الاثنين، أبريل 25، 2016

إبداع أدبي تربوي (قصة ) بعنوان: (رحلة مدرسية)

نشر بتاريخ :

إبداع أدبي تربوي (قصة ) بعنوان: (رحلة مدرسية)

إبداع أدبي تربوي (قصة ) بعنوان: (رحلة مدرسية)

بقلم المصطفى السالمي

تجمع التلاميذ في ساحة بوسط المدينة الصغيرة في انتظار قدوم الحافلة التي تقلهم في رحلة مدرسية إلى مدينتي الصويرة وآسفي. كان اللقاء والتجمع في فجر يوم الأحد. حضر أولياء التلاميذ لمرافقة أولادهم وبناتهم إلى الساحة. كان الظلام يسود المدينة الداخلية الصغيرة التي لا تتوفر على متنفس يفجر فيه الفتيان والفتيات ضغوط الدراسة، سيما والسنة الدراسية تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة. هم الآن في أواخر شهر أبريل حيث التعب والإرهاق قد نالا من الجميع، مدرسين وتلاميذ.    
   
وأخيرا اجتمع أعضاء اللجنة المنظمة وبدأوا بإحصاء العناصر الحاضرة. شعر التلاميذ بفرحة غامرة، ثم شرعوا يودعون آباءهم على أمل اللقاء في وقت متأخر من المساء.                                                     
انطلقت الحافلة في ظلام دامس باتجاه مدينة الصويرة عبر طريق (جزولة/ تلمست). وتدريجيا بدأت تنزاح آخر أستار الليل وحلكته لتحل محلها نسمات الصباح وضياؤه وإشراقه، وتعالت في الحافلة أناشيد التلاميذ وهم يعبرون عن نشوة السفر ومرافقة زملائهم ومؤطريهم. وفي بلدة (جزولة) الصغيرة استلقى الجميع على كراسي متفرقة لتناول الإفطار قبل مواصلة السفر. كان هذا الجيل مأكله من المعلبات والبسكويت المغلف بورق لامع وبمسميات غريبة، في وقت كانت الأجيال القديمة مأكلها طبيعي من بيض وخبز وألبان وأرغفة..                     
انطلقت الحافلة تحرق المسافات لتصل إلى منطقة تطل على مدينة الصويرة. توقفت بمحاذاة الطريق. كان المنظر البانورامي رائعا حيث يظهر مشهد البحر والبنايات البيضاء التي تبدو كلوحة رسمها وأبدعها الخالق. قريبا كان هناك شخص يسترزق من خلال جملين له، كان يركبهما الزوار ويلتقطون صورا تذكارية. تحمس للفكرة بعض التلاميذ، وشجعهم على ذلك مؤطرتهم  المدرسة (وهيبة) التي استحضرت مرحها وحيويتها وطفولتها وهي تركب الجمل مشجعة بعض تلميذاتها المترددات.                                                                         
في قلب الصويرة تعالت من جديد صيحات التلاميذ معبرة عن فرح طفولي ، رغم أن التلاميذ ينتمون لفئة الإعدادي. شكلوا سلسلة بشرية منطلقين باتجاه الأماكن التاريخية: (السقالة ـ  الملاح ـ الأبواب العتيقة ـ محلات الصناعة التقليدية..)، وكان يؤطرهم ويوجههم العارف بخبايا المدينة الأستاذ: (محفوظ). بدا فجأة أصغر سنا وهو يمازح هذا ويشير بأصابع النصر لذاك. وحتى الحارس العام السيد (المصطفى) الذي يلقبه زملاؤه بـ "أردوغان" لجديته وحزمه، تخلى بدوره عن وقاره وانخرط في موجة مزاح وضحك مع الجميع. بينما كانت المُدرّسة (سهام) أكثر فرحا وهي تخوض أولى تجاربها في عوالم الرحلات المدرسية. كانت سعيدة للغاية وهي تنخرط مع زملائها وتشاركهم التأطير والإشراف على الأنشطة المدرسية. ووجد الآخرون فيها روحا مرحة ربما لم يكن كثيرون يعرفونها فيها إلا من زملائها الأكثر قربا منها.                    
في هذا الوقت كان الأستاذ (جمال) ـ وهو إعلامي الرحلة ـ لا يفوت أية فرصة إلا ويلتقط صورا لمشاهد يراها هي الأنسب محددا لها الوضعية والشكل الذي يراه مطلوبا.                                                       
تنقلت المجموعة بين أماكن عدة، ووصلت إلى الميناء ثم إلى الشاطئ.. كانت حركات وأصوات التلاميذ تثير أحيانا الساكنة المتعودة على أفواج السياح والرحلات المدرسية، لكن هذا الفوج السياحي مختلف بحماسة أفراده وحركيته. بل إنهم انخرطوا في عبارات يتبادلونها مع السكان المحليين ومع الباعة والزوار. ظهر فوج آخر من تلاميذ المدارس في تقاطع أحد الشوارع فتعالى الإيقاع من هنا ومن هناك، لفت المنظر وأثار الابتسامات العريضة عند الكثيرين.                                            
توزع التلاميذ على محلات شراء لوازم الأكل. البعض كان قد اشترى مسبقا ما يلزمه لذلك أو أحضره من البيت، بينما تحلق أفراد الأطر المشرفة على الرحلة حول طاولة كبيرة. كان مأكلهم من السمك المشوي الذي تشتهر به المدينة. وأكثروا من السلطة وإلى جانبها البرتقال والشمّام.                                                                            
انطلقت المجموعة بعد ذلك باتجاه الشاطئ حيث الرمال الذهبية وزرقة ماء البحر. احتضنوا المكان بعشق وشغف من ينزوي في مدينة داخلية تعاني نقصا من زرقة كهذه الزرقة، رغم احتضانها سواقي تنعش زراعة الشمندر السكري والبرسيم بقلب سهول (دكالة). التقطوا من جديد صورا عديدة لتجميد الزمن في تذكارات تعيد الماضي حيا متجددا في كل لحظة وآن.                                                                                
في الثالثة بعد الزوال تحركت الحافلة باتجاه مدينة آسفي تلتهم المسافات. كانت حقول الذرة وأشجار الزيتون تتراءى وهي تتهادى مندفعة للخلف. وقريبا من قصر البحر تمّ حط الرحال. وانطلقت المجموعة نحو آثار لحقب زمنية غابرة. آثار البرتغاليين من قلاع وقصبات، ثم باتجاه كورنيش جميل حيث تناول الجميع مشروبات مختلفة المذاق والألوان في مقهى "الغروب" المطلة على المحيط الأطلسي من أعالي شاهقة. وقد سمي المكان كذلك لأنه يشهد على هذا المنظر الطبيعي واختفاء الشمس خلف زرقة الماء وتمازج الألوان الطبيعية.    
بعد الاستمتاع والتلذذ بالمشروبات المختلفة الألوان والأشكال والأسماء، توجه الجميع نحو سوق الخزف، فاشتروا أحجاما وأشكالا من الأواني والمصنوعات الخزفية الجميلة والمزركشة، والتقطوا مزيدا من الصور. وكان كل بائع ينادي على الزبائن الجدد، محاولا إغراءهم بجودة وتميز وتفرد ما يمتلكه...                                                                
وقبيل الغروب، انطلقت الحافلة نحو منطلقها الأول وقد تعالت أناشيد التلاميذ. ولكن هذه المرة بنبرة حنين ممزوج بالأسى بشكل واضح المعالم، الحنين إلى بلدتهم وأفراد أسرهم الذين كانوا يتواصلون معهم طوال الوقت بالهواتف الجوالة، وأسى على العودة لروتين الدرس والتحصيل وتوديع هذه العوالم الساحرة التي كانت كحلم جميل مرّ كالطيف اللامع فجأة، وتوارى بعد ذلك خلف المجهول. لكنهم في قرارتهم تخففوا من كثير من الأثقال التي كانت ترهقهم وتؤثر على أعصابهم. انتهت الرحلة المدرسية، لكن بقاياها لن تموت داخل أعماقهم. فهم يطلون على الماضي الجميل ويعودون إليه باستمرار من خلال الصور والحكايات والطرائف المتبادلة في حواراتهم باستمرار. يعودون إلى هذا الماضي يمططونه، يمددونه حتى تصبح الدقائق ساعات وأياما وأحقابا لا تنتهي. بل إنهم يتمنون لو كان بإمكان العودة الحقيقية للأزمنة الجميلة لا مجرد تخيّلها.    
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق