الاثنين، ديسمبر 28، 2015

قصة:المرايا المـحــــدّ بــــة

نشر بتاريخ :

المرايا المـحــــدّ بــــة 

المرايا المـحــــدّ بــــة

عمر بوهاني 


انبسطت أما م بيتي ساحة صغيرة غشيت بغلاف اسمنتي كالح ، يقذي البصر بلونه الرمادي الباهت ، ويفترس كل النور الذي يقترب منه ، هممت عشرات المرّات بتجميلها فأقعدني جيبي وخذلتني جرايتي ، وكلما مررت بها سمعت صوتا ساخرا داخلي يقهقه عاليا : (أتحلم أن تغــيّر العالم وأنت عاجز عن تغيير محيط بيتك ، ما أجوف شعاراتك ) وصرت أشيح ببصري عن تلك الساحة وأعبرها بعيون تقارب الانغلاق حتى لا أحس بالعجز والنقمة ، ثم عقدت العزم أن أفرغ من الأمر ، فتدبّرت ، تقشفت مدة طويلة حتى بدا لي أني جمّعت من المال ما يفي بالغرض ورحت أبحث عن بنّاء وعامل لانجاز
المهمة وهي تبليط تلك الساحة وتجميلها ،و كلما خاطبت بنّاء عجل بالقول ( 45 دينارا و مساعدي 25 دينارا لليوم الواحد ، هذا شرطي ، و انظر ماذا ترى ) وتتصاعد في ذهني جداول الضرب والجمع والطرح ، يا الاهي هذه الساحة تتطلب أسبوعا أي أنها ستبتلع ما يبقى من جرايتي بعد اقتطاع القرض حتى قفز الى ذهني مخرج مأزق وقلت لم لا أكون أنا العامل فأخفّـــف من الكلفة؟ ، و ..............و ............... وكان لي ذلك.
حضر البناء ومعه أدواته ، سطل تراكمت عليه قشور الاسمنت حتى غابت مادته، ومدقة تآكلت أطرافها ، وقاطع صَدِئ 
استخرجها و رتّـــبها بعناية ، وسألني لباسا بديلا للباسه ، و غير ملا بسه بتوءدة مستفزة ، و أمرني بتجهيز الخلطة ، ثمّ وقف بجانبي وقد عقد يديه وراءه ، فرفعـت عيني أتامل هيأته فرأيته ضخم الرّاس ،مسترسل الشعر ، علقت بجدلاته ألوان من الغبار وأذنان مبسوطتان و عينان لحيمتان وأنف معــــقّــف و شفتان جافتان ، وذقن مذبب ، وانتبهت الى نفسي بصوته الجهوري الأجش يستنهض همتي ولما استقام الخليط ، سار أمامي الى الساحة واتخذ ناحيةو لما هم ببسط الخليط قلت : (عليك أن تبدأ من المحور حتى تحصل على تناظر في مشهد الجليز و يكون الجانب الايسر منه كأنه انعكاس للجانب الأيمن و لعمري ذلك أجمل و أزهى )، فأسرع بالقول : أنا أدرك ماذا أفعـل ، و لا أريد أحدا أن يعلمني مهنتي ، وان كنت تريد شيء فافعل ذلك بنفسك ) آلمتني غلظته وعاتبت نفسي  ألا تكف عن ادعاء العلم فلسفة ، وحشر أنفك فيما تجهل ) و انطويت مكتفيا بالطاعة وتنفيذ طلباته ، كان جاثيا على ركبتيه يداول بين البسط والدق ومن حين لآخر يسألني أن أتفقد الشاي ، فأصب له ، فيترشفه بصوت ممطوط يمزّق السمع ثم يتلمّظ ويطقطق بلسانه ويعود للعمل ولم يجد حرجا في ان يرفع عـــقيرته مغــــنّيا : 
والله ما يرْويني كـــاس الحياة بالذّلة ما يـرويني 
ميتين(200) درجة في العلا ما يْكيدوني 
ما يــــــــكـــــيدني كان الكلام الــدّوني 
حـــــبّك وسهر اللــــيل ما نجّــــمته 
لــــــزّوني على الدخّـــــان وتعــــلّمـــْــته
استــطْرفــــْت الأمر ، إذ وجدت في مطلع الأعنية شبها بينه وبين بيت لعنترة(لا تسقـني كأس الحياة بذلة .......بل فاسقني بالعـــزّ كأس الحنظل) ثم سخرت من نفسي لتحميلي أبيات من الشعر الشعـبي دلالات فوق قدرها و تساءلت ترى هل تدرك هذه الكتلة البشريّة ما تترنّم به ، واعترتني وحشة حين بدا لي أني اســـتبدلت وظيفتي وهي المكابدة من أجل تغيير العقول بمكابدة لتغيير أرضية ،وعزيت نفسي بقولة غاندي ( كن أنت التغيير الذي تريده للعالم ) وأخرجني من موج الخواطر نحنحة البناء الذي انبرى يقول : تـــعـْـرف ســــي عمر ........لقد عرضوا علي أن أشتغل أستاذا فرفضت )، أخذت الأمر من باب المزحة وعقبت ( زميل يعـــني ) فأردف : بالرّسمي نحكيلك ، ما نحبش نخدمها ها الخدمة ، فصفعـــني اصراره واحسست بدوار يطوّح بي وانعقد لساني و تاهت الكلمات عن فمي ، وانقلبت هيأته شيطانا بقــرنين يمسك مذراة ثلاثية الاسنان في لباس أرجواني يسحب ذيله وراءه ولما ثــٌـبت الى رشْدي و جدته ينفض الغبار عن لباسه و يتهيأ للعودة ولم يمض غير نصف اليوم ، وقبل أن يسمع اعتراضي قال ( العبرة بالانتاجية و ليس بعدد ساعات العمل / المهم الخدمة ماشية  .
في مساء ذلك اليوم اعتكفـــت في غرقـــــتي ، فما تلفظ به البنّاء لزم دخيلتي وظل يخزني في كل أطرافي ويثير ألاف الأسئلة المرّة في ذهني : ما الذي جعل بناء يتعملق حتى أصبح يتقــزّز من مهنة الأستاذ ؟ أي صورة يحملها هذا البنّاء عن نفسه وعن الأساتذة ؟ هل أصبح مجتمعنا يسير على رأسه ؟ألا يكون اتخاذي موضع العامل هو ما دفعه لاستصغار الأستاذ ؟ أيكون حال هذا البناء كحال الذئب مع التمر حين عجز عن بلوغه ؟
ألا يكون تواضع الأساتذة هو الذي خدعه في منزلته ؟ألا يكون هندامهم سبب انطباعه عنهم وعن المهنة ؟ 
أرقت تلك اللّيلة محموما ،أحاول أن أعثر على اجابة واضحة للأسئلة التي تتزاحم في ذهني ، وأقلب المسألة من كل وجوهها ، ولم يطلع الصباح الا وأنا كاره لنفسي ولما هو حولي ، وهوسٌ واحد يستولي عليّ : أريد أن أفهم علة انهيار منزلة الأستاذ وقبح صورته في عيون العامّة.....................................يتبع
نواصل البقية في المرة القادمة 

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق