الأربعاء، يوليو 01، 2015

التدريس بالوضعيات المشكلات

نشر بتاريخ :

التدريس بالوضعيات المشكلات 


 الحسن اللحية


إن المدرسة التي تختفي فيها الحياة لا تعلم سوى البربرية.وإن الفضاء الذي يغيب فيه المعنى (كالفضاء المدرسي) يغيب فيه المستقبل.

جيرار دوفتشي

إن المعلم في معبد دلف لا يعلم شيئا و إنما يحيل و يشير.

عن عبدالسلام بنعبدالعالي



لا بد من الوعي باللحظة التي نوجد فيها - نحن المشتغلين بالتربية والتكوين- وأن نعي الوضع العام للمدرسة والمعارف المدرسية وعلاقة كل هذا بالمحيط العام والخاص، وعلاقات كل ذلك بالتلميذ. فلا حاجة للتذكير بأن العالم اليوم أضحى أكثر تعقيدا مما نظن، ولربما لهذا التعقيد تفتقد النماذج البيداغوجية خاصتها المطلقة، ولأن العالم أصبح معقدا حيث سيادة القن-الرمز والتجريد و الافتراضي والتعقيد المضاعف... تبدو الطرق التقليدية في التدريس غير ملائمة ولا تتوافق والتعقيد. فحين يقول المدرس ،اليوم، للتلاميذ: سأشرح لكم كذا أو كذا... أو سأفسر لكم كذا وكذا...، فإنه يضع نفسه خارج سياق ما يحدث رغم حسن النية. وربما أن وهم امتلاك المعرفة التي سيشرحها للغير هي المانع الفعلي للتعلم أو ذلك هو عائق التعلم بامتياز.

إن منطق الاشتغال بالوضعية المشكلة اليوم هو منطق التعلم الذاتي والتكوين الذاتي، وهو والتردد والمحاولات والتساؤلات والتراجع والعودة للوراء والبحث والمكابدة والإرهاق واللذة (...) إلى الحد الذي ينسى فيه التلاميذ، وهم يشتغلون، المدرس ويشعرون باختفائه، وهو منطق يسير عكس العرض الأستاذي القائم على الشرح والاستعراض والبداهات المشرعنةوالتبرير، حيث يسعى الأستاذ إلى فرض نفسه على التلاميذ  ووسمهم بكاريزميته.

تضع الوضعية المشكلة المتعلم أمام أنشطة مثل إيجاد شيء، أو حل لغز، أو مواجهة حلول بأخرى...إلخ؛
ولذلك وجب أن يكون المشكل المطروح للمتعلم ملحا ومحرضا على الفضول مثل محرك البحث.
 تحد الوضعية المشكلة من ثقافة التسرع لدى التلميذ، والتنقل من هنا إلى هناك كما يتنقل بين القنوات التلفزية أو المواقع الالكترونية. فالمرور السريع من شيء إلى آخر لا يسمح بالتوقف، بالتقشير البطيء للموضوع، وبالتالي بناء معرفة في العمق.

هناك جانب آخر يكتسي أهمية في التدريس يتمثل في الثقة التي ينبغي أن تسود بين المدرس والمتعلم.
فالمدرس حينما يضع استراتيجيات ليصل بالتلميذ في العمل إلى النهاية المطلوبة يصير
مساعدا على النجاح: بيداغوجيا النجاح، ومن المهم أن يثق المتعلم في نفسه كذلك
(الرؤية الإيجابية عن الذات).
 لا يتعلق الأمر هنا بجعل الطفل في مركز الاهتمام المطلق أو بتشييد بيداغوجية تجعل الطفل ملكا l’enfant-roi
، فيقال: أيها الأطفال فيم ترغبون القيام به الآن...إنكم في مركز الاهتمام، إنكم أحرار افعلوا ما يحلو لكم، واطلبوا ما يحلو لكم ؟؟؟ إن الأمر يتعلق بوضع تصور لوضعيات تضع المتعلم أمام معارف وتمارين تجعل المتعلمين هم الفاعلين
الحقيقيين...هم النشطاء فكريا ويدويا .
 إن معظم الأنشطة المقترحة أو المفروضة في القسم لا معنى لها بالنسبة للتلاميذ. نعلم بأن التلاميذ لم يعد اهتمامهم كبيرا بالنحو والأشكال الهندسية والقواعد الرياضية...إلخ. فمنهم من يجد المعنى في النجاح حصرا أو في مشروع يرتبط باجتياز الامتحان أو مرتبط بالتقدير أو الحصول على نقطة جيدة. ونحن نتساءل حينما لا يوافق المحتوى
مصلحة التلاميذ ألا يمكن إبداع المعنى عن طريق وضعيات معيشة؟   
 لكي يحصل التعلم في القسم يجب أن نشعر بوجودنا الفعلي، ولكي يتم ذلك يجب الاعتراف بنا (الاعتراف
المتبادل بين التلميذ والمدرس). وليعترف المدرس بالتلميذ عليه أن يستمع له
ويحترمه. والمؤسف أنه في ثقافتنا أن التلاميذ هم من عليهم الاستماع واحترام المعلم(ة)-المدرس(ة)-المكون(ة).

إن المسألة تتعلق بتربية على المواطنة تجعل التلاميذ مستقلين ومسؤولين عوض استغراق الوقت في جعلهم
اتباعا. فيقال علنا أو خفية: عليكم القيام بكذا أو كذا، قوموا بكذا، طبقوا كذا....إن بناء المعارف لا يكون خطيا لأنه يتطلب الانعطافات، بل وحتى العودة المتكررة للوراء.
 علينا أن نعي الوضع الذي توجد عليه المدرسة اليوم. هناك من يجتهد ليقيم أجهزة للمراقبة في المؤسسات
التعليمية عوض الاجتهاد في إعطاء الحرية الفكرية للتلاميذ. ومن جانب ثان لابد وأن نذكر بأن الأطفال اليوم يستعملون اللعب الالكترونية والحاسوب والفيديو والانترنت...إلخ في منازلهم  مما يجعل المدرسة أقل جاذبية بملفاتها وتمارينها ومستنسخاتها...إلخ. إن فضاء يغيب فيه المعنى (كالفضاء
المدرسي) يغيب فيه المستقبل.

 هل الحضور إلى المدرسة يوميا هو مهمة المدرسة؟
هل الحضور إلى جانب الأصدقاء والصديقات ونسج العلاقات بين الأقران هو ما تبقى
للمدرسة؟...إلخ.

نعتقد عن خطأ بأن المدرسة تنقل المعرفة. إنه نفاق كامل لأنها لا تقوم بذلك. يقضي المتعلم سنوات وهو يتعلم اللغة العربية أو الفرنسية، وربما يتعلم كل ذلك وغير ذلك من المستوى الأول ابتدائي إلى ما بعد الباكالوريا، غير أنه لا يعرف طرح السؤال المناسب بهذه اللغة أو تلك حينما يكون في وضعية تتطلب منه الحديث بلغة معينة. ويعني هذا الأمر أن
التلميذ يتعلم في المدرسة شيئا آخر، يتعلم شيئا آخر غير معلن عنه كأن يكون طيعا وخاضعا ومؤمنا بالتراتبية والهيمنة والعبودية، يتعلم كيف يمحق ويصير عبدا جيدا وأليفا. وبالجملة يتعلم كل ما لا يقال علانية.

يطلب المدرس(ة) من التلميذ أن يكون طيعا وخاضعا، وهذا ما يهم في نهاية المطاف وليس المعرفة.لن ينوب المدرس عن التلميذ في تعلمه. إن التعلم قدر التلميذ ذاته. والتعلم، كذلك، ليس هو انتظار من يعرف كيف يحمل معارفه ليلقيها أو يلقنها لمن لا يعرف. علينا الاقتناع بأنه على كل تلميذ أن يبني بنفسه معارفه الخاصة ؛ ولا يقتصر هذا الجانب على جعله نشيطا فحسب(يمارس النشاط يدويا أو السقوط في التنشيطية الفارغة)، بل أن يكون هو الفاعل، أي صاحب الفعل (النشاط الذهني).ما يلاحظ أنه حينما نطلب من المدرسين الإجابة عن السؤال ما معنى التعلم في إطار مهنتهم تصب الإجابات
فيما يقوم به المدرسون ليكسبوا التلاميذ بعض أنواع المعارف. ألا يكمن هنا الخلط بين التعلم و التدريس apprendre et enseigner؟ لا يهمنا الخلط الذي تتسبب فيه اللغة الفرنسية بمرادفتها بين الكلمتين. ثم إن ما نرمي إليه لا ينحصر في المعنى اللغوي. فالتعلم يهم التلميذ والتدريس يرتبط بالمدرس.سنكرر ما قلناه سابقا، يمكن للمتعلم وحده أن يتعلم وليس لنا غير وضعه في وضعية تمكنه من تملك المعارف. فالتعلم ليس هو ما يقدمه لنا العارف.
 إن التعلم هو قيام التلميذ بنفسه بمعرفة في العمق. وإذا رفض أحد التلاميذ التعلم لا يمكننا إجباره على ذلك ولا الحلول محله للقيام بما كان عليه أن يقوم به.
ولو توهمنا بأننا نمثل من يعرف ويعلم كثيرا بإمكاننا التعلم كثيرا إذا ما قبلنا الاستماع للتلاميذ ولاحظنا ما يحدث حولنا.
 ليقوم التلميذ بإنجاز نشاط تعلمي ما لا يقتصر الأمر على الفهم؛ إنه التعلم،وهو إعطاء المعنى للنشاط؛ بمعنى الإحساس بأن الأمر يهمه. فلا معنى لأنشطة لا تمس التلميذ لأن ذلك يجعلنا ندرس مشاريعنا نحن، ومشاكلنا نحن، واهتماماتنا نحن،والتزاماتنا نحن المدرسين... وليس ما يرتبط بالتلميذ ويهمه. فكيف يحدث التعلم في هذه الشروط، وبالتالي فإن إعطاء أو إضفاء المعنى على ما يتعلمه التلميذ الذي يعني أن يعيش ما يتعلمه؟ إن المدرسة التي تختفي فيها الحياة لا تعلم سوى البربرية. ينبغي أن تعلم المدرسة الالتزام والانخراط.
ربما نميل جميعا كمدرسين أو تصيبنا الرغبة لتنمية الاستقلالية والفكر النقدي والمسؤولية وإكساب طرق البحث للتلميذ... إلخ. فهل ننمي كل ذلك فعليا؟
 لا يكفي التوفر على استعمال زمني وقضاء ست أو ثمان ساعات بمؤسسة تعليمية للتعلم. ففي غالب الأحيان لا يكتسب التلاميذ معارف حقيقية، بل هي معارف أو إنتاجات ميتة لأنها تقدم لهم كحقائق غير قابلة للنقد والتطور والتجاوز. فالاشتغال على المعنى وبناء المعارف والكفايات يكون بغاية إعادة استعمالها، وهي أبعاد أساسية
للتعلم.
 إنه لمن الضروري أن يتساءل المدرس عن الطريقة التي تقوم عليها الوضعية المشكلة حتى لا يطرح المشكل على السبورة، بل يطرحه للتلاميذ!.وليس المراد هو طرح وضعية
مشكلة للتلاميذ ومطالبتهم بما يجب أن يقوموا به وكيف يقومون بذلك.

إن المقاربة التي نرمي إليها تسير عكس اتجاه ثقافتنا وعاداتنا البيداغوجية؛ أي أنها تسير ضد مفهومنا للمدرس العارف، المالك للسلطة.

تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق