الجمعة، أبريل 29، 2016

الإجتماع

نشر بتاريخ :

 الإجتماع 

 الإجتماع

دخلنا منهكي القوى،  كان السيد الوزير محاطا برجاله، لم يلتحق بقاعة الإجتماعات إلا بعد حوالي ربع ساعة. أما نحن فخارت قوانا بعدما بحت حناجرنا خارج المقر الحكومي . كنا نردد شعارات مطالبة بتسوية بعض الملفات العالقة منذ فترة من الزمن، سنة، سنتين، سنوات . 

كنت أصغر الجموع سنا. أبلغ من العمر أنذاك عشرين سنة أو ربما إثنتين وعشرين ، لا أذكر جيدا. كلما أذكره أنني كنت أمام امتحان صعب. بدأت مشواري المهني بقول لا، وقول لا بالنسبة لمن ألف نعم سباحة عكس التيار  وخرق للأعراف.
دخل السيد الوزير وسجارته تحترق بين أنامله شيئا فشيئا وبجانبه السكرتيرة بلباس رسمي أنيق، تقترب منه لتهمس في أذنه.  ربما كانت تنبهه كي لا يخطأ الكلام وكي يقوم بتصريف مقررات الحكومة على الكمال والتمام. 
بجانبي وأمامي ممثلون عن فئات عدة من القطاع. منهم من اشتعل رأسه شيبا، ومنهم من رسمت التجاعيد أخاديد على جهه، ومنهم من تبدو على ملامحه حيوية وطاقة وكأنه لا ينتمي إلينا. 
تدخل أول ممثل عن فئة من الفئات، ألقى التحية واسترسل قائلا :
كما تعلمون السيد الوزير، ليس عدلا أن يبقى هذا الملف عالقا، فبتعنث وزارتكم سيدي الوزير تساهمون في تشريد أسر. كما لا يخفى عليكم سيدي، الأسعار في ارتفاع مهول، و متطلبات الحياة كثيرة ونحن لا نطالب إلا بحقنا في التسوية، ولا يفوتني سيدي أن ..."
رن هاتف أحد الأشخاص من الحضور وتدخل السيد الوزير بنبرة ساخرة :
ههههه كككك جاوب على المكالمة غادي تكون المدام هاذيك المدام هي الأولى، أنا المدام عندي مللي تصوني كنلغي جميع الأشغال .
رد السيد الوزير على مداخلة المتدخل الأول ولا أذكر كثيرا ماذا كان رده. كل ما أذكره أن ممثل تلك الفئة أصيب بالإحباط وتغيرت ملامح وجهه ثم همس في أذن صديقه . قال له شيئا.
أتى دوري، الكل كان ينتظر، كنت غريبا عن الحضور. لم يروا من قبل هذا الوجه، كيف ستكون مداخلته؟ وما مشكلته وهو الذي حط قدمه الأولى في الدرج ؟ ألا يخشى السقوط قبل بلوغ السقف؟ 
حييت السيد الوزير ثم بعدها الحضور، وأثنيت عليه وقلت له :
أحييكم سيدي الوزير على غيرتكم  على قطاع التعليم وعلى عملكم الدؤوب من أجل المضي قدماً نحو مدرسة عمومية شعبية يتساوى فيها الفقير والغني . أستفسركم سيدي الوزير عن مصير فئة حاملي الشهادات . ليس عدلا أن يبقى هذا الفوج حبيس زنزانته.  ما ردكم على الغليان الذي ملأ أرجاء هذا الوطن الغالي علينا. 
أنهيت مداخلتي، همست السكريتيرة في أذن السيد الوزير، همس في أذنها أيضا تبادلا الحديث بصوت خافت. ربما يتفقان على الرد. انتظرت لحظات ثم أجاب  الوزير :
يتضح لي من خلال مداخلتك هاته أن لديك باعا في العمل النقابي. 
وجاء على لسانك أن فئة ما في سنة ما استفادت من حقها، حقكم الآن . أنتم على حق ومطالبكم مشروعة بني . لكن الظروف تغيرت وفي تلك الفترة كان الوطن على شفا حفرة وكان لا بد للحكومة أن تتصرف كذلك. حفاظا على المصلحة العليا للبلد. 
ثم همس للسكريتيرة و ارتشف كأس ماء واسترسل قائلا :
ملفكم هذا بيد الحكومة وأنا هنا أطبق فقط الإملاءات، أقصد القانون. ولكل قانونه.
كنت أعرف منذ الوهلة الأولى أن رده لن يختلف كثيرا عما دار في ذهني، وأعرف منذ مدة أن الحوار لن يجدي نفعا وأن الاجتماع لن يختلف كثيرا عن كل الاجتماعات. وعرفت أيضا أن السيد الوزير وزير سيد وأن الرئيس مرؤوس وأن المرؤوس تتبعه رؤوس. رفعت رأسي مخاطبا السيد الوزير :
تحملوا مسؤوليتكم التاريخية ثم تسللت من  الباب نحو الخارج. تابعت خطايا والليل اقترب من المنتصف.  ثم سمعت ضحكة من داخل القاعة.
لا بد أنه السيد الوزير الذي اختار أن يخلق من مشهد الاجتماع التراجيدي قطعة مسرحية يمتزج فيها الضحك بالحزن.
واصلت طريقي نحو الشارع. صدفة صادفت جسدا نحيف يترنح يمنة ويسرة، تنبهت إلى أنه بالغ في شرب الخمر. يجر رجليه في الظلام ويردد :

ما كاينش معا من !!
ما كاينش معا من !!

أحمد الغازي
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق