الأربعاء، مايو 18، 2016

إبداع أدبي تربوي قصة بعنوان: زمن الخنافس ـ الجزء الثاني ـ‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي قصة بعنوان: زمن الخنافس ـ الجزء الثاني ـ‎

إبداع أدبي تربوي قصة بعنوان: زمن الخنافس ـ الجزء الثاني ـ‎

المصطفى سالمي

جلس الأستاذ (نبيل) يتأمل واقعه المأزوم. كان التلاميذ منهمكين في الإجابة على أسئلة الفرض المحروس، وجدها فرصة سانحة للتأمل في مجريات السنة الدراسية على مدار أشهرها المتمددة. لم يدرِ لِم خطر بباله قصة الخنافس. تروي الحكاية أن رجلا كان يقطن في البادية، وكان مسالما مهادنا محبا للوحدة والتأمل، وفجأة رأى خنفساء تجتاز عتبة باب
بيته في تبختر وخيلاء، تأمل البدوي الحشرة السوداء وفكر في رميها بقدمه بعيدا، لكنه خشي أن تبعث برائحتها الكريهة اتجاهه. فقال مع نفسه: " لا بأس، لا ضرر منها، فلنعش في هذا المكان الذي يسعنا جميعا". في اليوم الموالي كان البدوي يشرب الشاي في نفس المكان، فرأى خنفساء مماثلة، فتذكر الرائحة الخبيثة، وتركها تمر بسلام.. ومع مضي الأيام أصبح بيت البدوي يعج بالخنافس، وما عاد هو يحتاج للقيام بحركات عدائية لكي تصدر هي رائحتها اللعينة. إن تلك الرائحة أصبحت جزءا من المكان. الخنافس السوداء احتلت واستوطنت البيت وصاحبنا أصبح متعايشا مع الوضع. لقد قبله في أول الأمر، فلتعش الخنافس كما يحلو لها. كان السيد (نبيل) يعي بأن واقعه التعليمي أصبح يعج بالخنافس السوداء التي سكت عنها المجتمع، وسكت عنها المسؤولون وسكت عنها أولياء الأمور.. خافوا أن تصدر روائح لعينة، ربما تملك الخنافس سلاحا رادعا بالنسبة لأعدائها، لكن تركها يمثل لعنة أكبر. تأمل السيد (نبيل) الواجهة المقابلة، كان السيد (حسون) يمارس هوايته المعهودة، وهي حث التلاميذ على الهروب الجماعي قبل انتهاء السنة الدراسية. والحقيقة أن شهر ماي لا يفرق عنده عن باقي شهور السنة، فالخنافس لن تمتص رحيق الأزهار لتعطي عسلا نافعا فيه شفاء للناس. انتبه السيد (نبيل) لنفسه واستيقظ من هواجسه وتأملاته، فقد انتهى بعض التلاميذ من المطلوب ليطالبهم المدرس بمراجعة الإنجاز لتدارك الأخطاء المحتملة قبل تسليم أوراق التحرير. تعود مخيلة السيد (نبيل) لحكاية الخنافس، فالبدوي ضاق ذرعا بالحشرات السوداء اللعينة، واتفق مع الحدأة أن تخلصه من شر الخنافس على أن تكون المكافأة هي بعض الحمامات الوديعة، لكن الحدأة هاجمت الكتاكيت الصغيرة وأعشاش الحمام تاركة الحشرات العفنة. مَن يقبل على نفسه بعد تذوقه طيب الطعام أن يلتهم الخنافس أو مجرد الاقتراب منها. فهل مسؤولو بلاده تأخروا في تطهير الأرض من لعنة الخنافس تأخرا كبيرا حتى أصبح شرها يعم البلاد ويهدد العباد؟! دق جرس نهاية الحصة، ووجد السيد (نبيل) نفسه يجمع باقي أوراق التلاميذ، مرّ مدير المؤسسة أمام واجهة قسم الأستاذ (نبيل) وبدأ يوجه التلاميذ لضرورة دخول أقسامهم. كان سرب في الناحية الأخرى يخرج خارج القسم كخط طويل للنمل. لم ينتبه السيد المدير لذلك السرب الذي طرده السيد (حسون) من الفصل الدراسي، ثم لحق بهم ليخرج في تمام الساعة العاشرة. وبقي السيد المدير موليا ظهره للواجهة الأخرى. ربما لعنة الخنافس دفعت المسؤول الأول في المؤسسة أن يتعايش مع الخنافس السوداء اللعينة. يخرج السيد (حسون) ويركب سيارته السوداء، يرسل منبها باتجاه حارس المؤسسة ليفتح له الباب في تحد للقانون الداخلي. بينما يواصل باقي المدرسين عملهم حتى منتصف النهار. كانت هناك كثير من الخنافس السوداء في مؤسسات أخرى تفرض نفس توجهاتها وشروط عيشها، بينما الحدآن والصقور في الأعلى لا تهاجم إلا الحمامات الوديعة. إنه زمن الخنافس بامتياز.


-إبداع أدبي تربوي قصة بعنوان: زمن الخنافس ـ الجزء الأول ـ‎


جميع مواضيع الكاتب المصطفى سالمي

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق