ـ مع ذاته ـ إعطاءها فرصة أخرى لتصحيح ما أفسدته بأخطائها في وقت كاد يقوم بنقل ابنه لقسم آخر أو حتى لمؤسسة أخرى إن اقتضى الأمر.                                                                   
وفي طريق العودة بدأ يردد مع نفسه: "ترى كم من الأخطاء اقترفت أنا أيضا حين كنت أترك تلاميذي وحدهم ـ يعربدون دون شك ـ وأذهب للإدارة أو للصلاة في مسجد المؤسسة، وحين أعود وأسمع صخبهم أبدأ بتوبيخ الجميع دون تمييز بين المذنب والبريء ؟!".        
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق