الخميس، يوليو 30، 2015

ممارسة التدريس:17-الساعات الإضافية

نشر بتاريخ :

ممارسة التدريس:17-الساعات الإضافية

الأستاذ توفيق بنعمرو

الأستاذ توفيق بنعمرو


أستاذ مادة الرياضيات بالثانوي التأهيلي
موضوع شائك مركب و ظاهرة استشرت و انتشرت في مختلف المواد و الشعب و المستويات و على اختلاف أنواع المؤسسات العامة و الخاصة و يتقاطع تأثيرها في مسار الممارس للتعليم بالضرورة.
قد ينخرط فيها المُمارس في فترات من مسيرته المهنية إما لضرورة مادية أو ضغط من تلاميذ أو آباءهم أو مسايرةً لما هو سائد و حبّ للتباري فيه أو حب للعمل و العطاء و تقديم الخدمة أو اقتناع داخلي بضرورتها و جدواها في تحسين جودة التدريس و توسيع هامش المدخول. كما يمكن أن يرفضها بشكل مبدأي قطعي و لا يستسيغها في أي مجال أو حال.

إلا أن البداية قد تكون سليمة و خفيفة ثم يوغل فيها الممارس بحيث يصبح له ما يشبه الإدمان سواء من حيث عدد الساعات اليومية الذي قد يتضخّم أو من حيث العائد المادي الذي يصبح كأنه دخل قار ضروري لا يمكن الاستغناء عنه. و بعد مُضيّ أشهر أو سنوات تتغيّر ملامح المُمارس و تتغيّر القناعات و يتغير أسلوب التعامل و تُصاب المصداقية بقصد أو دون قصد خاصة إذا كان المستهدفون منها هم تلامذته في القسم، و قد تتوالى عملية الانحدار و الاندحار، إلى درجة المقايضة بالنقطة الممنوحة أو الإلزام الجبري المباشر أو بيع مكونات الفرض المحروس و غير ذلك مما يقزّز أسماع كل ذي ضمير حيّ من الممارسين للتدريس و يشوّه رصيد الأسرة، أسرة التعليم.
تظهر حملات لمحاربتها تارةً و تقنينها تارةً أخرى و محاولات أخرى لتفعيل الدعم المجاني في المؤسسات العمومية لكنها قليلة التأثير فيما أصبح عادة عند جلّ المُمدرسين و حاجةً نفسية ماسّة و لو لم تكن هناك حاجة ضرورية. و أصبحت تداعيات ما أصاب المجتمع من تفشّي لظواهر الرشوة و الزبونية و المقايضة بالمال أو السلطة أو المصلحة و التي تعم مجالات كثيرة و قطاعات واسعة في فلسفة التعامل البيني بين الناس، أقول أصبحت تداعيات ذلك حتى في التعامل مع التعليم و هنا نجد تلاميذ يطلبون من أستاذهم ساعات إضافية في الحصة الأولى من السنة وقبل أي تعثّر دراسي و نجد أستاذا يخصّص ساعات للدعم في المؤسسة لا يحضرها كل التلاميذ لكنهم يطلبون منه تعويضها بساعات إضافية مدفوعة الثمن و نجد أن هناك من يصف الأساتذة الذين يمتنعون عن الساعات الإضافية بأن مستواهم المعرفي التعليمي ضعيف أو أنهم متكبرون مستغنون و هذه الأمور كلها عايشناها و سمعنا بها من غيرنا.
إنها معضلة كبيرة مركّبة لا تُحلّ بمذكرات و قوانين لكن بدراسة و إصلاح عميق يعمّان منظومة المقررات و مناهج و ساعات التدريس و كذا قيم المجتمع و قيم المهنة.
هناك تعثّرات حقيقية تحصل للمتمدرسين في فصول معينة و مواد معينة و يحتاجون لدعم حقيقي لا يجدون سبيله إلا في ساعات إضافية و هناك تعثّرات حقيقية تحصل بسبب طرق و تعامل غير سليم لبعض الممارسين للتدريس تجعل المُمدرسين مضطرّين للبحث عن البديل خاصة في المواد المتبوعة بامتحان إشهادي و هناك تعثّرات في التعمق و التمكن الكامل من الدرس أو المادة لا تتيحه عدد الساعات الرسمية المقلصة في مقررات مضخّمة و يحتاجون إلى دعم ضروري.
و هناك تعثّرات ناتجة عن بنية التلاميذ الحالية و أقصد بذلك بنية الشخصية التي نقص فيها جانب الاعتماد على النفس و البحث و التقصي عن الحل و بناء الفهم بالمجهود الشخصي و هذا كان في الأجيال السابقة و أصبح نادرا الآن لعوامل كثيرة لا مجال هنا للتفصيل فيها ( وليست بالضرورة لعيب فيها )،  فالتلميذ الحالي يطلب التقنية الجاهزة للحل و الطريقة المباشرة للتعامل مع كل الحالات و يطلب المواكبة في كل المراحل و يقتصر عمله الفردي عموما على إعادة ما أُعطيَه حرفيا.
إن الممارس الحيّ للتدريس عليه أن يمتنع عن إعطاء ساعات إضافية مدفوعة الثمن لتلامذته في الفصل تلافيا للشبهة الدينية و إقرارا لراحة الضمير في العدل بين التلاميذ و لو في النظرة أو الابتسامة فكيف بما قد يترتّب من طرق مشابهة للفرض المحروس أو اهتمام أكبر في الحصة أو تطوّر ذلك دون شعور ( أو به ) إلى ما أشرنا إليه أعلاه من أمور قبيحة يندى لها الجبين.
إن المُمارس الحيّ للتدريس يمكنه إعطاء ساعات إضافية لتلاميذ من غير تلامذته أو لا يدرسون عنده حاليا أو العمل في مؤسسة خاصة بترخيص معلوم و هذا أمر جيد لأنه يزيد في الكفاءة و المردودية لأنه يتدرّب أكثر و يقابل وضعيات جديدة متجدّدة و له فرصة حسنة لتطوير المستوى و تجديد طرق الشرح و الإفهام، كما أن مدخولا ماديا إضافيا يعطي راحة نفسية و اجتماعية، تساعد على العمل و العطاء الأفضل. كما أن هناك من له طاقة إضافية و جسدية في العطاء و كفاءة جيدة في التدريس لا ضير أن يستفيد منها آخرون في نطاق ما أشرنا إليه من قيود نعتبرها ضرورية وفق ما نؤمن به و نعتقده، نضيف إليها ضرورة الانتباه إلى الإجهاد الصحي الذي قد يؤثر على التعاطي مع التلاميذ الرسميين و عدم الإفراط في عددها و تقسيمها على الأسبوع.



تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق