الثلاثاء، يناير 12، 2016

إلى السيد رئيس الحكومة: الرقص يليق بك

نشر بتاريخ :
إلى السيد رئيس الحكومة: الرقص يليق بك ـ نورالدين الطويليع

نورالدين الطويليع
نور الدين الطويليع


 انتظرت رؤية دموعك منسابة تأثرا لمشهد الدماء المسالة من أجساد أساتذة الغد, توقعت رؤية علامات الحسرة والألم مرسومة على ملامحك، وأخاديد العبرات محفورة على وجنتيك اللتين لم تنس كعادتك منذ أن وضعوك على صهوة الحكومة أن تضع الطلاء عليهما لتخفي به غبش سنين شمس السنوات الخوالي اللافحة. قهقهت وطخطخت سيدي كأنك تزف للمغاربة فتحا مبينا غير عابئ بدموع شعب لم يستسغ تمريغ كرامة أبنائه في التراب, فعلت ذلك سيدي، ليس لأنك لا تعي القاعدة البلاغية "مراعاة مقتضى الحال" لتتظاهر بالحزن احتراما لمشاعرنا وأنفسنا المكلومة, ولكن لأنك, وقد أوشكت ولايتك على نهايتها, لم تخرج بعد من دائرة الاستغراب من الصفة التي منحوك إياها كما لو وضعوك في الفردوس الأعلى, لم تعد تشعر بأحد لأن بريق المنصب أعمى بصرك وأصم أذنيك ووضع على قلبك غشاوة، فلم تعد ترى أو تسمع أو تحس بأنيننا ونحيبنا ودموعنا الناطقة والصامتة, وحتى لو حاول نداء الضمير أن يتسلل إلى نفسك، ستضع أصابعك في أذنيك وتستغشي ثيابك وتصر إصرارا على غلق الباب في وجهه حتى لا يفسد عليك التملي باللحظة التي رمى بها لك القدر في خريف العمر, لتعوض بها السنوات العجاف التي لم تكن تحلم خلالها بتجاوز سقف 7000 درهم في الشهر, ولم تكن تتخيل أن يحيطوك بالحرس ذات اليمين وذات الشمال...
رميت خلفك،سيدي، عباءة الفقيه العلامة المحدث وارتديت سربال الراقص, لأن لكل مقام مقال, فحياة الظل والتقشف والحرمان تقتضي ارتداء جبة الزاهد في الدنيا الراغب عنها, المقلل من شأنها وشأن أصحابها, أما وقد تغير واقع الحال فلا بد من إدارة البوصلة ورمي هذه الجبة بعيدا, لأنها لم تعد تناسب المقام العلي الذي صيروك به من علية القوم, وأخرجوك من سجن المأساة, فنسيت ما وصيناك به بأن تذكرنا عند أربابك، وانشغلت عنا بعصر خمرتهم وتعتيقها، والثناء الجميل عليهم، وأنت الذي لم تكف لسانك عن قصفهم حينما كنت خارج الدائرة, نسيت, أو ربما تناسيت لأننا في عرفك جزء لا يتجزأ من ماضي مأساتك وحرمانك الذي ترى وجوب طي صفحته نهائيا حتى لا يفسد عليك حلاوة عيش الحاضر, وحتى لا يذكرك بما يجب أن ينسى. لك سيدي أن ترقص كما تشاء ويشاء لك الهوى, وأن تضحك بملء فيك, لأن أمرنا لم يعد يهمك, لكن وأنت تتلوى راقصا كنت أنتظر أن يصعقك وخز الضمير فتتوارى عن الأنظار خجلا من وضع الدمية المحنطة الذي رضيت به ولم تحرك ساكنا, ولم تبد عليك ذرة غضب واحدة بعدما تجاوزوك وأصدروا أوامرهم بتعنيف الأساتذة المتدربين, دون أن يكلفوا أنفسهم عناء إخبارك, فبالأحرى استشارتك, وتركوك في مجلسك الحكومي لا تدري من الأمر شيئا حتى وصلك الخبر مثلك مثل بقية المواطنين, كنت أنتظر أن تلطم خدك وتشق جيبك على هذه الإهانة البليغة التي لم تنل منك شيئا، مع الأسف الشديد، لأن إحساسك تبلد, ولم تعد تهمك نفسك, فبالأحرى مواطنو بلدك, وصار همك الوحيد هو التملي بسماع صفة رئيس الحكومة تلفظ قبل التفوه باسمك, ولا شيء يعنيك من قبل ومن بعد, لأنه وكما يقول المثل العربي:"لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها", أو كما يقول الشاعر النخوة أبو الطيب المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه،،،،ما لجرح بميت إيلام
 لقد لاق بك سيدي خطاب الواعظ في وقت من الأوقات, ولاق بك فعل الرقص الذي جعلت به من سبحتك التي كنت تداعب حبيباتها خاشعا، حبلا تلوح به متمايلا منتشيا جذلان, لكن لم يلق بك أن تكون سياسيا في مستوى تطلعات أبناء الوطن, وبما أن ما فات فات ولا يمكن العودة إليه, فلن يواتيك أن تعود لدائرة الوعظ, ومادمت قد فشلت في امتحان السياسة, فليس أمامك إلا خيار واحد هو أن تشتغل راقصا, وسيكون جميلا لو رقصت هذه المرة على أنغام "لا تشغل البال بماضي الزمان".

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق