الثلاثاء، ديسمبر 08، 2015

كان يا مكان

نشر بتاريخ :

كان يا مكان 


كنت أدرس بالأولى ثانوي إعدادي عندما قررت خوض غمار السفر ، ما إن انتهى الموسم الدراسي حتى جمعت مبلغ النقل . سافرت إلى مراكش في ضيافة  أسرة صغيرة تقطن بنواحي المدينة الحمراء حيث تتواجد الضيعات الزراعية . كان العالم يبدو  كبيرا جدا  أمام طفل مراهق تجاوز عمره بسنين.  استقبلتني خالتي بفرح واعتبرتني طفلا من أطفالها . مر يومان على وصولي  ، طلبت من زوج خالتي أن يبحث لي عن عمل في إحدى الضيعات وبدأت أعد الأيام وكل يوم مضى يساوي ناقص أجرة يوم . لم يتقبل الفكرة لكن كنت مصرا على العمل . خرجت في اليوم الموالي مع بعض الصديقات تعرفت عليهن في الدوار للبحث سويا عن شغل ، قطعنا مسافات عدة ، لعبنا في الطريق وتبادلنا أطراف الحديث  زرنا ضيعات زراعية لكبار الملاكين وعند الظهر عدنا متعبين إلى منازلنا.
الأيام تمضي ولا بد أن أبحث عن عمل، خرجت مرة أخرى مع ابن خالتي الذي يبلغ من العمر أنذاك خمس سنوات وتوجهنا صوب أقرب ضيعة زراعية من المنزل . قدام باب الضيعة، وجدنا سيدة على متن سيارة رباعية الدفع ، ترتدي نظارات سوداء فتوجهت نحوها بتردد:

السلام عليكم عافاك الله يرحم الوالدين كاينة شي خدمة .
نظرت إلي بعمق وقالت :
خذ هاذ الدرهم وسير تقرا اولدي .
أخذه ابن خالتي بدلا مني وعدنا أدراجنا إلي البيت .
بعد أسبوع ، تلقيت خبرا سارا من زوج خالتي ، أخبرني بأنه وجد لي عملا معه في الضيعة التي يعمل فيها منذ مدة . 
ذاك ما حدث استيقظت باكرا ، حزمت أمتعتي ، تناولنا الفطور ، أخرج زوج خالتي دراجته الهوائية ركبت بجانبه وانطلقنا على وقع صياح الديكة ونباح الكلاب .
فور وصولنا غيرنا ملابسنا وتوجهنا صوب مساحة مبلطة تطل على السماء . أعطاني زوج خالتي معولا ،أمسكته بيدي وتنبهت إلى أنه يقربني طولا و وزنا ، وأمرني أن أقوم بما سيقوم به... ظلت عيناي ترقبه ، أخد المعول حمله حتى علا في السماء ، وجهه نحو عود من قصب ثم نزل به على  رأس ذلك العود حتى انقسم إلى جزئين ، بدوري رفعت المعول  شيئا فشيئا كان زوج خالتي ورائي .  التفت كي يرى ما سأفعل وفي تلك اللحظة اصطدم رأسه بالآلة العجيبة التي رفعت ، ألمته فصاح- أح أي الدم ... ذهبت بسرعة لأحضر له الماء لينظف الجرح، في مكان غير بعيد عن مكان الحادث، وفي طريقي صادفت امرأة ترتدي ملابس بالية ، لا يظهر من وجهها سوى عينان حمراوان ، كنت أحدق فيها وهي تمر بجانبي كسلحفاة ملت اليابسة تبحث عن بركة ماء كي تتبرد. ظلت عيناي ملتصقتين بها حتى سقط جسمي النحيف داخل حفرة عمقها يفوق طولي بأمتار عديدة. لم تنتبه المرأة إلي ، ربما كانت منشغلة بأبنائها ، ومصاريف المدرسة وفاتورات الماء والكهرباء و هزالة أجرتها اليومية ، فقد سبق أن أخبرني زوج خالتي أن النساء في الضيعة يتقاضون أجورا هزيلة مثلهن مثل الأطفال . بقيت في الحفرة و سعدت كثيرا بتلك الحادثة ، لكن في المقابل حزنت كثيرا لحال زوج خالتي الذي ظل ينتظر الماء كمن ينتظر كودو ,ليضمد جراحه. سعدت اكثر لأني حظيت مصادفة بفرصة الإفلات من حر الشمس الحارقة ، شمس غشت بمراكش . ظل جسمي النحيف هناك وبدأ الجوع يتسرب إلى بطني شيئا فشيئا حتى استطاع النوم أن يأخذني إليه. حلمت بأنني تعرفت على فتاة جميلة ، قالت لي أنها ابنة مالك الضيعة التي أعمل بها. قرأت عليها ما حفظت من قصائد شعرية عن ظهر قلب كان مما قلت لها قول الشاعر بثينة : 
هل الحاتم العطشان مسقى بماء== من المزن تروي ما به فتريح
 وياللعجب كانت تحفظ كذلك هذا البيت فقالت :
 فقالت نخشى إن سقيناك شربة== تخبر أعدائي بها فتبوح.
 قضيت ساعات طويلة معها حتى بدأ الفوار يخرج من جسمينا، فاقتربت نحوها أكثر فأكثر ، شفتاي في اتجاه فاهها ، ما إن اقترب المشهد الغرامي أن يكتمل حتى استيقظت على وقع سطل ماء صب علي من عل، صرخت بأعلى صوت واختلط الصراخ بالبكاء : و ا واميي!! . وفي تمام الثانية عشرة مر زوج خالتي بجانب الحفرة فسمع صدى صوتي ، أطل علي بشفقة ، حادث الحفرة أنساه حادث المعول ، مدني بحبل ، أحكمت قبضتي عليه وأخذ يجر حتى اقتربت من الصعود فإذا بالحبل يحدث صوتا عجيبا ارتد صداه في قاع الحفرة محدثا مقطوعة موسيقية مرتجلة. تقطع الحبل ولحسن حظي جسمي نحيف وخفيف سقطت كعصفور دون كسور...
أحمد الغازي
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق