الثلاثاء، مارس 22، 2016

ممارسة التدريس:028 المراهقة

نشر بتاريخ :

ممارسة التدريس:028 المراهقة

الأستاذ توفيق بنعمرو أستاذ مادة  الرياضيات بالثانوي التأهيلي

أستاذ مادة  الرياضيات بالثانوي التأهيلي
طور من أطوار الحياة، يتخوّف منه الكثيرون، و يَسِمُه آخرون بسنّ الطيش و التهوّر و يعتبرونه سنا حسّاساً له تأثير محوري على مناحي الحياة و مفترق طرق قد يغيّر المسار بدرجة كبيرة. كما أنّ له توصيفاً بكونه سنّ الفتوّة و الإقدام و البلوغ و التكليف و انبعاث الشخصية و تميّزها و تفجّر الطاقات المختزنة و الملكات الذاتية و القيمة المضافة الفردية التي أودعها الخالق سبحانه و تعالى في كل إنسان.

جزء كبير من مرحلة المراهقة يُعايشه الممارس للتدريس مع تلامذته خاصة في الثانوي التأهيلي و السنة الأخيرة من الإعدادي و تكون المرحلة المحورية عامة في النصف الثاني من سنة الجذع المشترك و النصف الأول من السنة الأولى بكالوريا، هذا على العموم مع تمايز و اختلاف بين الجنسين.
تظهر على التلاميذ عند دخولهم هذا الطور تغيرات متعددة، جسمية و عقلية و سلوكية، على الممارس ملاحظتها و الانتباه لها و التعامل معها بما يلزم من يقظة و تبصّر و حذر و صبر و تحمّل و طول بال، و توقُّعٍ لكلّ جديد مفاجئ من تصرّف أو قول أو لباس أو انفعال، أو تفتّق لمواهب جديدة أو انحدار في الدراسة و شرود عن التركيز إلى غير ذلك من الأمور التي يكفي الانتباه لها لاستبيان غير ما ذكرناه من أمور أخرى.
إن انبعاث الشخصية الفردية و تميّزها يصاحبه اعتزاز أكثر بالنفس و ردّ فعل حاد و اهتمام أكثر بالمظهر الخارجي و رغبة متزايدة بالتميّز عن الآخرين في أشياء مختلفة و تطلّعاً مختلفاً نحو الجنس الآخر و تغيّراً كبيرا في طريقة التعامل و التفاعل معه و العلاقة معه. كلّ هذا قد يسلو عن الدراسة و قد يؤثّر سلبا على مسارها كما يمكن أن يصبح حافزا للإقبال عليها و النجاح فيها، و هنا يبرز دور الممارس في محاولة جعل هذه التغيرات الكبيرة و الطاقات المنبعثة تسير في مجرى صحيح و مسار سليم.
يُستحسن من الممارس للتدريس الابتعاد عن إصدار الأحكام الجاهزة القطعية في حق كل مظهر مخل أو لباس غير لائق أو تصرّف غير سليم، فهي أمور قد تكون ظرفية مردّها الزوبعة الداخلية التي تحيط بالمراهق أو المراهقة، و كلّما كانت اللباقة في التعامل و حُسن الإنصات و قبول العذر و احترام الشخصية و تقدير الإنسان كلّما تفادى أيَّ ردّ فعل غير مقبول و كلّما سمح بتقريب المسافة بين الطرفين في حدود التقدير و الاحترام و بالتالي قبول النصح السديد و الكلام المنطقي المعتدل السليم.
إن سلطة الخوف و العقاب و هامشهما يضمحلّان بشكل كبير في هذه المرحلة على العموم، و لا يُجديان نفعاً لمن يجعلهما أداته المحورية في علاقته مع المتمدرسين، و يحلّ محلّهما سلطة الإقناع و الاحترام و التقدير و التعامل الإنساني العادل المحافظ على كرامة المخلوق و هي سلطة كبيرة تحلّ كثيرا من العقد و تعطي صلاحيات أوسع للممارس تعطي فعاليةً مجرّبةً في كل نصح مقدّم.
قد يصاحب هذا الطور تعلّقا مفرطا للتلاميذ بشخصية الممارس، عليه الانتباه له و التعامل معه بتعقّل و حذر و تبصّر و اعتدال و حُسن التخلّص و طول البال. و هو ليس بالضرورة من جنس لآخر و ليس في الضرورة لنية سيئة، بل كونه إفراطا و خروجا عن الاعتدال هو الدليل على كونه أولا ظرفي و ثانيا أنه انعكاس لمخلّفات المراهقة و تأثيراتها، و قد يستطيع الممارس توظيفه للعطاء الأفضل في الدراسة و إخراج التعلق بشخصه إلى التعلق بالمادة المدرّسة و بالدراسة عموما
إنه موضوع مركّب شائك، متعدّد الجوانب، حسبُنا أن تحدّثنا عنه، و أمطنا اللثام عن جوانب منه، في غياب دراسات ميدانية حقيقية رزينة لواقعه في مؤسساتنا التعليمية و في غياب وجود مختصين في المدارس يواكبون انعكاسات هذا الطّور و يتابعون التلاميذ بشكل مفصّل دقيق، و المؤسف أن جلّ ما يتمّ هو الزجر و العقاب و معايشة الانحراف الأخلاقي و الإدمان على أصناف من المحرّمات و التخلّف الدراسي الكبير، بعيداً عن المصاحبة الوقائية السليمة الرشيدة لا في البيت و لا في المؤسسة و لا في المجتمع و لا في الإعلام. و لا تكوين متجدّد فعّال للأساتذة الذين يُعايشون التلاميذ في مختلف الأطوار الصعبة من هذه المرحلة فيجتهدون من أنفسهم طرقا قد تجدي أحيانا و قد تكون وبالا و تزيد الأمر تعقيدا في أحيان أخرى.

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق