الأربعاء، نوفمبر 11، 2015

الإمام الماوردي و التربية

نشر بتاريخ :
الإمام الماوردي و التربية 
الإمام الماوردي و التربية

ذ . احسايني
بسم الله الرحمان الرحيم
قال الإمام الماوردي : " أم الشروط التي يتوفر بها علم الطالب ، وينتهي معها كمال الراغب، مع ما يلاحظ به من التوفيق، ويمتد به من المعونة  ، فتسعة شروط ؛ الأول: العقل الذي يدرك به حقائق الأمور، الثاني: الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم ،الثالث: الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره ، وفهم ما علمه ، الرابع: الشهوة التي يدوم بها الطلب ، ولا يسرع إليها الملل، الخامس: الاكتفاء بمادة تغنيه عن كلف الطلب، السادس: الفراغ الذي يكون معه التوفر، ويحصل به الاستكثار، السابع: عدم القواطع المذهلة من هموم وأشغال وأمراض، الثامن: طول العمر، واتساع المدة، لينتهي بالاستكثار إلى مراتب الكمال ، التاسع:الظفر بعالم سمح بعلمه ،متأن في تعلمه. فإذا استكمل هذه الشروط التسعة فهو أسعد طالب وأنجح متعلم "
              من كتاب: أدب الدنيا والدين ،ص  111/112

يحيلنا نص الامام حبيب البصري الماوردي المتوفى سنة 450هـ، الذي تحدث في كتابه اداب الدنيا و الدين عموما عن سبل اصلاح الدين و انتظام الحياة ، لتصح العبادة و تحصل السعادة ، و قسمه الى خمسة ابواب ؛ باب خاص  بالعقل وذم الهوى ، و باب بخاص بآداب العلم ، و باب خاص بآداب الدين ، و باب خاص  بآداب الدنيا ، و باب خاص بآداب النفس.
فجرد في كتابه من اقوال الفقهاء ما يعينه على بغيته ،و اختار من حكم الادباء ما يعضد مذهبه  و يسمي رأيه , فجعل عظم الوسيلة مأخوذة من عظمة النتيجة ، و تحقيق عظيم نتيجة متوقفة على جهد الجاهد و رغبة الراغب و سلامتها من العوارض المرغوب عنها .
فأحالنا النص على طرح اشكالية  كبرى و جوهرية في مجال علم التدريس مفادها :
·       كيف يحصل التعلم ؟ او كيف يتعلم المتعلم ؟
·       اللجوانب المكونة لشخصية المتعلم الاجتماعية، و السيكولوجية ،و البيولوجيا ،اثر على مستوى التعلمات ،  سواء في جودته ام ضعفه ؟ ام ان ذلك كله راجع للمعلم فقط ؟
يعتبر التعليم كدعامة اساسية في العملية التعليمية التعلمية ، اذ هو عملية مقصودة تتطلب نشاط تبادليا يتفاعل فيها المعلم مع الطلبة ، لهدف  مساعدتهم على التعلم و تغيير سلوكهم .
وقد نص الامام الماوردي رحمه الله تعالى ، في نصه اعلاه  في معرض حديثه عن اداب العلم في كتابه ، على عوامل جعلها  اسس تعلم المتعلم ، واجملها في تسعة عوامل تتنوع على حسب عناصر العملية التعليمية التعلمية الى ما هو خاص بالمنهاج ؛ التدرج في التدريس : وذلك بقوله في الشرط الثامن " لينتهي بالاستكثار الى مراتب الكمال"، فأوحى لنا لفظ مراتب الى ضرورة التدرج في التعليم من السهل الى الصعب وهذا يستدعي عدة امور الانتقال من المحسوس الى المعدوم  ، ومن الجزء الى الكل ، ليصل الى الكمال المبتغى ، وهو ما يصطلح عليه الان في علم التدريس  بالنقل الديداكتيكي .
ملاءمة التعلمات لقدرات المتعلمين في تنصيصه على الشهوة في الشرط الرابع ، اذ بملاءمة المادة لميولات المتعلمين تتولد لديهم الرغبة و الدافعية نحو التعلم و المثابرة و الاستمرارية ، و كلما كانت المادة فوق طاقتهم و قدراتهم العقلية ، الا و تولد لديهم الملل و تكونت لدبهم عقد نفسية تجاه تلك المادة .
ومنها ما هو مرتبط بالركنين الاساسيين للعملية التعليمية التعلمية ؛ المعلم و المتعلم، فراعى للمعلم و المتعلم حاجياتهما المادية ، فعلق الاكتفاء بما يغنيهما عن كلف الطلب ، لكي لا يتكلفا عناء المعاش ، و مشاق طلبه ، و افراد سبيلا لكسبه ، فيكون التعليم و التعلم مسلك كسبه و سبب اكتفائهما ، و غاية التفرغ له .
و راعى الجانب السلوكي للمعلم ، و لما لسلوك المعلم من اثر نفسي على المتعلم ، فكان ظفر المتعلم بمعلم سمح بعلمه ، حليم في تعامله ؛ لمن ركائز الاستقرار النفسي للمتعلم و ذلك في شرطه التاسع .
ثم راعى للمتعلم عدة جوانب بيولوجية و سيكولوجية ، حيث صدر نصه بما هو نقطة تشريف و تكليف ، و اداة تعلم  و تعليم ،  و سيلة تقوى و تنمو بالاستعمال ، و تضعف و تحفى بالوهن و الكسل ، فجعلها مرقاة السمو في العلوم و اداة الاكتساب و الاستعاب ، فقسمه في كتابه اداب الدنيا و الدين الى عقل غريزي ومكتسب ، فكان الاول ما جعل الانسان انسانا و الحيوان حيونا ، و كان الثاني من جعل العالم عالما و الجاهل جاهلا ،ثم ثنى بمجهر العلوم وكاشفت الغموض و هاتكة الحجب عن المضمر وهي الفطنة ، ليثلث باداة جوهرية تعين المتعلم على قدرة التكيف مع مختلف الوضعيات المستجدة و المستحدثة في حياته وهي الذكاء ، ثم ضمن نصه ما يضمن اسمرارية حصول التعلم ويدفع الكلل و الملل ، و يبعث لدى المتعلمين الحيوية و النشاط الذي يدفع بهم الى الجد و المثابرة لاكتساب التعلمات  ، والفراغ وعدم شغل المتعلم بغير التعلم ، و السلامة من العوارض  البيولوجية  كالأمراض و غيرها ، و السيكولوجية كالهموم .
ويمكن تقسيم هذه الشروط و العناصر الى ثلاث وحدات كبرى :
·       الوحد السيكولوجية : و فيها العقل ،و الفطنة، و الذكاء ،و الشهوة.
·       الوحدة الاجتماعية : و فيها الاكتفاء، و الفراغ .
·       الوحدة التربوية و البيداغوجية : و فيها اتساع المدة ، و الظفر  بمعلم سمح .
وهي شروط لم يكن الامام الماوردي رحمه الله الوحيد من تفطن اليها من علمائنا المسلمين ، بل نجد معظم المفكرين التربويين المسلمين قد اشاروا الى بعض هذه العناصر ، فهذا الامام الزرنوجي يشير الى ضرورة التركيز على لذة العلم التي هي من دواعي تحصيله ، وهذا الامام القابسي رحمه الله - 403- يشير الى ضرورة التفرغ للتعلم و عدم الانصراف الى غيره ، و الرفق بالمتعلمين ، و على المعلم ان يكون هاشا باشا في تعليمه  و ان اظهر الغضب على المقصر، وهو عينه ما دعى اليه الامام الغزالي رحمه الله – 505-  الشفق على المتعلمين و الا ينتقل من فن الى فن حتى يتقن الفن الاول ، وهذا ابن خلدون رحمه الله -808- يجعل التدرج في التدريس للوصول الى الكمال من الوسائل المعينة على ذلك الى غير ذلك من اراء اعلام التربية في الفكر التربوي الاسلامي .
ان كان هذا ما نادى به الامام الموردي في القرن الرابع الهجري في مجال التربية ، و اعتمده في تربيته للناشئة ، و في تعليمه  ، ونادى بمراعاته في التعلم ،  وهو عينه ما سيتبين لبعض المدارس الحديثة في  علم النفس التربوي ، و ستتلهث اليه مدارسنا لتطبيقه مع ان علماءنا قد اصلوا له منذ قرون ، فالى أي حد يتم مراعاة هذه العناصر في مدارسنا الحالية ؟
اليس ما نادى به امامنا رحمه الله  في القرن الرابع الهجري ، هو عينه ما تمخض عن مدارس علم النفس التربوي حديثا ؟ 

اذا كانت المقاربة بالكفايات جاءت لتعتبر المتعلم هو محور العملية التعليمية التعلمية ، اليس هو عينه ما توحيه الينا هاته العناصر المتضمنة في النص ؟ اليست جل عناصره متعلقة بالمتعلم لا المعلم ؟ 
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق