الخميس، مايو 05، 2016

لقاء تواصلي الهيئة الإقليمية لتدبير مراكز الاستماع بالمؤسسات التربوية

نشر بتاريخ :

لقاء تواصلي الهيئة الإقليمية لتدبير مراكز الاستماع بالمؤسسات التربوية 

لقاء تواصلي الهيئة الإقليمية لتدبير مراكز الاستماع بالمؤسسات التربوية

المصطفى سالمي

اجتمعت عضوات الهيئة الإقليمية لتدبير مراكز الاستماع بالمؤسسات التربوية بقاعة كبيرة بمؤسسة تعليمية إعدادية. تناوبت على الكلمة  عدة عضوات عن أهمية تفريغ التلاميذ لهمومهم على أعضاء مركز الاستماع دون خوف من انكشاف أسرارهم.. منبهة لخطر الاحتفاظ بالمشاكل وتخزينها داخل الذات. هكذا تحدثت المدرسة (سعاد) عن ناس زمان الذين كانوا يتحدثون عن للقريب والبعيد عن مشاكلهم الصغيرة منها والكبيرة، فيرتاحون ويتخففون. كانوا يمارسون دور الطبيب النفسي لبعضهم البعض.  
                                
تبادرت لذهن السيد (نبيل) قصة ترويها الجدات والعجائز عن امرأة عاشت في الزمن القديم كانت تتلقى التعنيف باستمرار من طرف زوجها، ولم يكن لها قريب وتخاف أن تحكي مشاكلها للجيران مخافة ردّ فعل الزوج. فكانت تذهب لحقل قريب ثم تشرع في تفريغ همومها على صخرة بعد أن تلفها بقطعة ثوب وكأنها سيدة تحادثها. كانت تحس براحة عجيبة وارتياح كبير حين تحكي وتفرغ ما في قلبها. وتستأنف المرأة حياتها، وبعد كل تعنيف تمارس طقوسها المعتادة مع الصخرة، إلى أن كان يوم تبرمت المرأة فيه من حياتها ومن صمم الصخرة وعدم تفاعلها. فحملتها إلى أعلى قائلة: (أنت مجرد صخرة لا تقدمين ولا تؤخرين). ثم هوت بها على الأرض . تقول الأسطورة:(إن الصخرة تحطمت وانبعثت من وسطها الديدان والسوس). تعجبت المرأة وادركت أن قلبها كان سيكون قد تغلغل إليه ذلك الشيء الشنيع الذي تراه أمامها، لو لم تكن تفرغ همومها على طول الأيام والليالي...                                         
استرجع السيد (نبيل)وعيه على وقع السيدة (إكرام) وهي تتحدث عن أنواع العنف: عنف مادي، عنف معنوي بالإشارة وبالكلمة وبالمكتوب على اللوح. عنف التلميذ ضد  زميله التلميذ، وعنف الأستاذ ضد التلميذ، وعنف الأخير ضد أستاذه.. والنتيجة ضغوط نفسية متزايدة. تحدثت الأستاذة وهيبة بعد ذلك عن الشروط التي ينبغي أن تتوفر في المستمع من حيث الصبر وكتمان الأسرار. تبادرت إلى ذهن  السيد (نبيل) دلالات قصة الصخرة، وعرف أنه حين سيشارك زملاءه في تفعيل دور مراكز الاستماع والإنصات للتلاميذ الذين يعانون التعنيف من المدرس أو من زوجة الأب أو زوج الأم، أو البعد عن المؤسسة أو  تعنيف الزميل أو قسوة الفقر.. فإن هذا المدرس المُستمِع سيصبح في وضع أسوأ من وضع الصخرة في الحكاية الأسطورية، فالمفرغون لهمومهم سيكونون بالعشرات، وربما المئات في نهاية الموسم الدراسي.. كانت إحدى التلميذات كأنما قرأت أفكاره حين تساءلت عن تأثير استماع المدرس التطوعي على أدائه التربوي في القسم. كان الأحرى بالآخرين أن يسألوا عن أدائه في المجتمع والحياة. كثير من المدرسين لا يعلم تلاميذهم أنهم ـ هم أنفسهم ـ يحتاجون لمراكز استماع لتفريغ معاناتهم مع المقررات ومع زملاء آخرين هم أعداء النجاح، ومع مشاكل نفسية واجتماعية مترسبة في أعماقهم.                                                                
تواصل الأستاذة (نبيلة) حديثها عن جمعيتها المناهضة للعنف ضد المرأة وضد الطفل على مدى الأسابيع والشهور. وهنا عرف السيد (نبيل) لماذا كان ناس زمان يتحدثون  كثيرا. إنهم يتحدثون لأي غريب في السوق أو في الحافلة أو  في مكان عمومي أو في المواسم. إنهم يتخففون. أما ناس عصرنا فمنغلقون على ذواتهم، لذلك تعقدت حياتهم كثيرا. الإنسان الغربي يقرأ كتابا في القطار أو الطائرة حتى يتجنب حرج النظر لعيون الآخرين. الإنسان الغربي لو يعيش عشر ظروف إنسان العالم الثالث لانفجر من الضغوط. إنه ينتحر في عز الحياة المادية المترفة.                                                
جاء الدور على التلاميذ ليتكلموا عن مشاكلهم، فانفجر بعضهم بكاء  من التمييز والإقصاء الذي يعانونه في البيت وفي الشارع وفي المدرسة ايضا. ألقى كثيرون جام غضبهم على المدرسين الذين يميزون بينهم بالنظر لظروف الفقر والانتماء الطبقي. تعاطفت المدرسة (وهيبة) مع التلميذات وسكبت دموعا حارة لم تستطع إخفاءها. تحول اللقاء  إلى مشهد طغت فيه العواطف. كانت معاناة التلاميذ حقيقية. إنهم يعانون ضغوطا نفسية لا مادية. فالإنسان يعيش بالقليل ويستمر على قيد الحياة. لكن غياب العدل والإحساس بالغبن والدونية وانعدام الكرامة أمر قاتل للإحساس. هذا وحده يفسر العنف الذاتي الذي يمارسه البعض من التلاميذ ضد ذواتهم حين يحس بالإلغاء والدونية، فيتعاطى التدخين والمخدرات وكل ممنوع في إطار الانتحار البطيء انتقاما من ذات فقدت توازنها مع الواقع ومع الآخرين.                                                   
تأكد السيد (نبيل) العضو القادم لهيئة الإنصات بأن كثيرا من السوس والدود يسكن ويستوطن قلوبا صغيرة مقبلة على الحياة. لقد كان التلاميذ في زمنه يرتدون نعالا بلاستيكية وملابس مرقعة، ولا ينتبه الواحد للآخر. كان همّ الجميع هو الدراسة. لكن هذا الزمن غير الماضي. في زمنه كان الفقر عملة رائجة. والشيء إذا عم هان. اليوم تعقدت الحياة. البعض يحلق في الأعالي، والأكثرية تعيش كديدان الأرض. فرق شاسع بين الماضي والحاضر.           
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق