الثلاثاء، سبتمبر 15، 2015

نص المداخلة التي ألقاها السيد عمر عزيمان، رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي

نشر بتاريخ :

 نص المداخلة التي ألقاها السيد عمر عزيمان، رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي




كلمة السيد عمر عزيمان
رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي

في تقديم الرؤية الاستراتيجية للإصلاح
"من أجل مدرسة الإنصاف والجودة
 والارتقاء الفردي والمجتمعي"
2015-2030
ملتقى وكالة المغرب العربي للإنباء
الثلاثاء 15 شتنبر 2015



I.                        مسلسل تحضير الرؤية الاستراتيجية:
دون الرجوع إلى محطات تاريخية بعيدة، يمكن اعتبار أن الانطلاقة المباشرة  لمسلسل إعداد الرؤية الاستراتيجية بدأت في 20 غشت 2013، حين دق جلالة الملك ناقوس الخطر، في خطابه السامي، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب لسنة 2013، وذلك، بسبب التراجع الذي ما فتئ ينخر المنظومة التربوية.
 وفي ارتباط بذلك، قرر جلالته إعادة تفعيل المجلس الأعلى للتعليم.
في ضوء ذلك، وإثر تعييني كرئيس منتدب جديد للمجلس، حددت منذ البداية ثلاث أولويات يتعين إنجازها في أقل من سنة:
§        أولا، إعادة تفعيل الأجهزة التقنية للمجلس، التي تضاءل نشاطها بعد وفاة السيد عبد العزيز مزيان بلفقيه، رحمه الله، الرئيس المنتدب السابق للمجلس الأعلى للتعليم، الأمر الذي أدى إلى تعثر العمل لمدة 3 سنوات؛
§        ثانيا، مواكبة سيرورة إعداد القانون الجديد المتعلق بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المنصوص عليه في دستور 2011؛
§        ثالثا، إنجاز الأعمال التحضيرية اللازمة لاشتغال المجلس الجديد، على نحو يجعله قادرا على الانكباب على موضوع إصلاح المنظومة التربوية، فور تنصيبه، ولاسيما:
ü      تنظيم استشارات موسعة واستماعات متنوعة حول حالة المنظومة التربوية، واستشراف آفاقها المستقبلية؛
ü      العمل على إعداد تقرير تقييمي حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين بين 2000 و2013، من قبل الهيئة الوطنية للتقييم؛
ü      الشروع في إعداد قواعد ومساطر تنظيم المجلس الجديد وسيره مع عرضها على أول دورة للجمعية العامة للمجلس قصد المصادقة (النظام الداخلي للمجلس؛ انتخاب أعضاء المكتب واللجان الدائمة...).
 وقد تم إنجاز هذه المهام الثلاثة في الآجال المحددة، مما مكن المجلس، بعد صدور القانون الجديد المنظم له في ماي 2014، وعقب تنصيبه من قبل جلالة الملك في يوليوز من نفس السنة، من مباشرة عمله والانكباب منذ البداية على موضوع الإصلاح.
ومباشرة بعد انطلاق العمل، جاء الخطاب الملكي السامي في افتتاح الدورة التشريعية لأكتوبر 2014، ليشدد على الأولوية القصوى للتفكير المعمق في الإصلاح وليحدد مهمة المجلس في إعداد استراتيجية وخارطة طريق لإصلاح المنظومة التربوية.
ومن أجل الإنجاز الأمثل لهذه المهمة، اعتمد المجلس مقاربة تشاركية موسعة، مكنته من الانفتاح المثمر على جميع مكونات المجتمع. كما اعتمد على المستوى الداخلي، نهج الاجتهاد الجماعي في كافة مراحل إعداد الرؤية الاستراتيجية. 
ولقد أنجز المجلس هذا العمل، في حرص تام على الالتزام بمهامه بوصفه مؤسسة مستقلة للتفكير الاستراتيجي، وفي احترام لاختصاصات القطاعات الحكومية المكلفة بالتربية والتكوين والبحث العلمي، باعتبارها الجهة الوحيدة المخول لها تدبير السياسات العمومية في ميادين التربية والتكوين والبحث العلمي، والتي يشرف عليها وزراء هم أعضاء في المجلس، حيث كانت لهم مساهمة فعالة ومتميزة في أشغاله.
أفضت هذه الجهود الجماعية، بعد أخد ورد، وتفاعلات متواترة بين مختلف هيئات المجلس، وكتتويج لدينامية مثمرة من الإنضاج الجماعي، إلى اعتماد الرؤية الاستراتيجية للإصلاح في منتصف شهر ماي 2015، وتقديمها في استقبال رسمي أمام جلالة الملك في 20 ماي من نفس السنة.
    II.            فكرة عامة عن مضامين الرؤية الاستراتيجية
 تتضمن الرؤية الاستراتيجية 23 رافعة كبرى للتغيير، تتوخى إرساء مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص (8 رافعات)؛ بناء مدرسة الجودة للجميع (7 رافعات) وإقامة مدرسة التفتح الفردي والارتقاء المجتمعي (6 رافعات). أما الرافعتان الأخيرتان، فتهمان منهجية تدبير التغيير.
أ- إن تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص، يتطلب، على الخصوص:
§          جعل التعليم الأولي إلزاميا للدولة والأسر، ودمجه التدريجي في سلك الابتدائي، مع العمل على تعميمه في أقرب الآجال؛
§          تخويل التمدرس بالأوساط القروية وشبه الحضرية، والمناطق ذات الخصاص، تمييزاً إيجابيا، لاستدراك جوانب النقص والتعثر التي تعاني منها هذه المناطق؛
§          تأمين الحق في ولوج التربية والتعليم والتكوين لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة أو في وضعيات خاصة؛
§          تعزيز إسهام التعليم الخصوصي في مجهود التعميم المنصف للتعليم؛
§          توفير البنايات المدرسية والتأطير اللازم والتجهيزات المادية والديداكتيكية الضرورية لتعليم جيد؛
§          تعزيز برامج الدعم التربوي والمادي والاجتماعي لفائدة المتعلمين الذين هم في حاجة إلى هذه البرامج؛
§          بذل أقصى الجهود لضمان المواظبة واستدامة التعلم، والتصدي لكل أنواع الهدر والانقطاع والتكرار.
ب- أما تحقيق مدرسة الجودة، فيمر عبر إصلاحات متعددة، من أهمها:
§          إعادة النظر في مهن التربية والتكوين، على مستويات شروط الولوج والتكوين واكتساب الكفايات الكفيلة بضمان جودة التعلمات؛
§          إصلاح النموذج البيداغوجي بمراجعة البرامج والمناهج والطرائق، واعتماد هندسة لغوية جديدة، والنهوض بأدوار التكوين المهني، في التشغيل والتنمية الاقتصادية، وتعزيز موقع الجامعة كقاطرة للبحث والابتكار والتنمية. وستكون لنا عودة لهذا الموضوع في اللقاء الموالي.
ج – وأخيرا، يستدعي بناء مدرسة الارتقاء الفردي والمجتمعي، بالخصوص، تعزيز انتمائنا المشترك وترسيخ هويتنا المتعددة بمكوناتها وروافدها، والتشبع بروح المواطنة والقيم الدينية والممارسة الديمقراطية في انفتاح على القيم الكونية.
§          رافعة أخرى للتجديد، تتعلق بملاءمة التكوينات مع متطلبات الاقتصاد، ومع التطور الذي تعرفه المهن في تفاعل مع المهن الجديدة، والدولية والمستقبلية، وذلك من أجل ضمان أفضل الفرص للخريجين قصد تيسير اندماجهم في المجتمع، ومشاركتهم في التنمية، ومن ثم، نجاحهم الفردي والمهني؛
§          أخيرا، من بين الرافعات التي تستدعي التفعيل، تلك المتعلقة بتكثيف استعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال، وتنمية الترابط بين البحث والابتكار والتنمية، ومشاركة النسيج الاقتصادي في هذه الدينامية، التي ستسهم، بتضافر عوامل أخرى، في الارتقاء بالاقتصاد الوطني إلى مصاف الاقتصاديات الصاعدة، وتيسير ولوج بلادنا مجتمع المعرفة.    
  III.            ما بعد تقديم الرؤية: أين نحن من بداية التفعيل؟
ما الذي جرى منذ اعتماد الرؤية الاستراتيجية وتقديمها إلى جلالة الملك، إلى غاية اليوم، وأية آفاق منتظرة؟
بعد تقديم الرؤية الاستراتيجية أمام جلالة الملك، خلال الاستقبال الرسمي ليوم 20 ماي 2015، حدثت ثلاثة مستجدات وازنة:
أولها: الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش الأخير، الذي شدد على الإصلاح العميق لهذا القطاع الحيوي، مؤكدا أنه غير قابل للتأجيل.
كما جاء هذا الخطاب السامي مكرسا للخيارات الكبرى للرؤية الاستراتيجية وتوجهاتها وغاياتها، معززا ذلك بالحسم في الجدالات المرتبطة بالإشكاليات المتعلقة بمكانة اللغات الأجنبية، في علاقتها بالهوية الوطنية، وبالأفكار المسبقة الملصقة بالتكوين المهني، معتبرا أن تفعيل الإصلاح يمر بالضرورة عبر تملك هذه الرؤية، بعيدا عن المواقف الإيديولوجية ، ومن خلال تعبئة الجميع من أجل تفعيلها، ولاسيما باعتماد قانون-إطار، كفيل بضمان استدامة الإصلاح على المدى الطويل.
الحدث الثاني يتمثل في الاستجابة الآنية والتفاعل السريع للحكومة، ولاسيما القطاعات الوزارية المكلفة بالتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي، التي شرعت في الاشتغال على أولى مراحل تفعيل الرؤية الاستراتيجية، وعلى كيفية تصريف توصيات المجلس في مخططات عمل وبرامج إجرائية.
وأغتنم فرصة هذا اللقاء، لكي أنوه بالاستجابة الفورية للوزارتين، اللتين نجحتا، بالرغم من ظروف العطلة الصيفية والاستعداد للدخول المدرسي والجامعي، في القيام بتحليل دقيق لمضمون وتفاصيل الرؤية واختيار التدابير الضرورية لإعطاء الانطلاقة لبداية عمليات التفعيل.  
أما الحدث الثالث، فيتعلق بانعقاد اجتماع اللجنة التوجيهية للتعاون بين القطاعات المكلفة بالتربية والتكوين والبحث العلمي، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي يوم 11 شتنبر الأخير. وهو الاجتماع الذي تقرر خلاله تنظيم لقاءات جهوية على امتداد شهر نونبر المقبل، من أجل تقديم الرؤية وتوضيح مضامينها وفي نفس الوقت بهدف تقديم المخططات الأولية لتفعيل الرؤية كما بلورتها الوزارات المعنية. هذه الخطوة، التي تندرج في إطار المقاربة التشاركية، تتوخى الإخبار والتوضيح والتحسيس، كما تتوخى توفير الشروط اللازمة للتعبئة المستديمة من أجل إنجاح الإصلاح.
حضرات السيدات والسادة،
لقد أضحت معادلة التعليم مطروحة اليوم بوضوح تام:
§        في حالة ما إذا استمر الأمر على ما هو عليه، وافترضنا أننا لم نقم بأي شيء، أو إذا اكتفينا باتخاذ بعض الإجراءات الجزئية وغير المؤسَّسَة، فإننا سنصطدم، لا محالة، بتفاقم الأزمة؛ ذلك أننا سنشهد، لا قدر الله:
-            أولا، تفاقما حتميا لظاهرة الهدر والانقطاع الدراسي والأمية والجهل، ومن ثم جميع المشاكل السياسية والاجتماعية الخطيرة التي تنجم عن ذلك، والتراجعات الحتمية عن المكتسبات الوطنية التي تواكب ذلك؛
-            ثانيا، تدهورا أكيدا في جودة التكوينات وما سينتج عنه من انعكاسات على الاقتصاد الوطني، وعلى أداء الإدارة، وكذا على التنمية السوسيو اقتصادية والثقافية؛
-            ثالثا، تعاظما للتهديدات التي تفضي إليها مثل هذه الاختلالات كالبطالة والفقر والتهميش وانعكاس هاته الآفات على التماسك والاستقرار الاجتماعيين.
§        تفاديا لهذا السيناريو الكارثي، لم يكن أمامنا بالقطع سوى خيار وحيد، يتمثل في مضاعفة العمل وبدل أقصى الجهود من أجل وقف نزيف التدهور، والتصدي للإحباط، ورفع هذا التحدي الكبير الهادف إلى تأهيل المدرسة المغربية. هذا الإصلاح الذي يظل مفتاح الانفتاح والارتقاء الاجتماعي، وضمانة لتحصين الفرد والمجتمع من آفة الفقر والجهل، ومن نزوعات التطرف والانغلاق.
 وأعتقد جازما أننا نتوفر اليوم على حظوظ كبيرة ومواتية ومحفزة للنجاح في هذا الطريق وهي بالأساس :
-            في الصف الأول، الإرادة الحازمة لجلالة الملك، الذي يجعل من إصلاح المنظومة التربوية أولوية وطنية، ومحط انشغال عميق لشخص جلالته؛
-            وفي المقام الثاني، إجماع الأمة المغربية على ضرورة وإلحاحية الإصلاح السريع للمدرسة، وذلك من منطلق أن جميع المغربيات والمغاربة يعانون الكثير من الألم. والحسرة بسبب الوضع الذي آل إليه حال مدرستهم، مما يجعلهم يتطلعون بأمل كبير إلى إعادة تأهيلها والارتقاء بها؛
-            أما في المقام الثالث، فهناك التعاون الجيد والمثمر الذي يميز علاقة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي مع الحكومة والقطاعات الوزارية المكلفة بالتربية والتكوين، في احترام متبادل للوضع الدستوري والاختصاصات المخولة لكل طرف. ومن شأن هذا التعاون والتفاهم أن يدفع تفعيل الإصلاح بوتيرة عالية.
تلكم حضرات السيدات والسادة بعض المعطيات والأفكار التي أردت تقاسمها معكم، داعيا الجميع إلى الانخراط الجماعي والمستديم في هذا الورش الكبير والمصيري بالنسبة لبلادنا، ومعبرا لكم عن كامل الاستعداد لإغناء الحوار معكم وللتجاوب البناء مع مختلف تساؤلاتكم."

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق