الخميس، مايو 19، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: زمن الخنافس ـ الجزء الثالث ـ‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: زمن الخنافس ـ الجزء الثالث ـ‎

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: زمن الخنافس ـ الجزء الثالث ـ‎



توجه السيد (مجذوب) إلى المؤسسة التي يعمل بها متثاقل الخطى، أمضى أكثر من عقدين من الزمن في مهنة التدريس، يستفيق باكرا حيث يصلي و يقرأ ما تيسر من كتاب الله، ثم يتناول إفطاره، ويتوجه نحو موقف سيارات الأجرة الكبيرة باتجاه بلدة: (العجيلات). أحيانا تكون الظلمة هي سيدة المكان، ولكنه يعتبر نفسه مثل "مجاهد" في سبيل مهنة بدأت تفقد بريقها مع مرور السنين. كان قلبه يخفق ودقاته تتسارع كلما اقترب موعد خروجه للعمل. أحيانا يسأل نفسه:(إلى متى هذا الإحساس اللعين يبقى مسيطرا على الذات؟). كان ينتظر أن يأتي اليوم الذي ينعم فيه بالراحة والطمأنينة أثناء تأدية عمله مثل أصحاب باقي الوظائف، أما الأكيد بالنسبة له فهو أنه متوتر دائما عكس غيره تماما، كان يردد مع ذاته: (حتى بائعو الجوارب أهنأ حالا ). إنها مثل أحاسيس مرحلة الدراسة التي ما زالت تستبد به. يتذكر زمن المرحلة الجامعية حين كانت شهية الأكل تعانده بفعل الخوف من نتائج الامتحانات. الخوف الآن من السرعة اللعينة لسائقي سيارات الأجرة الكبيرة الذين يظنون أنفسهم في سباق (الرالي)، تجاوز رهيب وتقاطع مرعب في طريق متنوعة التضاريس . في الحواشي تآكل، وفي الوسط حفر ألعن.. وأما في القسم فالمصيبة أكبر، مجرد أن يستفزه تلميذ بلا مبالاته أو شغبه فإن أعصابه تتوتر أكثر وأكثر.                                       
كان السيد (مجذوب) يعتبر أن جديته هي سبب آفته، وخاصة أنه يعيش في زمن هازل شعاره: "اللامبالاة". توقف صاحبنا في محطة سيارات الأجرة. بادل بعض زملائه التحية.  لم يدر لِم تذكر بيتا شعريا من قصيدة درسها لتلاميذه تقول:     
فيا موت زر إن الحياة ذميمة    #    و يا نفس جدي إن دهرك هازل            
كان الأستاذ (مجذوب) يقطع يوميا ثمانين ميلا  جيئة  و ذهابا باتجاه ممقر عمله. وكان يتقبل هذا الوضع من أجل تلاميذ يستحقون التضحية. لكن دوام الحال من المحال. لقد بدأ يلاحظ التحولات في القرية الصغيرة التي يدرّس بها، وخاصة مع ارتباطها  بشبكة الكهرباء وانتشار الصحون المقعرة والفضائيات والهواتف الذكية. تغيرت سلوكيات كثير من تلاميذه، معظمهم بدأ يظهر عداوة للتدريس، وليس فقط عدم اهتمام. لقد اشتكت المدرّسة (وفاء) من بعض تلاميذها الذين التقطوا لها صورا بالهاتف وهي تكتب على اللوح مديرة ظهرها لهم، وتداولوها فيما بينهم. بينما اشتكت المُدرّسة (حليمة) من بعض الأشقياء في قسمها ممن رموها بأوراق صغيرة كانوا يقذفونها بضغط الهواء في أقلام الحبر.. لقد كان السيد (مجذوب) ينتقد سابقا سلوكيات بعض زملائه من كبار السن ممن يكتفون بالشكوى والأنين، هل تُراه أصيب هو أيضا بالعدوى؟! هل الخنافس الصغيرة ستجعله يفكر في الإدارة والحراسة العامة؟.  وهل التحول إلى كائن إداري يمارس نوعا من التقاعد المبكر يمثل حلا بالنسبة له؟ ثم إن الإدارة لها همومها ومشاكلها.  مَن أدراه ؟ ربما يجد في مهنة "حارس عام" متاعب أكبر. لقد أصبح السيد (مجذوب) ينسى أحيانا آخر درس أنجزه، ويستعين بدفتر نصوصه، أو يسأل تلاميذه. إنه يخشى أن يأتي زمن ينسى حتى محتويات الكتاب المقرر وينسى القواعد اللغوية ولا يعرف من أين يبدأ الدرس.                                
الخنافس الصغيرة ما عادت مثل الأمس مهادنة تتقبل ما يجود به المدرس من معارف. إنها أصبحت تمتلك "المعرفة" من مصادر التقنية الحديثة، معارف بالصورة والحركة واللون وجاذبية التأثير. إن الفصل الدراسي أصبح يمثل رقابة عليها وسلطة على وقتها وسجنا على انطلاقتها. مقررات جافة عقيمة، ومدرسون أغلبهم خارج من عمق كهف الرقيم.. باسط  ذراعيه على مكتب جامد، يلوح بيديه باتجاه لوح أسود لا روح فيه. بينما لوح شاشة الهاتف الذكي تنقل المرء إلى زرقة فضاء رحب متحرك.                                                
انتبه السيد (مجذوب) على حركة زميله وهو يشير إليه بأن عدد الركاب اكتمل. تنطلق سيارة الأجرة بعد أن تزاحم في الخلف أربعة أشخاص... نفس المواضيع يتم تداولها بين زملائه مع اختلاف الأسلوب. إنها الشكوى والأنين من المسؤولين اللامسؤولين.  يتحدثون عن أصحاب بدل سوداء بربطات عنق أنيقة. تُرى، هل هؤلاء هم الخنافس الحقيقية التي ترش على أمثاله ـ  في هذا الوطن ـ  مبيدات قاتلة، تقتل أحلام الصغار في أفق رحب، فيعيشون البديل في عوالم متخيلة تجعلها التقنية أشبه بالحقيقة، ليعيشوا مع أبطال الرياضة والفن المسموم والخلاعة واقعا غير واقعي. خنافس تجهض أحلام أمثاله في مؤسسات قريبة من مقر سكناهم، فيها تتحقق شروط ميثاق التربية والتكوين، لا أن يكون مجرد وثاق يكبل إرادة المدرس وإرادة المتعلم بمذكرات وتوجيهات تكرس واقعا تمرح وترتع فيه الخنافس الجاثمة على أحلام الفراشات في التحليق والطيران.. ذلك أن الأضواء الملغومة تهدد بإحراق كل فراشة لا تستجيب للأوامر والتوجيهات التي تحتم الالتصاق بالتربة والوحل، فالفراشات مطلوب منها الانسلاخ من توهجها. وأن تكتفي فقط بأن تغبط الخنافس السوداء على عفونة الطين وقد رسمت بألوانه الداكنة بدلا سوداء بربطات عنق قاتمة. إنه زمن الخنافس بامتياز.    

جميع مقالات و إبداعات المصطفى سالمي


تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق