الاثنين، مارس 14، 2016

قراءة في قضية الأساتذة المتدربين وحسابات الربح والخسارة

نشر بتاريخ :

قراءة في قضية الأساتذة المتدربين وحسابات الربح والخسارة

قراءة في قضية الأساتذة المتدربين وحسابات الربح والخسارة

بقلم: ذ. محمد الريمي — مفتش تربوي

انتقلت قضية الأساتذة المتدربين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين من ملف مطلبي فئوي إلى قضية وطنية وحركة اجتماعية جلبت إليها تعاطفا شعبيا واجتماعيا وسياسيا قل نظيره مما جعل العديد من المهتمين يعتبرونها إيذانا بظهور موجة جديدة من الحراك الشعبي ومؤشرا على استعادة النضال الجماهيري لعافيته واستعادته لزمام مبادرته.

إن الصمود التاريخي لهذه الفئة وقدرتها على قيادة نضالاتها بسلمية واستقلالية ونضج ومسؤولية… جعل منها مظهرا من مظاهر اكتمال الفعل النضالي ذي القاعدة الشعبية والأشكال المتجددة وترجيحا لخيار الصمود في الميدان سبيلا ناجعا لانتزاع الحقوق واسترجاع المكتسبات.
بالمقابل أبانت السلطات المتحكمة والحكومة الخادمة جمودا وصلفا كبيرين بل وتهورا وارتباكا واضحين مما يجعلنا نتساءل:
هل يتعلق الأمر بخطة للإنهاك والتخذيل؟ أم هو صراع بين أطراف في دوائر الحكم والتحكم؟ أم أن في جعبة المخزن – و في جُبّته- ما يكفي لاحتواء الملف وضرب عصافير بحجر واحد أو حتى بدون حجر إن اقتضى الحال؟.
بيد أن السؤال الجوهري والقضية الأهم في هذا كله: من الخاسر الأكبر في هذا المشكل؟ وما حجم الفاتورة؟ وهل من مخرج؟
قضية الأساتذة المتدربين وحسابات الربح والخسارة:
إن المهتم المتهمم بالشأن التعليمي ببلادنا ليصاب بالدوار الرهيب والالتياع الشديد وهو يتابع حالة تدبير القطاع في بلادنا إذ بعد فصول من التباكي على حال المدرسة العمومية والإقرار من أعلى مستويات السلطة بكارثية الوضع التعليمي والإجماع على ضرورة فتح ورش الإصلاح من جديد بنفس جديد وبرؤية مستقبلية واضحة…. خفتت، فجأة، كل الأصوات وانهارت العزمات وتلكأت المشاريع والمخططات، ترى ما الذي حدث؟ وأين وصل تنزيل الرؤية الاستراتيجية والتدابير ذات الأولوية؟ ثم كيف، والحالة هاته، يمكن أن نصدق خطابات الإشراك والتشاور والاستماع في الوقت الذي يتم فيه تمرير قرارات مصيرية وتدابير حساسة وحاسمة على حين غرة ودون مشورة ولا سابق إشعار؟

ما وجه الاستعجال وما مبرر الاستفراد في تمرير مرسومين لهما أثر كبير على مستقبل أجيال واستقرار منظومة؟ بل كيف يتم تغييب وإقصاء المعنيين المباشرين (الأساتذة المكونون ومديرو المراكز)؟

اية علاقة بين فصل التكوين عن التوظيف وتقليص المنحة بالجودة وتكافؤ الفرص؟

كيف ننتظر ممن كُسرت أضلاعه وأُهينت كرامته وهُدر حقه أن ينخرط في الإصلاح وأن يثق في شعارات مدرسة الجودة والإنصاف والارتقاء بل كيف يُحدث هذا الأستاذ متعلميه عن مغرب الأمجاد وحب الأوطان وحقوق المواطنة …
إن التعامل مع ملف كهذا بمنطق الحسابات السياسوية والرهانات الانتخابية والمقاربات الأمنية لهو الفشل الكبير والرعونة في التدبير، إذ كيف يعقل أن نضحي بمستقبل أجيال، ونقامر ببصيص أمل في الإصلاح -إن كان قد بقي-، ونُحمّل ملايين من أبناء الشعب تبعات قرارات متسرعة و إجراءات غير متعقلة؟.
وبالتالي فإن الضحية الكبرى والفاتورة العظمى في حال إمعان الحكومة في نهج سياسة التجاهل والترهيب والتخذيل والإنهاك، هم أبناء الشعب المفقر المنهوب الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا لتعليم خصوصي غلا ثمنه أم قل، حضرت جودته أم غابت، أما الأساتذة المتدربون، الذين تعتبرهم الحكومة مُغررين بل تنعتهم بلطجية وصعاليك متهورين، فليس لديهم ما يخسرون لأن المرسومين،أو أحدهما على الأقل ، يعيدهم إلى حال البطالة أو الاستغلال الذين جاؤوا منهما أصلا…
ثم أليس هذا الوقت المهدور من زمن التكوين والتدريب والتمرس على مهنة من أخطر المهن وأعقدها، طعنا في جودة التكوين وخصما من حق المتعلمين في تدريس جيد ومدرسين مهرة مدربين؟
أليست كل التقارير والدراسات تشير إلى أن من أهم مداخل الداء ومواطن الخلل في منظومتنا ضعف التكوين ونقص الكفايات المهنية وغياب التجديد والإبداع لدى مدرسينا؟.
شبح إعلان سنة بيضاء: حقيقة أم تهديد؟
لا يتوانى رئيس الحكومة والعديد من وزرائه في التلويح بإعلان سنة بيضاء في حال استمرار مقاطعة الأساتذة المتدربين للدروس النظرية والعملية، لكن هل يدرك حقا تداعيات ذلك على الموسم الدراسي المقبل وعلى جودة التحصيل الدراسي لأبنائنا الذين يتم التباكي على حالهم واسترزاق المساعدات والقروض على حسابهم؟ أليس تقديم مصلحتهم وتأمين مستقبلهم أولى من التشبت بقرارات -يقول رئيس الحكومة نفسه أنه- قد شابتها بعض العيوب؟ وإذا كان التشبت بالموقف مزيته فلماذا خانته هذه المزية في مواطن كثيرة وفي قضايا خطيرة…؟ ثم ماذا بعد الاعلان ، وعن ماذا ستتفتق حكمة مدبرينا لاستيعاب النزيف الحاد والخصاص المهول في الأطر؟، وكيف سيتم تدبير الدخول التعليمي والتكويني المقبل ونحن –للذكرى فقط -في زمن الاصلاح؟، وما العمل في حال إصرار الأفواج المقبلة على نفس النهج وتزايد الاحتقان الشعبي واستمرار الوهج النضالي؟.
ثم ما بال الوزير الوصي لا نسمع له همسا، ولا نحس له ركزا؟ أهو صمت حكمة أم صمت رضى أم صمت عجز؟…
الفرص المتاحة …قبل فوات الأوان
بعد مرور شهور من المقاطعة والنضالات والقمع والتعنيف والترهيب و الاساتذة المتدربون لم تلن لهم قناة وحجم التعاطف مع قضيتهم يزداد ويتسع، و المساعي الحميدة لاحتواء المشكل تتهم الحكومة صراحة بالتخاذل والمماطلة ، واللقاءات الحوارية السابقة -على علاتها،وصلت الى الحلقة المفرغة ، بيد أن الوقت بدأ ينفد، وشبح دخول مدرسي كارثي يلوح في الأفق، لذا فإن نداء الضمير والمسؤولية يجب أن يعلو ومصلحة المتعلمين يجب أن ترجح ومنطق الخاسر /الرابح يجب أن يلغى ….
من أجل ذلك فلا أعز يطلب في الوقت الحاضر من التعجيل بحوار مباشر مسؤول وشفاف؛ حوار يستدعي عمق المشكل وأبعاده وتداعياته، حوار يجب أن يتحمل فيه الجميع المسؤولية التاريخية والوطنية والأخلاقية، حوار يستحضر حجم التحديات التي تنتظر المدرسة المغربية وهول الكوارث والأزمات التي تتخبط فيها، أفلا تستحق هذه الفلذات المتألمة والوجوه البريئة، تنازلات وتضحيات حتى ولو كانت مؤلمة…؟.
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق