الأحد، يوليو 05، 2015

التقويم الإشهادي مقاربة من الخارج

نشر بتاريخ :

 التقويم الإشهادي مقاربة من الخارج

     حميد  ضحاك-جريدة الأستاذ

     حميد  ضحاك-جريدة الأستاذ

تعد الوضعية التقويمية أهم مرحلة في العملية التعليمية التعلمية،سواء اثناء تنفيذ الدرس ،او خلال التقويم المرتبط بالمراقبة المستمرة،أو التقويم الإشهادي،ولذلك" فالتقييم يوظف ليوفر معلومات للتلميذ وللمدرس لإعادة النظر في عملهما من أجل ضبطه وتوجيهه وإغنائه "(1). ووعيا من الجميع بهذه الأهمية، فقد تم استنفار  الإمكانات اللوجستيكية والبشرية قصد تأمين نجاح هذا الاستحقاق الوطني. بيد أن هذه الأيام الوطنية يعكر صفوها ويضيع معالم الاحتفال فيها بروز ظاهرة الغش ،باعتبارها حالة مرضية اجتماعية ونفسية سواء كانت تسبق إنجاز الامتحان، أو تلحق تسليم الأوراق وتسريب الموضوع بدقائق قليلة.

وتهدف هذه المحاولة المتواضعة إلى  تقريب المتلقي من العناصر الفاعلة من أسرة ،ومدرسة، ومصالح إدارية منظمة لهذا الاختبار والعاملة على إنجاح أو افشال  هذا التقويم النهائي للسلك التأهيلي، دون الاهتمام  بأنواعه وآليات اختبار تحقق الكفايات المستهدفة.
       إن الحديث عن الغش قد أسيل فيه مداد كثير، والحقيقة المرة هي  أن الأمر يتعلق بأزمة القيم داخل الاسرة المغربية ،التي ضيعت شروط انتمائها إلى الدين المحمدي وقيم العروبة. فالإسلام يحث على نبذ الغش لقول الرسول الكريم: " ...من غشنا فليس منا"(2) قال العظيم آبادي في شرحه للحديث: "قال الخطابي: معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا؛ يريد أنَّ مَن غشَّ أخاه وترَك مناصحته فإنه قد ترك اتِّباعي والتمسُّك بسنَّتي... والحديث دليلٌ على تحريم الغشِّ وهو مُجمَع عليه"(3).هذا فضلا عن تنافي هذا السلوك مع الفطرة السليمة والتربية الصحيحة غير أنه -وللأسف الشديد- تزرع الاسر المغربية هذا الانحراف  في نفس النشء عن طريق التعلم بالقدوة السيئة. فإذا كان هناك من يجب أن يحاسب فهي الأسرة لكونها لا تذخر  جهدا في اقتناء أحدث الهواتف لهذا اليوم المشهود،بل وتكتب له الملخصات بشكل يسمح له بخداع المراقب ...
  وتعتبر المدرسة الامتداد الطبيعي للتنشئة الأسرية ،لذلك فهي تسهم بشكل كبير في استنبات القيم الإيجابية وتصحيح التشوهات القيمية،وهذا ما تنص عليه  الكتب المنظرة للفلسفة التعليمية ببلادنا  حيث "تنبثق الممارسة التعليمية بالمرحلة الثانوية التأهيلية من تصور فلسفي يؤسس لمشروع مجتمعي تربوي قوامه:
-
التربية على القيم ،و تنمية و تطوير الكفايات التربوية ، و التربية على الاختيار"(3).
غير أنها تنحرف عن هذه الرسالة السامية  وذلك بتثبيت هذا الانحراف السلوكي في نفوسهم ،و عدم إصلاحه بالطرق البيداغوجية الناجعة قبل أن يتمكن منهم، وذلك  باعتماد أسلوب التدعيم للسلوك الإيجابي،أو التجاهل لسلوكه ما لم يسىء إلى نفسه وللآخرين، أو العقاب  لاستبدال السلوك السلبي بالإيجابي.(4)
هذا من جهة ،ومن جهة ثانية فإن السلطة في كل جهات المغرب  مسؤولة بدرجة كبيرة عن غض الطرف عن المفسدين  من أصحاب المكتبات الذين يقومون بتصغير الدروس والملخصات أمام اعين الجميع، في          
حين ان وضع آجورة  دون ترخيص يعد جريمة ،أما بناء المجتمع السليم والفرد الصالح فليس له أهمية  تذكر !
     تبذل  جهود طيبة- وإن كانت غير كافية- من أجل محاربة الغش الذي يهدد مستقبل ووجود الجميع.ومن بين الإجراءات التي اتخذتها الوزارة الوصية على القطاع الاستعانة بعصا سحرية كاشفة للتدليس في الامتحانات الإشهادية. والحقيقة أن الحملة الدعائية التي سبقت هذا الاستحقاق الوطني آتت أكلها ،ذلك أن هذه الآلة المغناطيسية قللت من محاولات الغش بالهاتف، غير أن هذا الإجراء خلق بلبلة داخل قاعات الامتحان خصوصا عندما يحمل للتلميذ شئا معدنيا.
  أعتقد أن شعار محاربة الغش  الذي  اختارته الوزارة الوصية على القطاع  منفصل عن الموروث الثقافي المغربي الذي يربط بين "الخميسة " ودفع الحسد والعين وإقرار بالنجابة ودعاء بالحفظ والتسديد. لذلك نتساءل عن مدى ارتباط واضع الشعار بنسيج مجتمعنا وبثقافتنا الشعبية ! فحبذ لو تم اختيار صورة  تثير في نفوسهم البشاعة والهيبة من الإقدام على هذا السلوك المقيت .و لذلك نقول لهم لا تخافوا من الحسد، فواقع التعليم بالمغرب لن يجلب حاسدا.
  وإذا تتبعنا جذور الغش فسنجدها ضاربة في عمق المصالح الإدارية. وقد تمظهر لنا ذلك في التسريب الذي فاق فعل التلاميذ بعد اطلاعهم على محتوى الاختبار خطورة وفظاعة، لأن هذا النوع من الغش يهدد الأمن التعليمي ويصيب مصداقيته في مقتل، فيكون المواطن ضحية صراع سياسي أو فئوي نخبوي ،لأنه هو الذي يؤدي فاتورة هذا العمل الدنيء ماديا ومعنويا.
   أزعم أن تهيب الوزارة وإحجامها عن  وضع أجهزة للتشويش في مراكز الامتحان  يثير الكثير من الأسئلة عن صدق  رغبتها في تحقيق  تقويم جيد، يضمن تكافؤ الفرص بين الجميع، ويجنب الدولة هدر المال العام  في زمن الترويج لخطاب شد الأحزمة  في رحلة تفقير لا تنتهي .
هذه الخيانة العظمى للوطن تبعتها إجراءات للتحقيق مع المصالح الأكاديمية والنيابية ومراكز الامتحان التي تمكث بها أوراق الامتحان مدة تفوق 12ساعة.وشيء طبيعي أن يسأل كل من له صلة بالموضوع ،أما الممارس البيداغوجي الذي كلف بالمراقبة بعد فتح الاظرفة فلم يتم التحقيق معه؟ !(5) يخامرني الشك في عجز المسؤولين عن معرفة الفاعل ونحن نملك أقوى جهاز استعلامي يستطيع اكتشاف الخلايا النائمة فما بالك باليقظة !ربما وراء الأجمة ما وراءها. ويتم التعميم من أجل التعويم وقبر الحقيقة.
في نظري أن الغشاوة التي كانت تعلو أعين من يتهم الممارس البيداغوجي بإفشال المخططات الإصلاحية قد زالت، وظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
 وإن أنس لا أنسى تهنئة هيئة التدريس على براءتهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب مما يراد أن يلصق بهم فتبخس أدوارهم النبيلة وتضحياتهم الجليلة،ويتم الإجهاز على مكتسباتهم.
      وفي الختام لابد من التنصيص على ان الوضعية التقويمية في الامتحانات الإشهادية هي مرحلة قياس التعلمات والمعارف والمهارات الصفية،كما تعتبر المحك الحقيقي لنجاح أو فشل الأسرة والمدرسة والوزارة والدولة ،لأن الامتحان الإشهادي امتحان لنا جميعا ،لذلك يجب ان يتحمل الجميع مسؤوليته ،وذلك بتحفيز المجد المخلص ومعاقبة المقصر، وفي نفس السياق أقول:
-         يجب تأمين قناة مرور الامتحان الإشهادي من بدايتها إلى نهايتها مهما اتسعت الشقة بين المركز والمؤسسة التعليمية.
-         توفير أجهزة التشويش داخل مراكز الامتحان ضمانا لتكافؤ الفرص بين التمدرسين الممتحنين..
-         الضرب بيد من حديد على المنتفعين ماديا والخاسرين اخلاقيا من أصحاب المكتبات.
-         العمل على تحصين الناشئة وخصوصا المراهق منهم من تأثير بعض  سموم الإعلام الوطني على الاقل،وذلك بمنع كل ما يسوق لقيم وسلوكات فاسدة ،واستبدالها ببرامج تزرع حب المقدسات في نفوسهم وتهديهم إلى كيفية تحقيق ذلك.
-         التحفيز المادي والحماية القانونية لمراقبي الامتحان.
-         تظافر جهود الاسر والمدرسة والمؤسسات الدينية المحلية ، بغية القضاء على هذه الآفة الاخلاقية.
-         الرهان على تعليم النوع بدل نجاح الكم.
-         إبعاد هذا القطاع الحيوي عن المزايدات السياسية وتسييره بمقاربة تربوية صارمة .
-         التحلي بالشجاعة الأدبية الكافية لقول الحقيقة ،وإعلان الحرب على الغش بأنواعه؛سواء داخل الفصل الدراسي،أو في الامتحان الاشهادي أثناء إنجازه أو قبل ذلك
Ø     الهوامش:
1-المعجم الموسوعي لعلوم التربية،د.أحمد أوزي،مطبعة النجاح الجديدة،2006،ص:101.
2-رواه  مسلم،رقم:102.
3-عنوان المعبود شرح سنن أبي داود،شمس الحق العظيم آبادي،ج9،ص:230.
4-الكتاب الأبيض،2002،ص:5وما بعدها بتصرف.
5-العلاج السلوكي للطفل،تأليف مجموعة من الباحثين،عالم المعرفة،ع180،1993،ص:88 بتصرف.
6-المراسلة الوزارية  في موضوع: البحث والتحقيق بشأن تسريب اختبار مادة الرياضيات بشعبتي العلوم التجريبية والعلوم التكنلوجية.


تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق