الأربعاء، يوليو 01، 2015

لماذا علوم التربية؟

نشر بتاريخ :

لماذا علوم التربية؟

الحسن اللحية


الحسن اللحية
طرحنا في يوم ما السؤال التالي: ما الذي جعل
ممارستنا البيداغوجية في المغرب اختبارية و تبسيطية و تجريبية  و اختزالية و وضعية لا تتجاوز بدايات القرن

التاسع عشر في آخر المطاف؟


إن أول سبيل لتلمس الإجابة عن سؤالنا
أعلاه  يتمثل في غموض ما نعنيه في المغرب
بعلوم التربية. فهذا التخصص وحده كان عليه أن يوضح الالتباسات التي تطال المشكل
البيداغوجي في المغرب منذ أن تأسست مراكز التكوين بعامة. و نعني هنا بعلوم التربية
تحديدا  فلسفة التربية و سوسيولوجيا

التربية والسيكولوجيا و ما عدا هذه التخصصات أو الحقول المعرفية الكبرى يكون كل
انتماء لعلوم التربية بالتبني لا بالشرعية المعرفية. فهذه التخصصات هي التي
تهمها  إشكالات كثيرة منها:  ما معنى التربية ؟ و ما معنى البيداغوجيا؟ وما
معنى التعلم وكيف يحصل؟ و لماذا ينبغى أن يرتبط التعلم و التنشئة الاجتماعية أو
بناء الذات بالبيداغوجيا والتربية، أو لنقل كما يسميها المفكرون الكبار (كانط،
أوغست كونت، دوركهايم ...إلخ) كيف  يرتبط

كل ذلك بعلم التدريس أو فن التدريس أو علم التربية؟


ها هنا كان على الخطاب التربوي والبيداغوجي
أن يشتغل على ارتباط البيداغوجيا بالتعلم والتنشئة الاجتماعية والغاية من التربية
و أساسها ، وأن يبين بأن البيداغوجيا تهم الذات المتعلمة في جميع أبعادها  لتنشئة إنسان ما ، و بالتالي فإن الخطاب
البيداغوجي- التربوي  هو خطاب عن الإنسان و
ليس خطابا أداتيا اختباريا لا علاقة له بالمدرس(ة) و الطفل(ة) و المكون(ة) و
المفتش(ة). و بتعبير أدق فإن كل خطاب بيداغوجي- تربوي هو خطاب في تربية الإنسان في

آخر التحليل.


إذن سيكون خطاب علوم التربية هو أن يفتح
للذات العارفة إمكانية أن تكون مسؤولة عن الخطاب البيداغوجي والتربوي مسؤولية
فكرية وقيمية و مصيرية مادام خطاب البيداغوجيا خطابا في الإنسان. وهذا معناه أن
الخطاب البيداغوجي ليس خطابا محايدا، وليس خطابا موضوعيا... إنه خطاب من أجل غاية

فلسفية في آخر المطاف مهما كانت خلفيته السيكولوجية أو السوسيولوجية.


فالخلاصة الأولى التي نستخلصها من هذه النقطة
أن الخطاب البيداغوجي المتهافت على الحياد والأداتية و النزعة الإجرائية الفجة –
الذي يستسهل البدائل البيداغوجية أو يختزله في عناوين جوفاء كما حال علوم التربية
في عدة التكوين في مراكز التكوين-  لم يكن
يعي خلفياته في علوم التربية و لا غائياته و أسسه الفلسفية ، و لذلك ساد التبسيط و
غابت الاختيارات الفكرية والحوار الفكري و انتعش فكر الهذيان التجريبي و استسهال

خطاب علوم التربية.




و النقطة الثانية في تقديرنا لتفسير هذا
التبسيط المعمم في خطاب علوم التربية منذ بيداغوجيا الأهداف إلى اليوم هو غياب
التصور الفلسفي العام للتربية في المغرب. ماذا يعني المغرب بتربية الإنسان
المغربي؟ ومن أين لنا بهذا التصور؟ وهل كل من نظر لنموذج بيداغوجي أجوف  في المغرب كان يطرح تصورا فلسفيا للتربية؟ و أي
فلسفة في التربية  ينبغي أن ترشدنا إلى

ذلك؟


يبدو أن السؤال حول التربية ظل غائبا منذ
الاستقلال إلى اليوم رغم ما قد يعترض علينا البعض به من وجود بعض الوثائق الرسمية
كالميثاق الوطني للتربية و التكوين أو الاجتهادات المعزولة هنا و هناك منذ كتاب
الأستاذ الكبير محمد عابد الجابري حول التعليم وصولا إلى اجتهاد الاستاذ بوبكري في

فلسفة التربية.


فالملاحظ أن الوثائق الرسمية كالميثاق لم
تبلغ درجة كبيرة من النضج الفلسفي لتطرح تصورا لماهية التربية. كما أن الاجتهادات
المذكورة ظلت محصورة لأن المطلب الثقافي و السياسي في المغرب لا يحبذ الأطروحات و

النقد الجريء، بل لا يستقبل الخطاب الفلسفي في التربية بترحيب وضيافة كبيرين.


إن حالة الارتباك الذي أصاب علوم التربية منذ
بداياتها في المغرب واضح للعيان. يكفي تفحص ما تقدمه كلية علوم التربية و شعب
الفلسفة وعلم النفس و السوسسيولوجيا ، و ما تدرسه مراكز التكوين ، و كيف تفهم في
المذكرات المنظمة للامتحانات المهنية ... فالجميع يتحدث عن علوم التربية و الجميع

لم يأخذ علوم التربية على مأخذ الجد ليسأل السؤال التاريخي: ما هي علوم التربية؟


إن التفكير في التربية ، بل الكتابة في
التربية تبدو دونية و لا أهمية لها في المغرب ، و ذلك ما يبدو من خلال تهميش لا
شعوري ، ومن خلال جوائز الكتاب في المغرب. و نحن نتساءل لماذا تغيب فلسفة التربية
في الكليات و مراكز التكوين شأنها شأن سوسيولوجيا التربية بالتدقيق و مختبرات علم
النفس؟ لماذا اختزلت علوم التربية في مراكز التكوين في تفاهات ديداكتيكية؟ من

يحاربها ومن المستفيد من تغييبها؟


نقول لكل هؤلاء و أولئك أن علوم التربية هي من صميم
العلوم الاجتماعية والفلسفة ، و لم و لن تقتلها رغبات المبسطين و الظلال التابعة
... لأن التربية هي معركة الفيلسوف و السوسيولوجي و السيكولوجي و الاقتصادي و
الانتربولوجي و الإثنولوجي ....إلخ. إنها معركة المعارك، فلنفكر في هيجل و كانط و

دوركهايم و سبنسر و فابر و ميرويو و غير هؤلاء كثير ... لندرك جهلنا و تفاهتنا.


تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق