الاثنين، مايو 02، 2016

إبداع تربوي قصة بعنوان: (تعليم كالسيارة الملعونة).‎

نشر بتاريخ :

إبداع تربوي قصة بعنوان: (تعليم كالسيارة الملعونة).

إبداع تربوي قصة بعنوان: (تعليم كالسيارة الملعونة).‎


المصطفى سالمي

جلس السيد المدير في اجتماع مع مدرسيه لمناقشة موضوع وزاري عاجل حول عمليات تدبير عتبات النجاح. كان السيد (عبدالرحيم) يرى واقع التعليم ببلاده كقصة السيارة الملعونة التي كثرت أعطابها. فما يكاد صاحبها يعالج اختلالات العجلات حتى يجد نفسه مع مشكلات المحرك ثم مشكل الإضاءة وضعف الفرامل... فيقرر بيعها وشراء سيارة أخرى جديدة. لكن أفراد أسرته يشدهم الحنين إليها وإلى سنوات خلت من الأسفار والرحلات بواسطتها. فيحتجون عليه دون أن يعلموا أن هذه السيارة استنزفت ماله وجهده وراحته ووقته. هكذا إذن يراد إصلاح منظومة أصبحت كاللعنة على اصحابها ،فهي كثيرة الأعطاب ، ويراد ترقيع الثغرات بقليل من الطلاء.    
                                                  
كان المطلوب في اللقاء هو مناقشة مسألة الدعم التربوي الذي لا يعترف بالفشل الدراسي، بل هو مجرد عوائق في الفهم أو الاستيعاب أو في التعامل مع المحتويات والطرائق المعتمدة.. وأن تكرار مثل هذه التعثرات إن لم تعالج، ستصبح مع الزمن فشلا دراسيا ذريعا.                                                          
كان يتوجب تصنيف التلاميذ إلى فئات حسب حاجياتهم مع مراعاة نوعية الاختلالات التي يعانون منها وتشكيل أقسام حسب المواد المدرسة.                                                                
كانت الأستاذة (جميلة) تعاني الأمرّين من الذهاب والإياب باتجاه مقر عملها البعيد عن سكنها بعدة كيلومترات، وتتوجس خيفة من ساعات إضافية يمكن ان يقترحها رئيس المؤسسة وهي التي تعمل داخل وخارج البيت. كانت تتمنى لو يعود بها الزمن للوراء. ولو كان ذلك ممكنا لاختارت مهنة أخرى غير التدريس  في ظل عدم اعتراف مجتمعها بمجهودات العاملين في هذا القطاع. إنها متأكدة أن المشكلة أعمق من (الدعم). هذا الأخير سيصبح مجرد تكرار واجترار للدروس الرسمية التي تسبب نفورا لمعظم التلاميذ بفعل جفاف النصوص المقررة وتحجر المنهجيات المعتمدة، ثم إنها تنظر بريبة لكل ما يأتي من الجهات الوزارية، لقد انعدمت الثقة تماما..      
استعرض السيد المدير الخطوط العريضة للجلسة، وترك المهمة للحارس العام (السيد غريب) الذي بدا يتلو تفاصيل الإصلاح المرتقب  مستعينا بإضاءة عاكسة مرتبطة بالحاسوب..               
 إنهم يريدون الوصول إلى عتبة للنجاح بمعدل 10/20 في أفق الموسم الدراسي 2017/2018 بالنسبة للسلك الإعدادي و5/ 10 بالنسبة للسلك الابتدائي. ورأى السيد عبدالرحيم أن في هذا نوعا من التعجل. كان الأحرى بهم الاقتصار على إصلاح تدريجي ينتظر النتائج المتحصلة في الابتدائي، وبعد ست سنوات يتم تطبيق ذلك ـ في حالة النجاح في تحصيل المطلوب ـ على السلك الإعدادي.
كانت الأستاذة (سهام) تسبح في الانتظارات الكبيرة التي ستحدد مسارها المهني، ففي منتصف شهر ماي ستجتاز امتحان الكفاءة المهنية من خلال درسين تطبيقيين. وكانت تتمنى لو ينتهي هذا الأمر على خير ـ وبأقسى سرعة ـ وليكن بعد ذلك ما يكون، فالانتظار قاتل وحارق للأعصاب. تنفست بعمق طاردة الهواجس السلبية مستمدة من أعماقها حماسة كبيرة تتغلب بها على نبرات الأسى التي تلمسها في ردود فعل زملائها. كان أملها أن تتغير الأمور سريعا نحو الأفضل. أما كيف يتم ذلك؟ فالله وحده يتدبر كل شيء بالنسبة لها.                                                            
جلس السيد (عبد اللطيف) في الصف الأول للأساتذة مسترجعا سنواته الطويلة في عوالم التدريس، لقد أمضى ثلاثة عقود من العمل الشاق في وسط المغرب وجنوبه، واشتعل رأسه بالبياض في وقت قياسي. كان قد أدرك أن هموم المهنة أكبر من أن تعالجها مبادرة يتيمة لم يناقَش فيها اصحاب العقد والحل، وانتهى به التفكير إلى أن تصنيف التلاميذ في حد ذاته يمثل بالنسبة لهم إهانة. فهم لا يقبلون أن يوصف أحدهم بالمتعثر الذي يحتاج دعما، إن هذا منتهى الإهانة لجيل متمرد لا يقبل الأوصاف والنعوت ولو كان فيها مصلحته في مجال العلم والتحصيل.                   
كان السيد (عبد الرحيم) ـ مدير المؤسسة ـ  يريد أن تتم المقترحات بشكل سلس ودون صدامات بين الأساتذة والمدرسين. كان يعي بأن هذا القطاع أصبح في السنين الأخيرة مثل طنجرة الضغط، ويوشك أن ينفجر ف أية لحظة، اكتظاظ واقتطاعات من الأجور وتهديد بمنع الساعات الإضافية وإحباط للمتعلمين ومشاكل الأساتذة المتدربين... لذلك بدأ يستعجل لحظة التقاعد التي يفصله عنها عام واحد. عندها سيقف أمام نفسه في المرآة لمراجعة الحصيلة الإجمالية قائلا لنفسه وقتئذ: "الحمد لله على سلامة الوصول"، أما العربة الملعونة فلو كانت في ملكه وحده، فسيضعها في متحف خاص به ويوشحها بوشاح من ذهب على أن وصل سالما غانما، ولسان حاله يقول: (اكتفيت من الغنيمة بالإياب). 
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق