الخميس، مايو 12، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: يوم امتحان الكفاءة‎

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: يوم امتحان الكفاءة‎


إبداع أدبي تربوي (قصة) بعنوان: يوم امتحان الكفاءة‎


المصطفى سالمي

انطلقت سيارة المديرية الإقليمية وعلى متنها السيدة المشرفة التربوية، والأستاذان (نبيل) و(عبد الخالق). كان يقودها السائق:(أبو شعيب)، والوجهة هي مؤسسة "العرفان" بقلب سهول (دكالة) في منطقة تسمى:(أولاد عمران). كانت الساعة وقتها تشير إلى الثامنة صباحا، على أن يبدأ الدرس الأول في الساعة التاسعة. 

                                                                               
تبادل مدرسا مادة اللغة العربية التحية، وشرعا في حوار حول هموم التدريس ومتاعبه ونوادره، بينما كانت السيدة المشرفة تجلس بجانب سائق سيارة المديرية. كان المطلوب هو أن يشرف الفريق على امتحان الكفاءة المهنية للمدرسة الجديدة (لمياء). وعادة في مثل هذه الفترة من السنة ـ  في منتصف شهر (مايو) ـ كان الجو يعرف حرارة مفرطة، لكن المفارقة أن هذا العام شكل الاستثناء بالأمطار والبرد القارس. كانت المسافة تفصل المدينة الصغيرة عن المؤسسة التي تقع في العالم القروي ما يقارب عشرين ميلا. وأخيرا انحرفت السيارة يسارا وسط حقول الذرة الخضراء، بينما بانت صفرة حقول القمح رغم الأجواء الماطرة.                                                                               
في باب المؤسسة وقف السيد المدير ومعه الحارس العام لاستقبال الوافدين. تلقى الضيوف التحية وكلمات الترحيب، وتوجه القادمون ومعهم السيد المدير نحو فصل المدرسة الجديدة. كانت الشابة في عشرينيات العمر، تبدو على محياها الجدية والحماسة.  استقبلتهم بابتسامة عريضة قبل أن يستقروا على المقاعد الخلفية، حيث وُضعت أمامهم قنينات الماء المعدني وبعض دفاتر التلاميذ ودفتر نصوص الأستاذة وبعض جذاذات التحضير.                                              
وبدون مقدمات شرعت المُدرّسة في إلقاء درسها في مادة النصوص. كان الدرس من مستوى الأولى إعدادي بعنوان:(معاناة مهاجر).  أصابع تعلو وأخرى تنخفض ، والمُدرسة تدوّن على اللوح الأسود تارة، ويدون التلاميذ  تارة أخرى.. والمدرسان والمشرفة التربوية يسجلون الملاحظات على كراسات أمامهم.. ثم تحول سواد  اللوح إلى ما يشبه البياض الممزوج بألوان أخرى.                    
يدق الجرس معلنا  نهاية الحصة الأولى، وبعد لحظات من الاستراحة يتاح فيها للتلاميذ تدوين الدرس على دفاترهم، تبدأ حصة أخرى في مكون الدرس اللغوي، وتعود مثل نفس الطقوس السابقة...                                                      
وأخيرا تتنفس المدرسة (لمياء) الصعداء. لقد أنجزت المطلوب، وليكن بعد ذلك في النقاش ما يكون. فيخرج الجميع باتجاه قاعة أخرى لشرب الشاي والاستراحة، ثم يعودون بعد أن انصرف التلاميذ.                                      
في نفس القاعة يتجمع الأربعة على طاولات مستديرة، ثم يبدأ النقاش.. ملاحظات من هنا وهناك، وتعقيبات من السيدة المشرفة التربوية. بينما كانت المدرسة (لمياء) تسجل الملاحظات بدقة شديدة، كأنما تحرص على ألا يضيع منها أي شيء. وتبدأ أسئلة أخرى في مجالات التشريع التربوي وعلوم التربية.
تنصرف الأستاذة إلى الخارج، بينما يتداول المدرسان مع المشرفة التربوية أمر النقطة التقديرية.. لقد انتهى كل شيء بنجاح المدرسة الجادة التي أبانت عن كفاءة كبيرة يفتقدها كثير ممن قضوا سنوات بين أقسام التدريس. تساءل السيد (نبيل) مع نفسه إن كان القدامى ـ في ماضيهم ـ بمثل هذه الحماسة والجدية أم انطفأوا فقط بفعل العادة والترسيم وضمان الأجرة الشهرية..؟  وهل ستبقى المدرّسة (لمياء) على نفس خط جديتها وحماستها التي أبانت عنهما اليوم، أم هي الأخرى وأمثالها سيبدو عليهم ـ مع مرور الأيام ـ السخط والتذمر؟ لقد كانت سعادتها غامرة كبيرة ولا توصف عند سماع  نبأ النجاح.                           
بعد الزوال بقليل عاد الثلاثة مع السائق نحو المنطلق من جديد. عادوا وأثر العياء والإجهاد الذهني بادية عليهم. بينما كانت المشرفة التربوية تتفحص برنامجها للأيام القليلة القادمة. كانت تنتظرها أيام مشابهة كهذه، ولكن في مناطق مختلفة ومع وجوه أخرى من المرافقين من الأساتذة من ذوي التجربة في مجال التدريس. انطلقت السيارة تطوي المسافات، بينما كان تفكير كل واحد يتجه إلى انتظارات أخرى في عوالم كلها تصب في بناء الإنسان قبل كل شيء.         

اقرأ قصص أخرى للكاتب 

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق