الخميس، أغسطس 06، 2015

التواصل الديداكتيكي

نشر بتاريخ :
التواصل الديداكتيكي
التواصل الديداكتيكي

مقدمة: 

إن العملية التعليمية عملية تواصلية في الأصل، و من ثم فهي تخضع لمجموعة من المحددات التي تخضع لها أية عملية تواصلية أخرى. لكن هذا لا يمنع من أن بعض مميزاتها تجعل من التواصل فيها ظاهرة تختلف في بعض جوانبها عما يمكن ملاحظته
في مجالات أخرى. فما طبيعة هذا التواصل الذي يصطلح عليه البعض بالتواصل الديداكتيكي، و ما هي بعض أشكاله؟ و كيف يؤثر نوع التواصل المعتمد في الفعل التربوي؟ و كيف تساهم مختلف مكونات العملية التعليمية الذاتية و الموضوعية في تحسين المر دودية؟ تلك هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها في التحليل التالي:
1- إن التواصل الديداكتيكي هو ذلك التواصل الذي تتم أساسا من خلاله العملية التعليمية ــ التعلمية، هذه العملية تتأسس في عمومها على ركائز أو مكونات ضرورية تتجسد في المدرس و المتمدرس و المنهاج التعليمي. و بحكم أن عملية التواصل عملية دينامية وجدلية، فإن المدرس و المتمدرس يتناوبان على لعب دوري المرسل و المستقبل و ذلك بشكل تفاعلي، و يبقى المنهاج ذلك المكون الذي يضم المضمون ( الإرسالية) و القناة التي عبرها يتم تبادل الرسائل. و هكذا يكون التواصل الديداكتيكي ذلك الميكانيزم الذي يتم عبره التفاعل بين المدرس و المتمدرسين بغية الوصول إلى أهداف تتحدد قبلا: و يتضمن هذا الميكانيزم حمولة معرفية أي مضمونا هو مجموع الدلالات و المعاني و الخبرات و الإعلامات التي يود أحد الطرفين المتواصلين إيصالها إلى الآخر، كما يتضمن « وعاء» سيكولوجيا هو مجموع الشحنات الوجدانية و المواقف و الاتجاهات و الإحساسات التي تصاحب إرسال الرسالة و استقبالها. و يتفاعل هذان الوجهان و يؤثر بعضهما في البعض. فالخبرة التي يود المدرس نقلها إلى التلاميذ قد يتأثر وصولها إليهم بحسب موقفهم منه، و اتجاهاتهم نحو العملية التعليمية و ميولهم إلى المادة، و كذلك بتصوراتهم حول موقف المدرس منهم و علاقته الوجدانية بهم و العكس صحيح.
و لا يقتصر التواصل الديداكتيكي على مجال المعرفة، بل يشمل أيضا مجالات الشخصية الأخرى، كأن يتمحور حول تشكيل قناعات و قيم أو تشكيل مهارات و كفاءات جسمية. و تبقى ضرورة الإشارة إلى أن مفهوم التواصل يستلزم بالضرورة وجود تغذية راجعة قد يستفاد منها بدرجات تتفاوت من حيث الوظيفة بحسب درجة الوعي بأهميتها و تلعب هده الاستفادة دورا مهما في تصحيح سيرورة التواصل و تقويم اعوجاجه و تفادي سوء الفهم و التفاعل و الابتعاد عن حوار الصم.
غير أن التواصل الديداكتيكي ليس نوعا واحدا، فبالإضافة إلى ما تمت الإشارة إليه أعلاه من تنوع من حيث موضوع التواصل (المعرفة، القيم، المهارات)، نلاحظ أنهدا التواصل آليات، فيعتمد على شروحه و إيماءاته و حركاته أو صمته، و قد يكون غير مباشر تستخدم فيه بعض الأجهزة تمرر عبرها الإرساليات.
كما أن التواصل ضمن جماعة الصف يمكن أن يكون لفظيا أو غير لفظي؛ و قد طرحت في هدا الباب مجموعة من الأبحاث حول دور جسم المدرس و كيفية توظيفه في التواصل التربوي، كما برزت مجموعة من الدراسات حول وظيفة لغة المدرس و طبيعة التواصل اللفظي، من ذلك مثلا ما قدمت فلاندز flandes في هدا الباب.
و من منظور آخر نستطيع أن نميز بين ثلاثة نماذج من التواصل الديداكتيكي، هي التواصل العمودي السائد في الطريقة التقليدية حيث يكون المدرس في الغالب مرسلا و التلميذ مستقبلا و العلاقة بينهما علاقة تراتبية عمودية تجسد التصورات التي يحملها كل طرف عن الآخر و مواقفه منه و إدراكا ته بموقع ذاته و موقع الآخر؛ ثم هناك التواصل الفعال المرتكز على الفرد و الذي يبرز ضمن الطرائق الفعالة المرتكزة على آلية التفكير الفردي، حيث يسود الاعتقاد بفعالية المتعلم و ضرورة تمتيعه بحرية التعلم و أهمية الدافعية الذاتية، و يبقى التواصل بين المدرس و التلميذ في إطار علاقة ثنائية بالأساس ترتكز على التفريدية انطلاقا من الإيمان بأهمية الفروق الفردية و ضرورة مراعاتها في التعلم. بينما يرتكز النموذج الثالث على الجماعة، و هذا ما ساد في الطرائق الفعالة المرتكزة على آلية التفكير الجماعي، حيث تتم عملية التعلم ضمن الجماعة و بالجماعة، و هذا ما يستلزم تواصلا جماعيا مبنيا على الحوار و النقاش و التشاور. و لا يحتكر المدرس في النموذجين الأخيرين دور المرسل، بل يتقاسمه مع التلاميذ انطلاقا من القناعة بأن الدرس شراكة بين من يعلم و ذاك الذي يتعلم.
و هكذا نلاحظ من خلال هذه الأمثلة أن عملية التواصل قد تتخذ أشكالا مختلفة، و ذلك بحسب البعد الذي نتناول من خلاله هذه العلاقة التفاعلية، و ما ذكرناه لا يعدو أن يكون من باب المثال لا الحصر.
2 ــ لا أحد من المدرسين يرغب في ألا يتواصل مع تلاميذه، و ألا يكون تواصله معهم إيجابيا لأمرين أساسين؛ فهو مضطر بشكل حتمي لأن يتواصل، لأن العلاقة التعليمية هي علاقة تواصلية بالحتم، و لا نستطيع أن نتصور عدم وجود تواصل داخل فصل من الفصول. و يكون من الخطأ أن نتحدث أحيانا عن انعدام التواصل بين هذا المدرس و تلاميذه، لأنه في الواقع لا يمكن للمدرس ألا يتواصل. فإذا كان باتسون Bateson قد أكد أنه من المستحيل ألا يتواصل الإنسان، فإن الأمر يزداد استحالة ــ إن صح التعبير ــ بالنسبة لواقع الفعل التعليمي الذي هو عملية علاقية. و لما كان لا مفر للمدرس من التواصل، فإنه مضطر أيضا إلى البحث عن أفضل أساليب التواصل حتى تكون علاقته مع الآخرين ضمن جماعة الفصل علاقة مربحة و مفيدة. إن الإنسان يبحث على الدوام ــ إلا في حالات مرضية ــ عن الشعور بالأمن.
لكن الطبيعة الدينامية لجماعة الفصل، و كذلك السياق الذي تتم فيه عملية التواصل التربوي، تفرز في كثير من الأحيان مجموعة من الصعوبات و العوائق التي تجعل من هذه العملية عملية غير مريحة دائما، مما يخلق توترات تكبر خطورتها أو تقل بحسب وعي المدرس السيكوسوسيولوجي و مدى قدرته على توظيف التغذية الراجعة. 
من ضمن هذه الصعوبات التي تحد من إمكانية خلق تواصل تربوي فعال، يمكن أن نذكر عدم قدرة المدرس على النزول إلى تلاميذه. إن نوع التواصل السائد في مدارسنا هو من نوع التواصل غير المتكافئ. فالتلميذ ليس ندا للمدرس، و من ثم فشاطئاهما المرتبطان بالتواصل لا يكونا متطابقين. و كلما ابتعد هذان الشاطئان عن بعضهما، كلما كانت الصعوبات أكبر و أخطر. إذا كان من المفروض على الطرفين أن يقلصا من تباعد شاطئيهما هروبا من السقوط في حوار الصم، فإن المدرس بالأساس هو المطالب أكثر بالعمل على تحقيق ذلك. و هذا الأمر ليس من السهولة بمكان، بحكم أن المدرس يعيش مواطنتينdeux citoyennetés كما يقول لانجفيلد M.S.Langveld ، فهو ينتمي إلى عالم الراشدين و محكوم عليه بالعيش مع عالم الأطفال، و هذه المفارقة تخلق إشكالية وجودية بالنسبة إليه، فإن هو توحد بأطفاله، فقد ذاته كراشد و عجز عن حمل أطفاله إلى المزيد من النضج، و إن هو توحد بعالم الراشدين، فقد أطفاله و لم يستطيع التواصل معهم،لذا تطرح على عاتق المدرس مهام جسام و وعي كبير. 
بالإضافة إلى هذه الصعوبة، يمكن ذكر عائق آخر قد يحول دون إيجاد تواصل تربوي فعال، من ذلك طبيعة المنهاج التعليمي؛ فاشتماله على أهداف بعيدة عن ميول التلاميذ و وجود مضامين مملة لا تتناسب و طبيعة مرحلته النمائية، و سيادة طريقة و أساليب تعتمد على الإذعان، و كذلك حضور أشكال تقويمية تخلق « فوبيا » معطلة، كل هذا لا يمكن إلا أن يعيق وجود تواصل فعال، و أن يؤدي إلى المزيد من السلبية و بروز آليات دفاعية و أساليب المناورة من كلا طرفي العملية التعليمية / التعلمية.
و تلعب الإمكانات المادية للمدرسة في كثير من الأحيان دورا بارزا في إعاقة أو تسهيل عملية التواصل التربوي. فوجود الوسائل التعليمية و طبيعة البنية التحتية للمدرسة، يسهل إلى حد كبير عملية التواصل التربوي، خاصة في مجموعة من المواد التي يحتاج فيها التعلم إلى الملاحظة و التشخيص. كما أن طبيعة التسيير الإداري و علاقة الآباء بالمدرسة، و ما يشكلونه من تصورات لدى أبنائهم تجاه المدرس و المؤسسة، لا يقل أهمية عما تمت الإشارة إليه. ففي كثير من الأحيان، يلاحظ أن موقف التلميذ من التواصل التربوي يتحدد بنسبة مهمة، انطلاقا من موقف الآباء من العملية التعلمية. 
إن هذه الصعوبات، بالإضافة إلى عوائق أخرى، ترتبط بالحالات الشاذة كبعض الإعاقات الجسدية و غيرها، تؤثر سلبا ــ كما تبينا ــ على عملية التواصل التربوي كعملية إعلامية و وجدانية في نفس الوقت، و هذا يرتد طبعا على مستوى التعلم و تحقق أهدافه. 
3ــ تتأثر مردو دية العملية التعليمية / التعلمية بمجموعة من العوامل، منها ما هو مرتبط بذات المدرس و منها ما هو موضوعي. و في كثير من الأحيان، يتداخل ما هو ذاتي بما هو موضوعي بفعل جدلية الظواهر و تركيبتها و تفاعلها.
إن من أهم العوامل الذاتية في خلق تواصل تربوي فعال، و من ثم الوصول إلى المر دودية المستهدفة، هو وجود موقف إيجابي لدى المدرس من العملية التعليمية. و هذه مسألة أساسية تكون مثل هذا الموقف يعتبر شرطا ضروريا للممارسة و لتحسين المر دودية. إن الاتجاه نحو التدريس يختزل مجموعة من الاتجاهات نحو مكونات الفعل التعليمي بل هو يحددها جميعا. فلا يمكن للمدرس أن يكون إيجابيا في عمله، ما لم تكن مواقفه من عملية التدريس إيجابية. و لعل ما يلاحظ من تردد في المر دودية التعلمية، يرجع في جزء كبير منه إلى هذه الأزمة التي يعرفها الاتجاه من مهنة و عملية التدريس بسبب عوامل شتى. و طبيعي جدا أن مدرسا لا يرغب في مهنة التدريس، تكون فعاليته ناقصة و سلبية نظرا لغياب الدافعية لديه، مما يترتب عنه احتراق نفسي يزيد من سلبية اتجاهه نحو ذاته و نحو مهنته. و هذا يلاحظ داخل بعض الأقسام حيث تسود الأجواء المكهربة و يطغى العقاب الانتقامي و البحث عن كبش الفداء و الاستهتار و الرتابة. و هي كلها معطيات لا يمكن أن تحقق المر دودية المتوخاة، في حين أن الفصول التي يدرس بها مدرسون يتمتعون بحد معقول من تقبلهم لمهنتهم، غالبا ما تنعدم فيها مثل هذه الظواهر أو تقل إلى درجة يكون تأثيرها ضعيفا.
و يرتبط بهذا الموقف عاملان آخران، هما حب الطفل و احترام شخصيته. و في غياب هذين المحددين لا يمكن لعملية التواصل أن تتم بالشكل الذي يسمح بتحسين المر دودية، ذلك أن حب الطفل يجسد الشرط الوجداني للتواصل، في حين أن احترام شخصيته يعني أساسا القدرة على تكييف خطابنا وفق قدراته و إمكانياته، و هو ما يجسد الشرط المعرفي لهذا التواصل، أي مضمونه. إن الأطفال في الفصول الدراسية حساسون جدا لهذين الشرطين، بحيث نلاحظ أن الطفل الذي لا يستشعر أنه متقبل من طرف مدرسه، غالبا ما ينفر من المضمون الذي يقدمه هذا الأخير. فالحب يمنح الشعور بالأمن و الثقة في الذات أولا و في مصدر الحب ثانية، و هذه الثقة ضرورية في إيجاد تواصل سليم ينتج مردودية تنسجم و الأهداف المسطرة. و قد أصبحت الدراسات السيكولوجية الآن أكثر اقتناعا بهذا التداخل بين ما هو وجداني و ما هو معرفي، معتبرة أن الفصل بينهما في إطار الشخصية فصل لا يعكس وحدتها كليتها. 
و تلعب إمكانات المدرس الديداكتيكية دورا لا يخلو أهمية في الإسهام في تواصل تربوي ناجح، ذلك أن تكوينه البيداغوجي و امتلاكه للميكانيزمات التعليمية يعتبر أن أمرا مهما في هذا المجال، إذ لا يكفي حب الطفل و معرفة مرحلته النمائية، بل ينبغي أيضا امتلاك التقنيات الكفيلة بالتواصل التربوي، أي القدرة على النزول بهذه الشحنات الوجدانية و النظرية إلى مجال الممارسة. فالفعل التعليمي لم يعد حاليا، مع تطور المعرفة البيداغوجية و العلوم الإنسانية و وسائل الاتصال الجماهيرية، لم يعد يرتكز على حدس و التلقائية، بل أصبح عملا مضبوطا و مقننا و مخططا له، و هذا ما يستلزم من المدرس أن يكون مخططا ومقوما و منشطا. و الفصل ليس مجالا لتعبير المدرس عن مشاعر الحب نحو الطفل أو أن يكون ملما بالمعارف فقط، و لكن أيضا ينبغي أن يكون متمكنا من التقنيات، و منها تقنيات التواصل. و على تلك المشاعر أن تتبلور من خلال تحقيق أهداف المهام التي تتجلى في التعلم و في كيفية التعلم. و لكي تتحقق أهداف المهام هذه، لابد من هندستها و تنظيمها، و هذا ما يستلزم دراية و تكوينا ينبغي تجديدها على الدوام بحكم أن المعرفة البيداغوجية تتطور باستمرار.
و من ضمن العوامل الذاتية للمدرسين التي تساعد على تحسين المردودية التعليمية هو قدرة المدرس على البحث، و هذا أمر أصبح يشكل ضرورة في التربية الحديثة؛ إذ لم يعد المدرس مستهلكا للمقررات و التوصيات و التعليمات، بل أصبح عليه أن يمارس البحث التربوي متخذا من فصله مجالا لرصد الظواهر و وضع الفرضيات و تجريبها، و هو ما يتيح له إمكانية تشخيص العوائق و رصد مكامن القوة، و إيجاد أساليب العلاج للمشاكل و المثبطات. صحيح أن مدارسنا تبقى في عمومها مؤسسات تقليدية في برامجها و مناهجها، لكن مع ذلك تبقى هناك هوامش اصطلح عليها سنيدرس Snyders بالهوامش الثورية تسمح لنا بإقحام بعض الأساليب و التصورات الحديثة، و هي خطوة أولى قد تتطور بحسب مستوى تغلغل الفكر البيداغوجي الحديث لتتوسع أكثر. 
إن إدخال بعض التقنيات أو الممارسات الحديثة إلى القسم، كلما سمحت الإمكانيات بذلك، و إحداث بعض التعديلات في أساليب التواصل و تقنياته، يمكن أن يخفف من وطأة الرتابة التي تسيطر على فصولنا. وهذه التعديلات ينبغي أن تسبقها بحوث و عمليات رصد للإمكانيات و تخطيط يبعد عن العشوائية التي غالبا ما تؤدي إلى فشل تجارب التعديل و من ثم اليأس. فعلى سبيل المثال، يلاحظ لدى كثير من المدرسين كونهم جد متحمسين في بداية تخرجهم لمبادئ التربية الحديثة و لمعاداة اللجوء إلى العقاب، لكنهم سرعان ما يتخلون عن حماسهم بمجرد فشلهم في التجارب الأولى إزاء أطفال « مشاغبين » أو 
« غير جادين » مما يؤدي بهم إلى السقوط في التقليدية و اللجوء إلى العقاب كوسيلة للعلاج و يفلحون مؤقتا في عملية الردع، معتقدين أنهم نجحوا، و تضمحل المبادئ التي حملوها من مراكز تكوينهم، بل تتشكل لديهم قناعات بعدم جدواها، متغافلين أن تجربتهم الأولى كانت تستلزم النفس الطويل، كما أنها كانت في حاجة إلى عدم عملية البحث التي تسائل العوامل و الأسباب في بروز هذه الظاهرة أو تلك.
أما على مستوى العوامل الموضوعية، فيمكن تصنيفها إلى عوامل مادية، عوامل بشرية اجتماعية و عوامل بيداغوجية، و إن كان هذا التصنيف تصنيفا منهجيا من المفروض ألا يغيب التداخل و التفاعل الموجودين بين تلك العوامل. 
فعلى المستوى المادي، تلعب البنية التحتية للمؤسسة و إمكانات الفصل، من حيث التجهيزات و الوسائل التعليمية دورا مهما في تسهيل عملية التواصل التربوي، و من تم تحسين المردودية التعليمية. إن التواصل يحتاج إلى قنوات ووسائط لنقل الخطاب. و كلما كانت هذه القنوات جيدة و غنية، كلما كان التواصل سليما و ناجحا. كما أن الطبيعة « الإيكولوجية » للفصل تخلق أجواء نفسية تتميز بالارتياح، مما يقلص من حالات التوثر أو الشعور بالكآبة و الرتابة.
و بالنسبة للعوامل البشرية و الاجتماعية، فتدخل ضمنها الظواهر التشريعية و المظاهر التسييرية و الإدارية، و كذلك علاقات المدرس بالجماعات الأخرى المهتمة بالتلميذ ك الأسرة و غيرها. و هذه كلها عوامل تلعب دورها في تحسين مردودية التعليم، كما أنها تساعد أو تعيق المدرس في خلق تواصل تربوي سليم، إذ كلما كانت إدارة المؤسسة و الأسرة متعاونتين، كلما شجع ذلك على خلق تواصل فعال بين الأطراف المعنية، و من ثم في خلق تواصل تربوي داخل الفصل.
و تلعب المعطيات البيداغوجية من أهداف و برامج و طرائق رسمية و أساليب تقويم، دورا خطيرا في عملية التواصل و تحديد طبيعة المردودية التعليمية؛ إذ كلما كانت تلك الأهداف واضحة و مدروسة و علمية، و كلما كانت البرامج في مستوى المتعلمين و حاجاتهم و ميولهم، و كلما كانت الطرائق ترمي إلى عدم الاقتصار على شحن الأدمغة، بل إلى تطوير الشخصية و تعليم التعلم، و كذلك كلما كانت أساليب التقويم هادفة إلى توظيف التغذية الراجعة، كلما وجدت الأدوات البيداغوجية السليمة لإحداث تواصل تربوي إيجابي، و من ثم المردودية المتحسنة باستمرار.
إن المعطيات البيداغوجية تلعب دورا كبيرا في رسم معالم العملية التعليمية و على تحديد أساليب و أشكال التواصل داخل الفصل. و يمكن القول، إن الطريقة التعليمية السائدة كفلسفة في التعليم، أي كمجموعة من التصورات التي تحدد طبيعة عناصر العملية التعليمية و طبيعة العلاقات الرابطة فيما بينها، يمكن القول إنها هي المحور المحدد لباقي المكونات البيداغوجية الأخرى و من ثم نسقية هذه المعطيات. 
إلا أن ذلك لا يمنع من أن هذا النسق يمكن أن يكون مفتوحا يسمح بإدخال بعض العناصر الجديدة أو التعديلات، و هذا ما يجعل أمر التداخل بين العوامل الذاتية للمدرس و العوامل الموضوعية أمرا مؤكدا. 
إن العوامل الذاتية و الموضوعية التي أشرنا إليها من باب المثال لا الحصر. و التي تؤثر في المردودية التعلمية، هي عوامل متداخلة يصعب الفصل بينها، نظرا لأن العملية التعليمية ــ التعلمية عملية دينامية و جدلية و كلية في نفس الوقت، و طبيعتها هذه هي التي تجعل الفصل بين مكوناتها و محدداتها فصلا منهجيا ليس إلا.

( تحليل الأستاذ: عزوز التوسي ، سلسلة التكوين التربوي العدد 5).


اقرأ أيضا :

- وظيفة الأستاذ في إطار بيداغوجيا التعاقد

-فيديو حول بيداغوجيا التعاقد

- موضوع متكامل : التعاقد التربوي - التعاقد الديداكتيكي


تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق