الأحد، فبراير 21، 2016

المدرس و التفكير المرن

نشر بتاريخ :

المدرس و التفكير المرن 

ذ : جوا د مطعي

ذ : جوا د مطعي
19/2/2016


مما لا شك فيه أن المرونة في التفكير هي من بين أهم الأفكار في الحياة وأبرزها على الإطلاق, هذه الفكرة تستحق منا وقفة تأمل بغية تحليلها و مناقشتها و تبيان أهميتها و انعكاساتها الإيجابية .

المرونة في التفكير كما عرفها المختصون و الخبراء :هي القدرة على التكيف و الإنسجام و التوافق و إحداث التوازنات اللازمة و الضرورية )الداخلية والخارجية (و كذا خلق البدائل و الخيارات في أسلوب تعاملنا مع الآخر و المتغيرات و المواقف المختلفة ,إنه فن التكيف و التأقلم  مع كل ماهو جديد و غير متوقع .
 يؤكد الخبراء أن الأفراد الذين لا يتأثرون بتجارب الفشل و لا يعانون من الإكتئاب , يتوفرون على قدرة خاصة تعرف في عالم الطب النفسي بالمرونة . فهذه العينة من البشر قد تمر بمختلف التجارب الفاشلة  و المثيرة للضغوط لكنهم يظلون في حالة توازن و متفائلين  و يتعاملون بإيجابية .
إن التفكير المرن هو سر من أسرار النجاح ,بل هو أحد مفاتيحه , سواء في العمل أو في العلاقات الاجتماعية ,إذ يمنحك القدرة على مواجهة المواقف الصعبة بعقلية واعية و لينة .
بهذا المعنى يكون التفكير المرن هو الطريقة المثلى التي تحمي الإنسان من الانكسار أمام المواقف الصعبة. فالشخصية المرنة تشبه الماء الذي يتكيف باستمرار مع أي مناخ , فتارة يأخد الحالة السائلة و تارة أخرى الحالة الغازية أو الحالة الصلبة  حسب ما تقتضيه الظروف. من جهة أخرى  فهو ذو فعالية  قصوى و إيجابي و لا يمكن مقاومته أو الاستغناء عنه .
لازلت أومن بأن الحياة قصيرة و لا تستحق منا كل هذا التوتر و الحقد فأعمارنا قد تؤول إلى الصفر إذا ما قورنت بحياة ما بعد الموت , حياة الخلود )ما لانهاية ( .فما جدوى أن يمتهن الفرد منا مهنة   يجني من ورائها علة عضوية أو نفسية  كنتيجة لعدم مرونته  أوجهله مهارات التكيف مع المحيط؟
ففي ميدان التدريس و على غرار مختلف الوظائف يتنافس الزملاء على ثلاثة أشياء رئيسة  هي :قضاء المصالح  و كسب التقدير ثم الترقية , حيث يكرسون كل جهدهم و طاقتهم للظفر بها  و احتكارها .
لكن , عندما يزداد مؤشر المنافسة  يبدأ انتقاد  بعضهم بعضا  مما ينذر بمناخ مشحون  يسوده الضغط و  التوتر .
 و إذا ما تأملنا بعض النماذج السلبية من هؤلاء  الزملاء , نلاحظ أنهم ينقسمون إلى أنواع متعددة و متناقضة أحيانا : فنجد فيهم  العنصري  الذي يتعصب إلى فئة معينة على أساس عرقي أو سياسي أو شخصي …. و تجد مدمنو النميمة و الغيبة الذين لا تتحقق نشوتهم إلا إذا تكهربت الأجواء و تعكرت و توترت . و قد تجد الزميل المغرور الذي يتعالى على الآخرين بكيفية غير مبررة ,قد يكون من ورائها إحساس بالنقص أو بالزيادة ,فلا يتردد في سرد روايات لتبجيل نفسه وإعطائها قيمة مضافة و حبك أخرى و همية لإبراز خبرته و براعته , بينما يقلل من إنجازات الآخرين و يعتبرها دون المستوى . و قد تجد الزميل المتدمر و الساخط على الوضعية  و الذي لا يكف عن السب  و الشتم و النقد و اللعن  فيجعلك ترى الحياة سوداء بل تفضل الموت على أن تستمر في هذه المهنة .و تجد الإمعة الذي لا يحدد موقف انتمائه  عن قناعة سليمة  بل يظل تابعا و مقلدا .و قد تجد متخصصو تثبيط العزائم  الذين يؤكدون لك أنك مهما حاولت فلن تفلح أبدا , فالنجاح هو حليف  أناس دون آخرين .و هناك المتنمرين الذين لا يكفون عن لوم الآخرين عن أخطائهم …  و قد تجد نوعا متناقضا يتلذد بمعاناتك  و محنك  و يقدم لك يد المساعدة في الوقت نفسه ……..
أما فيما يتعلق بالمديرين ,فقد تجد أنواعا سلبية عديدة :كالمدير المراوغ الذي يتلون كما شاء و يغير جلده كما يريد . و المدير المعرقل و المدير المتسلط و المدير المهمل  و المدير الذي يعتقد أن كل المدرسين كسالى  و غشاشين و يضيعون الوقت , ويحتاجون إلى رقابة شديدة. …….
 كل هذه الأنواع السلبية من الزملاء و المديرين و غيرها   تتطلب الكثير من  المرونة  ,و صقل مهارات التعامل  بغية تجنب الاصطدامات .
لكن قبل التسرع و  الشروع في انتقاد الآخرين و لومهم و الكشف عن عيوبهم , يبقى لزاما علينا أن نقف وقفة صريحة مع أنفسنا لتقييمها و نقدها و اكتشاف تناقضاتها  و مكامن الخلل و القوة فيها ,بهدف امتلاك الرؤية الجيدة و الواعية عنها , فالكثير منا لا يعرف حقيقة نفسه و لا يعرف من يكون  و لا يعرف كيف ينظر الآخر إليه . فمعرفة ظواهر النفس و الالمام بها تجعلنا نتحكم فيها و نتجاوزها بدلا من أن تتجاوزنا هي و تتحكم فينا .
إن المدرس المرن من هذا المنظور هو ذلك الشخص القادر على التصرف بطريقة إيجابية, تمكنه من القيام  بدوره بنجاح   وسط كل هذا التنوع . فهو يمتلك القدرة ليتعامل مع الواقع بالطريقة المناسبة ,فيقبله  أو يغيره أو يتحايل عليه  حسب ما يقتضيه الوضع . فهو يمتلك كفاية إعادة النظر في أفكاره و مواقفه  و قراراته  و نمط حياته , فيستطيع أن يرى الآخر و الوقائع من زوايا أخرى و بمناظير مغايرة تماما .
المدرس المرن ليس هو ذلك الشخص المنافق و المتلون , بل هو من يستطيع موازنة العقل بالعاطفة  و كذا العمل على  تحقيق التفاهم المشترك  و بناء التواصل الجيد  و القوي  و القدرة على الإبداع  و التخلص من التفكير المحدود و التكيف و الإنسجام مع التغيرات  و التقييم الصحيح……..
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق