الأحد، مارس 13، 2016

الكتاب المدرسي بين الأمس واليوم...(الجزء الأول)

نشر بتاريخ :
الكتاب المدرسي بين الأمس واليوم...(الجزء الأول)


بقلم: المصطفى  سالمي

بقلم: المصطفى  سالمي


إن الحديث في زمننا الراهن عن الكتاب المدرسي هو حديث متشعب وذو شجون، فمنذ أواخر الثمانينات إلى اليوم والمسؤولون عن الشأن التربوي في بلادنا يجربون في الأجيال المتلاحقة وصفاتهم المختلفة دون أن يصلوا لأية نتيجة مرضية. ولعل الأجيال القديمة التي هي اليوم تمسك بدواليب الدولة في مختلف القطاعات تتحدث عن المقررات الدراسية السابقة بكثير من الشوق والحنين، بل ويجرها الحديث أحيانا إلى التحسر عن وضع الكتب المدرسية اليوم. فما الذي يمكن أن يشتمل عليه الكتاب المدرسي قديما حتى يعود الناس دائما للوراء؟ وهل الأمر  مجرد حنين للماضي ؟. وإذا كانت مبررات هؤلاء معقولة، فلماذا لا نستفيد من النقط المضيئة في ماضي كتبنا المدرسية، إذ كما يقال: (ما دامت الوسيلة القديمة مربحة، لِم لا يتم الاستمرار عليها؟).    
                           
ولعل أشهر الكتب المدرسية التي ما زالت عالقة بذاكرة الأجيال السابقة هي كتاب: " اِقرأ " لأحمد بوكماخ. هذا الكتاب المدرسي في أجزائه الخمسة يمتاز بعناصر أساسية هي كالآتي:             
أ ـ المتعة الأدبية: فأنت تقرأ لنصوص تشدك إليها بعناصر التشويق والإثارة، نصوص مثل: (عنزة السيد سوغان) ـ (الثرثار ومحب الاختصار) ـ (زوزو يصطاد السمك) ـ (أحمد والعفريت) ـ (الأميرة النائمة) ـ (الحمار الكسلان) ـ (الشيطان والفلاح).... وهذه المتعة تأتي ليس فقط من المضمون وروعة الأسلوب الذي هو لكبار الكتّاب من الشرق والغرب ـ عرب وصينيون وأوربيون وأمريكيون ـ ولكن الإثارة تأتي أيضا من الصور المرافقة التي اختيرت بعناية فائقة لشد المتلقي. بينما الكتب المدرسية اليوم تشكو جفافا أدبيا مما غيب المتعة والإثارة المنشودتين.                                          
ب ـ التنويع في المادة الأدبية: حيث نجد النصوص الشعرية والمسرحية وفن الرسالة والسيرة وكل الأجناس الأدبية، في حين يغيب مثل هذا الأمر حتى على كتب السلك الإعدادي حاليا، فكتب مثل: المفيد والمرجع ومرشدي تخلو بشكل مطلق من النصوص المسرحية ومن فن المقامة الأدبية رغم أهميتهما الأدبية والتربوية.
ج ـ الرمزية والخيال الأدبي: حيث النصوص المختارة سواء في كتب أحمد بوكماخ، أو كتاب (المطالعة والنصوص) تمتاز بالتركيز على عنصر المخيلة والإيحاء والرمز، فعنزة السيد سوغان ترمز لكل شخص يبحث عن حريته بعيدا عن انتمائه وجذوره مما قد يشكل خطرا على هويته وعلى وجوده، والبنفسجة الطّموح رمز للطموح الجارف الذي هو مهدد بعواصف الواقع المرير، وقصة:(الله يرانا) ترمز للمِلكية الفردية التي يُراد حمايتها بالمقدس الديني، ونص:(الأسد ووزيره الحمار) رمز للحاكم الذي يتخذ وزيرا أبله يعطي الانطباع بأن الحاكم وإن تسلح بهيبة مستعارة، فهو أشد بلاهة من وزيره الذي كشف حقيقته، ونص:(المستحق للعقاب) يرمز لعقاب المستضعفين والتغاضي عن الأقوياء رغم جسامة أخطائهم وذلك في المجتمعات الاستبدادية.... مثل هذه الأبعاد الرمزية تكاد تخلو من كتبنا المدرسية اليوم حيث تسودها نصوص مداهنة مستكينة مسطّحة تخلو من أي حس جمالي أو إيحائي.                   
إن الأجمل في نصوص كتاب اِقرأ أو كتاب (المطالعة والنصوص) هو الخيال المجنح، فشخصية السندباد  الباحث عن المغامرة في البحار والآفاق ليس هو سندباد مقرر المستوى الابتدائي إلى عهد قريب والذي أصبح متحجرا متخشبا على ظهر سلحفاة يردد:(سيري سيري سلحفاتي، مسكنك معك أينما سرتِ.. أنا سندباد وأنت فرسي). هذا النص يمسخ شخصية السندباد حيث أصبح مقيدا بقيود المكان والبطء... وقس على ذلك باقي النصوص التي انعكس تأثيرها على التلاميذ فأصبحوا ينفرون من فعل القراءة وجاذبيتها. لقد أصبح تلميذ السلك الإعدادي لا يستطيع ـ اليوم ـ قراءة قصة من قصص المنفلوطي كالعبرات أو النظرات أو ماجدولين.. في وقت كان جيل الأمس وفي نفس الفترة العمرية والمستوى الدراسي قد التهم التهاما أعمال نجيب محفوظ وجبران خليل جبران وجرجي زيدان وتوفيق الحكيم... وتجد الواحد منهم وقد قرأ عشرات الروايات والكتب باللغتين العربية والفرنسية.                                 
د ـ التدرج والانتقال من الجزء إلى الكل: ولعل البعض اليوم يردد كلمات ما زال يحفظها من العهد القديم مثل: توت ـ بقرة ـ برتقال. لقد كان كتاب اِقرأ يعتمد التدرج من الحروف:( دَ ـ دُ ـ دِ ـ دا ـ دو ـ دي ..) ثم الكلمات:(دب ـ دبدوب ـ متدرب) ثم الجمل: (دبدوب يتدرب على الحبل)... وهذا الانطلاق من الجزء للكل (الطريقة التجزيئية) هو الذي رسخ العديد من المكتسبات في ذهن جيل الأمس. اليوم يقع العكس تماما حيث الانطلاق من الكلي إلى الجزئي، من الجمل إلى الكلمات إلى الحروف. وهذه العملية حتى في الغرب لم تعط أكلها وبدأ التراجع عنها والعودة للعملية التدرجية التجزيئية، فلِم لا نعيد نحن النظر في مجمل العناصر القديمة التي هي: الخيال + المتعة الأدبية + الصور المرافقة المثيرة + أشياء أخرى مثل: خلق حوافز للمتعلمين من خلال مسابقات ثقافية ترفيهية على الصعيد الوطني على غرار البرنامج التلفزي القديم: (الوقت الثالث)، مع ضرورة تفعيل دور مكتبات المؤسسات التي أغلبها اليوم مغلق أو موجه نحو الحواسيب التي كرست القطيعة مع المكتوب لصالح المرئي.                                                                 

إننا اليوم في أمس الحاجة لمناقشة الاختلالات التي تميز الكتب المدرسية الحالية في أفق كتاب مقرر يشد إليه الأجيال الصاعدة لعل زمنا قادما يتم الحديث فيه بشوق وحنين كما نتحدث نحن اليوم عن كتاب "اِقرأ " لأحمد بوكماخ  داعين له بالرحمة مستمدين نصا من نصوصه الرائعة المعنون بـ : (الرحمة لمن علّمني).             
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق