الأحد، مايو 08، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: صور ومشاهد‎

نشر بتاريخ :

صور ومشاهد

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: صور ومشاهد‎

المصطفى سالمي

خرج المدرس (نبيل) من قسمه وقد تغيرت ملامحه تماما، تحييه الأستاذة (سهام) التي قسمها مجاور لقسمه. لاحظت أن تقاسيم وجهه اختلفت تماما. ففي فترة الاستراحة مع الرابعة كان ضاحكا مبتهجا كالمعتاد، فقد شرب الشاي مع زملائه المدرسين قريبا من قاعة الأساتذة. كان يفضل الجلوس تحت شجرة عملاقة يستشعر من خلالها عظمة الخالق، ويتنفس هواء منعشا يجدد طاقته للعمل ساعتين أخريين. هذا رغم أن زميلا له لا يحب مَن يقترب مِن موقف سيارته، وسعى جهده عند مدير المؤسسة بدعوى أن الجلوس خارج قاعة الأساتذة يعد عملا غير قانوني. لقد تناسى زميله الأستاذ (حسون) أنه هو نفسه شرب الشاي وأشياء أخرى في نفس المكان مرارا وتكرارا.                                                          

أحست الأستاذة (سهام) أن ابتسامة زميلها انطفأت فجأة. وقبل أن تسأله عن السبب أخبرها بأنه يحس بأن كثيرا من جهوده تضيع هباء لأسباب مجهولة. فالمثبطات الخارجية مقدور عليها، لكنْ أن يسأل تلاميذه عن مضمون دروس تم شرحها في نفس الأسبوع ولا يلقى التجاوب المطلوب، فهذا شيء يعجز عن تقبله وإيجاد المبررات له. 
تُرى، ما الذي يشغل هؤلاء التلاميذ؟ لماذا فقدوا حماسهم وبريقهم كجيل برمته؟ ما مقدار مسؤوليته هو  وباقي زملائه..؟         
انصرف الأستاذ(نبيل) إلى قسمه حيث خرج فوج الثالثة 6 ليحل بدله فوج الثالثة 5. كان يظنهم أسوأ من سابقيهم بناء على نتائج الدورة الأولى. ولكنهم عكس المتوقع فاجأوه بمستوى أكبر بكثير.. تغيرت ملامحه وانبسطت أساريره، وتحول تجهمه وكآبته إلى ابتسامة عريضة. أدرك أنه ما زال يتعلم الكثير من هذه المهنة رغم مرور عقدين من الزمن قضاهما في التدريس، وأنه غير مطالب بأن يكون سقف انتظاراته كبيرا دائما، حتى لا تكون الصدمة أيضا كبيرة، ويقل معها عطاؤه بتردي حالته النفسية.                                  
خرج بصورة مختلفة تماما في نهاية الساعة السادسة. تعجبت الأستاذة (سهام) من انقلاب نفسية زميلها بين لحظة وأخرى. أدركت أن مهنتها تجعل صاحبها في كل لحظة وحين في هيئة وصورة ومشهد مخالف لما سبق. كانت الأستاذة سهام حديثة عهد بالتدريس، فهي تستعد في هذه الأيام لامتحان الكفاءة المهنية. وأيامها الأخيرة تبدو فيها  سعيدة للغاية، وخاصة بعد الرحلة المدرسية باتجاه مدينتي الصويرة وآسفي، فالتفاؤل والحماسة يجعلانها في قمة عطائها. وقد ظهر ذلك بالملموس في التجاوب الحاصل بينها وبين تلاميذها الذين اكتشفوا الوجه المرح لمدرّستهم في الرحلة المدرسية، بعيدا عن الوجه الرسمي الذي يظهر حازما في أثناء الدروس. تعلمت (سهام) أن المدرس كلما كان مبتسما، كلما كان عطاؤه مرتفعا، وكلما جاء من بيته تاركا خلفه مشاكل اجتماعية أو نفسية كمرض طفل أو والد أو خلافات زوجية أو عائلية.. إلا وانعكس ذلك سلبا عليه. فالمدرس ليس آلة، وهو كذلك لا يتعامل مع أوراق أو ملفات جامدة، إنه يتفاعل مع كائنات حية من لحم ودم، مع عقول وأحاسيس.                                                              
في آخر نفس الأسبوع كانت الأستاذة (سهام)في حصة التعبير والإنشاء. كانت منسجمة تماما مع تلاميذها في صبيحة ذلك اليوم. ودون مقدمات تفاجأت بشظايا الزجاج تنهمر عليها وهي جالسة في مكتبها. كان التلاميذ في ساحة ملعب المؤسسة ـ في حصة التربية البدنية ـ يتنافسون في رمي الكرة إلى أعلى مكان ممكن، وفجأة انحرفت الكرة لتصيب زجاج النافذة غير المحاطة بأي سياج حديدي. لم تدرِ  المدرسة أي مصاب أصابها حين وضعت يديها على وجهها مُصدرة صيحة خوف جعلت بعض التلاميذ يظنون أن مكروها أصابها.  اندفع أحدهم باتجاه الإدارة ليروي رواية مخيفة.. حضر الحارس العام وخرج بعض المدرسين من أقسامهم للاطمئنان ..       
ـ الحمد لله، لم يقع شيء. ( هكذا   عبر الأستاذ "نبيل" ). وفعلا كان الحدث بسيطا، لكن آثاره النفسية على المدرسة لم تكن كذلك. أحست (سهام) بنوع من التشاؤم والفأل السيء مما حدث.   
غيرت المُدرّسة  قسمها باتجاه قسم آخر شاغر. وفي منتصف النهار  خرجت من المؤسسة متعكرة المزاج لأول مرة منذ أسابيع خلت. أحست أن مهنتها مهنة متقلبة الأطوار، وناسها تتغير نفسياتهم سريعا تبعا للحالات التي يعيشونها، وليس تبعا للفصول والأيام فقط، ولكن تبعا لحالات التلاميذ ومستوياتهم، وكذلك حسب مفاجآت الحصة غير المنتظرة أو المتوقعة تماما. و أنه لا يمكن ضبط كل كبيرة وصغيرة والتخطيط لها مثل باقي المهن والحرف.                   

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق