الثلاثاء، يناير 26، 2016

بكِ أعتز وأفتخر أيها التدريس

نشر بتاريخ :


بكِ أعتز وأفتخر أيها التدريس

المصطفى سالمي

المصطفى سالمي

وقف المدير في قلب ساحة المؤسسة حاملا مظلة تحت المطر المنهمرة بقوة وجبروت. لم يكن أي من التلاميذ يجرؤ على الاقتراب من صنابير المياه في (السقّاية) وسط الساحة في وجوده. كان يرتدي بدلة رياضية وحذاء عدائي ألعاب القِوى. بينما كان المُدرّسون يُشرفون على دخول تلاميذهم للأقسام. بعض المدرسين كان حديث عهد بالانتقال من العالم القروي. كانت المُدرسة :"جميلة" في ماضيها الصعب تقطع المسافات الطوال للوصول إلى مقر عملها. وبعد نزولها من سيارة الأجرة كانت تُكمل الطريق مشيا على الأقدام لمدّة لا تقل عن الساعة من الزمن. كانت تتسمّع كل صوت، كل حركةٍ قد تصدر من طائر  أو جرذ أو سحليةٍ.. في الخلاء المتمدد الذي لا يريد أن ينتهي. أنفاسها تتلاحق إذا ظهر غريب من بعيد ، وتكاد أطرافها تُشل من الفزع من هول ما تسمعه من حكايات عن اصطياد المدرسات في الخلاء، ولكن ما الحيلة وهي تُعيل أسرتها بعد  موت أبويها. وتنتبه لنفسها فجأة على صوت الحارسين العامين: السيد "غريب" والسيد :"عبد السلام". ثم حمدت ربها على أنها اليوم تعمل بالوسط الحضري بعيدا عن الذكريات الموحشة.                    
جلس على مكتبه بعد أن أشرف على توزيع ملفات الغياب وتتبع حالات التغيب والتأخر.  لقد انتقل من بلدة: "مطران" هذه السنة. كان في السابق كالعديد من المدرسين والإداريين الذين كانوا يُفضلون تعب التنقل اليومي والمصاريف الإضافية على صُداع الاحتكاك بهذا الجيل من المراهقين والمراهقات، جيل من التمرد واللامبالاة. لكنْ هُنا أحس السيد عبد السلام كأنه ما زال يعمل بمؤسسة: "السلام" الإعدادية. فالوجوه متشابهة وسلوكيات التلاميذ متقاربة. حقا هناك أشكال زاهية وبعض الطيش أحيانا، واهتمام أكثر بالهواتف النقالة واللباس مقارنة بالعالم شبه القروي حيث كان يشتغل. لكن عناصر الحياء والانضباط والاجتهاد موجودة وحاضرة دائما. وهذا  سر استمرار الحياة، فالمعدن الصالح يصبح أحيانا عملة نادرة، ولكنه لا ينقطع من الوجود. ووجد السيد الحارس العام نفسه يُبدي الأسف على تأخره في الانتقال إلى هنا. هذه المؤسسة تعج بطاقم إداري كله تجارب ، وفريق تربوي لأساتذة أكفاء هم مزيج من الشباب والكهول الذين أمضوا سنوات من العمل الشاق المتعب، فخطّ الزمن على وجوههم آثار السنين والأعوام. البعض منهم  لا يُخفي تذمره من الشائعات التي تحوم حول تمديد سن التقاعد. حالة البعض تشبه وضعية عدائي الماراطون في مراحله النهائية، يبدأ البعض بانتظار خط الوصول ليرمي جثته المتهالكة المُتعبة من طول السباق، ثم يُفاجئه المنظمون في آخر لحظة  بأن السباق ما زال فيه بقية من كيلومترات. هكذا يحس هؤلاء الذين احترقت أعصابهم وخلاياهم الذهنية مع أجيال وأجيال.                      
في القاعة:8 جلس مدرّس العربية على مكتبه مُطالبا تلاميذه بالتذكير بمعطيات الحصة اللغوية السابقة، وارتفعت الأصابع الصغيرة من هنا وهناك. كانت أجواء الفصول الدراسية في الخارج تصل إلى مسامعه: كلمات بالإنجليزية على شكل إيقاعات متناغمة صاخبة ـ بفعل الترديد الجماعي ـ وأخرى تصريف في مادة الفرنسية..  الفصول الدراسية هنا  مُتقابلة متقاربة، ولذلك كان الصدى يُسمع بشكل قوي كأنما هي موجات صوتية تصطدم بالجدران فلا تجد مكانا تنصرف عبره، فتعود من حيث انطلقت.  انتهى المدرس من شرح الدرس ومناقشته وجلس  على كرسيه في زاوية القسم تاركا للتلاميذ فرصة تدوين المكتوب على اللوح.                                     
    بدأت الأمطار تنهمر بعنفوان أشد من السابق، يُسمع صوتها على الجدران والزجاج وعلى الأرض المبلطة بالإسمنت. تعود به ذاكرته إلى سنوات خلت قضاها بالجنوب المغربي ـ وبالذات في قلب مدينة بوجدور ـ حيث كان يشتاق ساعتها لرؤية طائر أو منظر العشب الأخضر..  وفجأة يستفيق من خيالاته على وقع جرس المؤسسة يعلن الخروج ويضع حدا لعالم السحر والمخيلة. يندفع التلاميذ نحو باب المؤسسة تحت الأمطار الغزيرة. قلة منهم تنتظره سيارة الأب، أو سيارة المبادرة الوطنية.. التي تنقلهم من وإلى قراهم النائية، والبقية إما يمتطون دراجاتهم الهوائية أو  يعتمدون على أقدم اختراع للتنقل وهو  المشي على القدمين.                         

أحس بفرحة طفولية غامرة وهو يتمشى تحت زخات المطر الذي يجلد الأرض لتعطي الخصب والنماء. كان يسير تحت مظلته التي تقيه وقع المطر المنسكب بسخاء من السماء. ما أسعده بتعاقب الفصول وتلونها بعد أن كان يعيش فصلا مداريا واحدا في مدينة بوجدور!  هنا فقط عرف لماذا  يتفاعل التلاميذ مع مدرسهم بشكل أكبر وأكبر، رغم  سيل الاتهامات الجاهزة من الجيل العتيق الذي عاش عوالم الهزائم والنكبات، جيل لم  يعش في حياته إلا عالم المكتوب وثقافة الحفظ والتلقين كما يراه الجيل الجديد. بينما الكبار يقولون عن الجيل الحالي : "إنهم فارغون تافهون بلا اهتمامات ولا انتماء.."، يتذكر تلك الأيام التي انتقل فيها لهذه المدينة الطيبة. لقد أحس أن أحاسيس جديدة تولدت فيه. تكبر فرحته وهو يجلس في قاعة الأساتذة في الساعة العاشرة صباحا أو الرابعة بعد الزوال.. هنا يُفرغ كل واحد حمولته من مشاكل وهموم، هنا تسمع كل جديد تربوي أو اجتماعي.. هنا تذوب الفوارق والانتماءات في جلسات حميمية مع زملاء وزميلات قضوا زهرة العمر  احتراقا بين فصول التدريس. وكل سنة أو  سنتين نحتفل بوجه آخر من المغادرين إلى عوالم التقاعد. لكن الذكريات المشتركة أكبر من أن ترمي الواحد من هؤلاء إلى عوالم النسيان. ففي المدرسة وحدها تصبح الأحداث الصغيرة منقوشة في الذاكرة ـ وقد شهد عليها عشرات الشهود الذين سيؤرخون لها ـ عكس باقي الوظائف والمهن. هنا فقط لا غير نتذكر أبسط الأحداث التي تنميها المخيلة، هنا إجابة مُضحكة وهناك سخافات بطعم الطرائف، هنا أسى ورسوب، وهناك تبرم وشكوى واحتراق أعصاب وتصحيح و....والحصيلة أجيال تكبر ،وورود تُزهر وأجسام تتغير معالمها. وأخرى تذبل وتشيب وتتقوس كالشموع المحترقة لهيبا لأداء مهمة مستحيلة في هذا الزمن الذي كاد فيه المعلم أن يكون رسولا،  حيث يصبح العلماء ورثة الأنبياء. لكل هذه الاعتبارات أعتز بك مؤسستي ، وأفتخر بك يا أنبل مهنة!  فما أروعك أيها التدريس !              
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق