الاثنين، مايو 16، 2016

إبداع أدبي تربوي قصة بعنوان: زمن الخنافس ـ الجزء الأول ـ‎

نشر بتاريخ :

زمن الخنافس:الجزء الأول

زمن الخنافس:الجزء الأول


المصطفى سالمي
نموذج أول:
كرست حياتها لأجل التلاميذ الذين تدرسهم، هم حياتها وعالمها. كانت تشتري اللوحات الفنية وتعرضها في الأسبوع الثقافي للمؤسسة حتى لو وعدتها جمعية الآباء وإدارة المؤسسة بتعويضها دون وفاء بذلك. كانت تعرف مسبقا أنها لن تعوض عن المصاريف التي تنفقها بسخاء من أجل عشق مهنة أعطتها حياتها وشبابها. كانت (هبة) اسما على مسمى. فهي هبة بالنسبة لدنيا التعليم. التلاميذ بمثابة أبنائها وإخوتها وأصدقائها.
يوم الرحلة المدرسية كانت تجري مع التلاميذ كواحدة منهم. كسرت الحواجز والجدران والفواصل.. كان التلاميذ في أول الأمر ينظرون لها بإعجاب ودهشة، ولكن هذا الإعجاب تحول إلى إكبار. ففي الوقت الذي كان بعض المدرسين يمارس نوعا من التعالي المصطنع المقنع حتى لا يتجرأ عليهم تلاميذهم حسب زعمهم، كانت المدرسة (هبة) وقتئذ تبدو شامخة وهي تقترب لترتفع، تدنو لتعلو في قلوب الآخرين. حنان تلاميذها ومحبتهم لها غمر حياتها بالدفء.  كان الآخرون يتعجلون الابتعاد بعيدا عن كل نشاط تربوي يلتهم أوقاتهم، بينما كانت (هبة) تؤسس فرعا لمركز الاستماع لشكوى التلاميذ ومعاناتهم. وجدوا في مدرستهم قلبا حنونا يفرغون فيه معاناتهم ويبثون أسرارهم. حقا لم تكن تعطيهم حلولا سحرية، لكن مجرد سماعها لهم كان يخفف عنهم مشكلاتهم الصغيرة التي يرونها كبيرة. مشكلات اجتماعية وتربوية ونفسية..              
نموذج ثانٍ:                                                              
كان السيد (سندس) لا همّ له إلا الاعتراض والشكوى. كان يشتكي من سوء تدبير المؤسسة ومن تدني مستوى التلاميذ، ومن النفايات في الأقسام، ومن وضعية الطاولات ومن اللوح الأسود الذي يحتاج إلى طلاء جديد.. و من أشياء لا تعد ولا تحصى. ولكنه مع ذلك لا يبذل أي جهد في تصحيح هذه الأوضاع، أو على الأقل في تغييرها نحو الأحسن. كان ينتقد أحيانا أشياء لا يعلمها إلا من باب الرجم بالغيب، فيسخر من منهجية زميل له في التدريس رغم أنه لم يحضر له أية حصة. أو ينتقد كاتبا لم يقرأ له سطرا واحدا. من يأتي من زملائه باكرا يراه السيد (سندس) عبدا للإدارة خائفا رعديدا، ومَن يحب مهنته ويمارس أنشطة ثقافية يراه شخصا محبا للظهور ولفت الانتباه، ومَن يتكلم في الاجتماعات فهو في عُرفه ثرثار، والصامت في نظره فارغ لا يمتلك الجرأة والمبادرة. السيد (سندس) مهمته الأساسية هي بث اليأس أينما حلّ وارتحل. التعليم في نظره مات وانتهى، والكل يلعب في الوقت الضائع، إنهم حسب اتهامه يمارسون لعبة الانتظار في قاعة فسيحة.. الحياة في عرفه عبث في عبث.
نموذج ثالث:                                                            
كانت المُدرّسة(سلوى) تمارس  ـ في مؤسستها التعليمية ـ عزلة ذاتية وحياة أحادية. إنها تعمل وِفق مقولة: "كلامك هو عملك". لذلك بقيت لغزا بالنسبة لكثير من زملائها. كان الفضول يلتهم كثيرا من زميلاتها الفضوليات اللواتي اعتدن على حشر أنوفهن في ما لا يعنيهن..  لكن (سلوى) لم تكن تأبه أو تهتم بمحاولاتهن التقرب. وكلما تقربن خطوة ابتعدت هي خطوات و أميالا. كانت تعرف أن مجتمعها هو مجتمع يحاول التسلل إلى جماجم الآخرين ومحاولة قراءة أفكارهم، والتعرف على مأكلهم ومشربهم، وعدد الأولاد وأشكالهم وملبسهم.. وربما يدفع الفضول إلى معرفة شكل الزوج ولونه وطوله وعمله.. مجتمع قائم على ترصد الثغرات والهفوات ومواطن القوة والضعف في الآخرين. لكن (سلوى) كرّست حياتها لبيتها وعملها وعاشت خارج التجمعات. كانت تخلق لنفسها الأجواء النفسية التي تريحها، وتبحث دائما عن لحظات الوِفاق مع ذاتها متمثلة المقولة الشهيرة: (السمكة التي يبقى فمها مغلقا أمام الطعم الغريب لا تقع أبدا صيدا لصنانير الصيادين).                                                              
نموذج رابع:                                                             
كان السيد (حسون) يضع على وجهه قناعا لشخص قوي متصلب. كان يتصف بصوت جهوري رنان، يظهر كأسد ضرغام، ولكن المظهر يخفي جسد نعامة أو جثة واحدة من النعاج. كان يستأسد على الناس الطيبين و التلاميذ الصغار، بينما كان نعامة أمام الأشرار. أفعوانيته وحربائيته جعلته كالسوس في مجال مهنة التعليم الذي لا يحتمل أمثاله من ديدان الأرض التي تعيش فقط في التربة العفنة. تسلل السيد (حسون) إلى جمعية الآباء ليمتص ميزانيتها، واجب الجمعية الذي يدفعه التلاميذ في أول كل سنة دراسية كان مكرسا ـ في الأصل ـ لتجهيز المؤسسة ببعض اللوازم كالكتب للتلاميذ الأيتام والمحتاجين أو شراء الستائر وإصلاح زجاج النوافذ وشراء جوائز للمتفوقين.. لكن صاحبنا كان يعتبر تلك المبالغ المتحصلة وجبة دسمة لا ينبغي له تضييعها أو تركها لغيره، أنها مناسبة له لاقتناصها كأنها طريدة ينبغي قنصها. أما العمل النقابي فكان سلما ينبغي أن يحقق له مآربه الشخصية، وإذا أضفنا لذلك الساعات الإضافية و أشياء أخرى فالحصيلة هي ما اختصره زملاؤه في عبارة: السيد (حسون) هو أحد العباد الناسكين في "معبد الدنانير"، إنها شعاره ومبدأه.
كانت (هبة) و(سندس) و(سلوى) و(حسون) يشتغلون في فضاء تعليمي واحد، وبين جدران مؤسسة واحدة، يتبادلون نفس التلاميذ في اليوم الواحد. كانت البذور تختلف من هنا إلى هناك. التربة واحدة وتُسقى بمياه مختلفة بعضها عذب سائغ وأخرى حارقة وثالثة تشح أحيانا ورابعة كلها طمي جارف. فكانت الغلات تتباين وتختلف في البيادر بين اليانعة والمجدبة. ولولا أن المحاصيل كان يتم خلطها وتجميعها لظهر المحصول هنا متراكما على بعضه بينما يبدو هناك شحيحا منكمشا على ذاته. المشكلة في خلط المحاصيل الذي غطى على إفلاس وعقم في قلب التربة وإصلاح الغرس والاعتناء بالزرع وقت نموه وعدم الانتظام في سقي المحاصيل.                  
المشكل الأكبر أن السيد (سندس) والسيد (حسون) لا ينفكان يتفاخران في نهاية كل سنة بمحاصيلهما الكبيرة، وأنه لولا جديتهما لضاعت السنة هباء. فبفضلهما كانت تلك الثمار اليانعة ـ حسب زعمهما ـ لكن هذه المغالطات بدأ يصدقها أصحابها فعلا ـ و يا للعجب! ـ مع لزوم (هبة) و (سلوى) وأمثالهما الصمت المطبق إزاء مزاعم الآخرين. لقد احتسب العاملون الحقيقيون أعمالهم خالصة لوجه الخالق وإرضاء للضمير الحي والواجب في زمن التنكر  والجحود والجباه العريضة.   

-إبداع أدبي تربوي قصة بعنوان: زمن الخنافس ـ الجزء الثاني ـ‎  

                              جميع مواضيع الكاتب المصطفى سالمي


تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق