السبت، مايو 07، 2016

مما يقال في حقك أيها المدرس...!

نشر بتاريخ :

مما يقال في حقك أيها المدرس...!

المصطفى سالمي

المصطفى سالمي

كانت مهمة الصحفي سعيد أن يقوم هذه المرة بتقصي وضعية المدرس ومكانته في المجتمع، وكان يتوجب عليه أن يقوم بإجراء استطلاع وإحصائيات حول مكانة ودور المعلم في التغيير والإصلاح المنشود. هيأ الصحفي أوراقه وجدول أعماله بنظام وحماسة كبيرين. عليه أن يبدأ بالوسط القريب وهو الحارة والحي والناس الأقربون من دائرة المدرس، ثم يقابل التلاميذ ويشكل عينات من فئات مختلفة ليحصل  على خلاصات ونسبا مئوية. وكانت أهم ردود الفعل كالآتي:    
                                                     
ـ محمد (بناء): رجال التعليم فئة صعبة في تعاملاتها، ناس عصبيون فيهم كثير من الاستعلاء. تصور أن أحدهم طلب مني أن أبني له بيتا واشترط علي الانتهاء منه في وقت قياسي.. وكان يراقبني ويترصد حركاتي وسكناتي .. ورغم أنه سدد كل ما عليه من مستحقات ودون مماطلة،  إلا أني قررت بعدها عدم التعامل مع فئة المدرسين.
ـ سعاد (ربة بيت): إنهم يمتصون دماءنا بهذه الساعات الإضافية والدروس الخصوصية التي لا تنتهي.. والنتيجة: أبناؤنا لا يحصلون على الدرجات المطلوبة. إن أولادنا يكرهون المدرسة، والمدرسون هم السبب الأكبر.                                                           
ـ حميد (مدرس متقاعد): أفنيت شبابي وعمري في التدريس، إنني أعاني من علل وأمراض مزمنة. ليتني اخترت أية مهنة أخرى غير التعليم. حياتي كانت عذابا في عذاب. كنت أعيش فقط من أجل العطل المدرسية لأستريح من عذاب التدريس والتصحيح وضوضاء الأقسام. إنني أعاني من مرض الأعصاب والتوتر بسبب هذه المهنة. الآباء يرسلون أبناءهم للمدرسة ولا يتتبعون مسارهم. إنهم يتصرفون وكأنهم  يتخلصون من ضوضائهم، والحقيقة أنهم يتمنون لو كانت الأيام كلها دراسة حتى في أيام الآحاد. إنهم لا يرحمون، وفي الأخير يحملوننا مسؤولية أي فشل تربوي في هذه المنظومة التي نحن نشكل فقط جزءا من مكوناتها. إن كان المعلم فاشلا، فهو جزء من فشل الآخرين الذين يتفاعل معهم.                      
ـ منير (مسؤول في وزارة التربية الوطنية): إننا نهيئ كل الإجراءات اللازمة لإنجاح مهام المدرس، نجرب استراتيجيات ومناهج مختلفة لعل المدرس يختار منها ما يناسبه، ونزود المؤسسات بالحواسيب والأجهزة التقنية الحديثة ليعمل المدرس  في أجواء مريحة، ولكن فئة كبيرة من المدرسين تعيش على الشكوى والأنين. لقد قلّ صبر المدرسين وخاصة مع الأجيال الصاعدة. إن التدريس مهمة شاقة يمارسها من لديه شغف وحب للمهنة.                              
ـ محمد (مفتش تربوي): المدرس كالتلميذ، ينبغي أن يخضع للمراقبة التربوية الصارمة، أنا أمارس عملي بكل حزم وتفانٍ. ونتائج المدرسين في دائرتي باهرة.                                        
ـ خالد (مفكر وكاتب): المدرس هو عنصر من المجتمع. و إذا فسد المجتمع بكل مكوناته سيفسد المدرس  ويتوارى كواحد من القطيع. لا يمكن استثناء هذا الكائن من الكل. ولا قطاع التدريس من باقي القطاعات إذا أصبحت كلها مأزومة.  إنهم مجرد بشر لا ملائكة.
ـ حنان (معلمة): أصارحكم القول، أنا اخترت هذه المهنة فقط لأنني لم أجد بديلا، وحين تتاح لي فرصة الاختيار والتغيير ، لن أتردد في ممارسة مهنة أخرى تليق بي، إنني أحترق يوميا في مهنة يتعرض أصحابها يوما بعد آخر لعنف مادي ومعنوي. لا أحد يعترف لك بشيء، إننا الجدار القصير الذي يتسلقه الجميع ثم يبدأ في إصدار الأحكام الجاهزة.                                                      
ـ عبد الله(مدرس): إن العلماء ورثة الأنبياء، ومهنة المدرس لا يقبل ويصبر عليها إلا من هو مؤمن برسالة التغيير والإصلاح. وأنا أغبط نفسي على هذه المسؤولية والمهمة النبيلة. وأرجو أن يوفقني الله في أدائها.                                                               
ـ وحيد (إسكافي): أنا ضحية مدرس عنصري كان سببا في كرهي للمدرسة وفي فشلي، أنا أحقد على كل المدرسين، إنهم كائنات فاشلة لا قيمة لها.                                                     
ـ سعيد (مهندس): لو أقابل معلمي في المراحل الابتدائية لقبلت قدميه. إنه من فتح عيني على عوالم مجهولة، إنه مصباح أنار حياتي.
 انتهى الصحفي سعيد من مهمته، وخرج بالخلاصة الآتية: " كنت أعتبر نفسي أمارس مهنة المتاعب التي هي الصحافة، الآن بعد تجميعي لعشرات التعليقات وردود الأفعال، اتضح لي أن مهنة المتاعب الحقيقية هي مهنة المدرس، وأنه حتى الأصابع التي تتجه نحوها بالاتهام وبكثير من اللوم والتقريع تؤكد على جسامة وخطورة دور هذه المهمة النبيلة وأنها ليست مجرد مهنة وكفى".              

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق