الاثنين، مايو 25، 2015

إلى تلاميذ الباكالوريا: نموذج كتابة نص فلسفي

نشر بتاريخ :

إلى تلاميذ الباكالوريا: نموذج كتابة نص فلسفي


باقتراب أيام الإمتحان الوطني نضع بين أيدي تلاميذنا نموذجا تطبيقيا لتحليل ومناقشة نص فلسفي من إنجاز التلميذة المتميزة ’’لطيفة رامي’’ تخصص علوم فيزيائية,بعد تطعيمه ببعض الأمثلة وإدخال تعديلات لغوية ومفاهمية عليه,لعله يكون منطلقا لتلاميذنا-هنا وهناك- الذين نتمنى أن يجدوا فيه إجابات ضمنية على بعض الإشكالات المرتبطة بطريقة التعاطي مع المقالة الفلسفية عامة (النص,السؤال والقولة).
ونقدم لكم هذا العمل الذي يستحق التنويه,على أساس تقديم أعمال أخرى تخص كيفية التعاطي مع القولة الفلسفية والسؤال الفلسفي في القادم من الأيام.

النص:
’’الإنسان ، بالنسبة للبعض ، خاضع للعديد من إشراطات الطفولة ، فهو ليس إلا المتحدث باسم الدوافع التي تخترقه ، إنه ضحية لتحديدات ( حتميات ) لاشعورية ، فكلام الإنسان هو بالضبط كلام مهموس به أو بعبارة أخرى كلام مهموس له به من طرف "الهو" الذي يعبر عن ذاته في الإنسان عندما يحاول الإنسان أن يعبر عن ذاته.
وبالنسبة لآخرين فإن البنية الإجتماعية هي دوما المحددة في المطاف الأخير . . .
إن الإنسان و قد دُفع في عالم لم ينتجه و لم يختره ، سجين لوضعيته التي تشكل مادة اختياراته ، و قد أغرقته أمواج الإشراطات التي تلحقه ، إن هذا الإنسان يختفي . ماذا سيتبقى من الذات و قد امتصها عالم مناهض يغلفها و يحتويها كليا ؟ ( . . . )
إذا نظرنا إلى هذه المسألة عن قرب ، فيبدو أنها أكثر تعقدا مما يتبادر لنا لأول وهلة . فإذا كان الكائن الإنساني ، و قد أذيب في العالم يجرب عجزه و لافعاليته بالنسبة للنظريات العلمية التي لا تدركه إلا انطلاقا من طرائق موضوعية ، فإنه مع ذلك يجرب ذاتيته ، بعبارة أخرى فإن الكائن الإنساني ، و هو موقن مع التفسير العلمي (لسلوكاته) بأنه لا يفعل إلا ما يفعل فيه ، و من أنه لا يعبر إلا عن مجمل الشروط التي يتلقى ، فإنه مع ذلك يقنع ذاته بأن له شيئا يفعله ، شيئا يبقى عليه أن يفعله’’.
حلل(ي) وناقش(ي) النص.
مرحلة الفهم والتقديم:
يستلزم الحديث عن الو ضع البشري أنطلوجيا,وجوديا , فكريا ووجدانيا استحضار مجموعة من الأبعاد و الشروط التي تحكم وجود هذا الكائن المتفرد ووضعه الوجودي بالقياس لباقي الموجودات الأخرى, منها ما يتعلق بالإنسان كشخص أي كل ما يحيل على العلاقة بالذات إن على المستوى المَاهوي أو القِيمي,و منها ما يرتبط بالآخر من حيث هو غير يشبهني ويخالفني في ذات الوقت,وأخيرا ما يتعلق بالتاريخ في بعده المعرفي الإيبيستيمولوجي وكذا الفلسفي(فلسفة التاريخ). ومادام أن ما يهمنا هنا بالأساس هو العلاقة بالذات فإنه من اللازم التوقف عند مفهوم الشخص كمفهوم مركزي يطرحه النص. إذ يحيل على الفرد في بعده المادي من حيث هو مظهر و جسم, و في بعده المعنوي من حيث هو ذات واعية مسؤولة وحرة تتحدد في الغالب بصفات وخصائص فوق طبيعية(ميتافيزيقية) تميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية الأخرى. ومن الواضح أن مفهوم الشخص قد أثار مجموعة من الإشكالات على إمتداد تاريخ الفلسفة لعل من أبرزها هذا الإشكال الذي يطرحه النص والمتعلق بإشكال الشخص بين الضرورة و الحرية و ما يرتبط به من قضايا وإختلاف في الآراء و الخطابات الفلسفية التي يمكن أن ننفتح عليها من خلال التساؤلات التالية : هل الشخص ذات حرة أم أنه خاضع لإكراهات و حتميات تحد من حريته ؟ بأي معنى يمكن القول أن الإنسان يبقى أسيرا للتنشئة الاجتماعية و لمحددات سيكولوجية ناتجة عن تراكم ذكريات طفولته ؟ ألا يصح القول بأن الإنسان يتمتع بقدر من الحرية , وأنه يستطيع الإنفلات إلى حد كبير من قبضة الحتميات و الإكراهات التي تقيده ؟ ألا يمكن أن يكون عبارة عن مشروع لا يعرف الإكتمال,مشروع مفتوح على إحتمالات لا متناهية ؟ أليست ماهيته تابعة لوجوده كما ترى الفلسفة الوجودية؟ ألا تعتبر فلسفات الحتمية والنزعات الموضوعية (العلوم الإنسانية) تبشيرا بموت الإنسان ونزعا لأبرز سماته التي هي الحرية والإرادة واتخاذ القرار؟
مرحلة التحليل:
بعودتنا لمضمون النص نجد أن صاحبه يرمي إلى إقرار التصور القائل أن الشخص-في الغالب- خاضع لحتميات و إشراطات لاشعورية تفرضها ذكريات طفولته من ناحية, و أخرى يفرضها المجتمع من خلال التنشئته الإجتماعية التي يخضع لها الفرد داخل البنية الإجتماعية المؤطرة لوجوده وفِعله الإجتماعي من ناحية ثانية. فالإنسان ليس حرا في أي شيء يقوم به : كلامه, تصرفاته, طريقة عيشه و تفكيره أيضا ليس سوى نتاج للبنية الإجتماعية ونمط الإنتاج الثقافي السائد,وتعبيرا عن خبايا عالمه اللاشعوري, حيث يُعتبر "الهُو " المُحرك الأساسي لسلوك الشخص.أضف إلى ذلك الجانب الخفي من شخصية الإنسان حيث تربض الرغبات المكبوتة و الذكريات الأليمة و تختبئ في مستودع لاشُعوري حين يستحيل تحققها بشكل مباشر,منتظرة بذلك فرصة لانفجارها وانفراجها بطرق مُقنَّعة مستورة إما على شكل سلوكات لا أخلاقية أو تمظهرات باطولوجية(مرضية)أو أحلام أو هفوات لسان,بل حتى إبداعات فنية وفكرية أحيانا...حسب نظرية التحليل النفسي.
فبالإنطلاق مثلا من حالة ’’سفاح تارودانت’’ الشهير الذي-كماهو معلوم- قتل ما يزيد عن تسعة أطفال بعد اغتصابهم بطرق بشعة,نجد أن التَّتَبُّع الإكلينيكي لهذه الحالة يقول أن الدافع اللاشعوري الذي يقف وراء هذا السلوك الإجرامي المَرضي, إنما هو فِعل الإغتصاب الجماعي القسري الذي كان قد مورس على هذا الشخص(الجاني) في طفولته, ما خلق في نفسه حالة من النقمة السيكولوجية على ذاته(جسده) للدرجة التي أصبح كل طفل يرمُز إلى طفولته ويُذكِّره بماضيه,فتراه يقتل ’’ذاته’’ رمزيا في كل طفل يغتصبه.
وقد أتبتت الدراسات العلمية داخل علم النفس البيدوفيلي أن 80 في المائة من المغتصِبين هم حالات مروس عليها الإغتصاب قهرا في الطفولة. الأمر الذي يدفع الشخص إلى تبني أفعال وممارسات لاشعورية قد تتفجر على شكل سلوكات باطولوجية (مرضية) أحيانا.وهنا نلاحظ أنه تحت سلطة اللاشعوروذكريات الطفولة-التي يشير إليها النص- مُحيت الحرية و الإرادة لنجد أنفسنا أمام شخص ’’مجرم’’ ينفِّذ رغبات وأوامر ’’الهُو’’ لكن بطرق لاشعورية مَرضية.
كل ما يقوم به الإنسان إذن في حياته-حسب هذا التصور- ليس أفعالا حرة بل لا يعدو-المرء- أن يكون سوى خادم و سجين لذكريات طفولته ومتحرك باسم ’’الهو’’ و’’اللاشعور’’ و ليس بإرادته الحرة.
ثم إلى جانب إشراطات الطفولة و الحتمية السيكولوجية يذكر صاحب النص الحتمية الإجتماعية التي يخضع لها الفرد منذ صغره و التي تَلتَهِمُ تَفرُّده وحُريته و تجعله نسخة طبق الأصل لإفراد مجتمعه. هنا يفقد الفرد إرادته مرة أخرى إذ يذوب في الجماعة و يكتسب هُويتها -شخصيتها الأساسية- و يتحرك و يفكر وفق أعرافها و تقاليدها و نمط الثقافة السائدة . فالإنسان ليس حرا في لغته و لا طريقة عيشه أو لباسه ولا حتى معتقده أو أيديولوجيته في الغالب, فهو يولد في بلد لم يختره ووسط أناس لم يختر التواجد بينهم,فتجدهم يفرضون عليه نمط عيشهم ، معتقداتهم,قيمهم... و يبرمجونه منذ الصغر على مفاهيم ومقولات معينه . ما سيجعله فيما بعد قادرا على إصدار أحكام قيمة في حق أفكار الآخرين من منطلقات ذاتية جدا. فإيديولوجية الشخص و حتى نشاطاته اليومية و معتقداته لن تكون-والحالة هذه- سوى نتاج للتنشئة الاجتماعية التي تلقاها من قِبَل مجتمعه وإنعكاسا للبنية الفوقية التي تؤطر المنظومة الثقافية المسيطرة في مجتمعه عامة.
ولكي تكون فكرة التنشئة الإجتماعية هذه أكثر وضوحا وواقعية,دعونا نأخد مثالا بسيطا يوضح مدى قوة الإشراط الإجتماعي الذي قد يمارسه مجتمع ما على أفراده حتى بيولوجيا وفيزيولوجيا.فمثلا نجد أن فردا ’’فرنسيا’’ يجد صعوبة بل مشكلا في نطق بعض الكلمات و الحروف العربية كالحاء التي ينطقها هاء(مُحَمد يُنطقه مُهَمد) مع العلم أن بنيته الصوتية المرفولوجية سليمة, لكن مادام أن حرف الحاء مثلا قليل الإستعمال في لسان مجتمعه الذي نشئ داخله,فسيكون من الصعب عليه نطقه مستقبلا. إذن التنشئة الإجتماعية في هذه الحالة استطاعت أن تَشُلَّ قدرات الفرد وتُعَطِّل مخارج أصوات كانت متاحة مند البداية.وهذا مثال ملموس على مدى قدرة المُجتمع على إشراط أعضائه وعناصره فيزيولوجيا وليس ثقافيا فقط.
من هنا نخلص-مع صاحب النص- إلى أن الفرد ليس حرا في ما هو عليه وما يكونه,وأن كل ما يقوم به في حياته ليس سوى نتاج لإشراطات مجتمعية ثارة و مخلفات ذكريات طفولته و تجاربه السيكولوجية المتراكمة ثارة أخرى. إلا أن الكاتب يعود في نهاية نصه ليؤكد على أنه رغم كون الإنسان يعي كامل الوعي بأنه ليس حرا و أن التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها و الجانب اللاشعوري من شخصيته يعتبران المتحكمان الأساسيان في حياته و أفعاله و طريقة تفكيره, إلا أنه يحاول دوما إقناع نفسه بأنه مازال بوسعه القيام بشيء ما ,أي مازالت هناك حقائق يمكن أن يغيرها,فالإنسان ينزع دائما لإثبات تمتعه بقدر من الحرية و لو كان ضئيلا كما تؤكد التفسيرات والنزعات الموضوعية السوسيولوجية منها و السيكولوجية التي بشرت بموت الإنسان داخل البنى الإجتماعية والسيكولوجية والتاريخية والإقتصادية السياسية... .
البنية المفاهيمية:
ومن الواضح أن هذا التصور الذي عرض له صاحب النص توقف أساسا على جملة من المفاهيم الحاملة لفحواه والمؤطرة لمضمونه والتي نذكر منها مفهوم الحتمية :ويدل عِلميا على مجموع العلاقات السببية الناظمة بين المقدمات والنتائج بالشكل الذي يكون معه الإنطلاق من نفس الأسباب يؤدي بشكل آلي إلى نتيجية واحدة تتكر بتكرار إشراطاتها.وهو يشير في النص إلى التنشئة الإجتماعية و الإشراطات السيكلوجية و دور كل منهما في تحديد ملامح شخصية الفرد و التأثير في أفعاله وتوجيهها, ما يحيلنا على مفهومين آخرين ينتميان بدورهما لنفس الحقل, وهما مفهوم الضرورة و مفهوم الحرية حيث يحيل الأول على الخضوع و الإكراه و انعدام الاختيار, بينما يحيل الثاني على الفاعلية و القدرة على اتخاذ القرارات النابعة من إرادة الفرد الخالصة دون الخضوع لأي ضغوطات خارجية أو حتميات كيفما كان نوعها(بيولوجية,سوسيولوجية أو سيكولوجية..). وترتبط هذه المفاهيم ارتباطا وثيقا بمفهوم مركزي هو الذَّات من حيث هي كيان يدل في الغالب على الجانب الدَّاخلي للإنسان,حيث تستقر مجمل الأفكار و المعتقدات و المشاعر والذكريات والتجارب التي تربط الكائن بماضيه وحاضره ومستقبله,و هو الطرف(الذات) الذي يُمكن أن نتساءل إذا كان يفكر و يعتقد ويقرر بطريقة حرة أم لا. ولعل هذا هو الإشكال محل التحليل والنقاش.
البنية الحجاجية:
وباشتغالنا على تفكيك بنية النص بشكل يجعله أكثر وضوحا,نجد أن صاحبه استعان ببنية حجاجية متماسكة منطقيا ولغويا, استهلها بأسلوب التأكيد حين أكد بداية أن الإنسان ليس سوى مجرد نتيجة لحتميات سيكولوجية لها صلة بما هو غريزي ’’شبقي’’ يتمثل في رغبات ’’الهو’’ هذا الجانب الأصلي والخام الغير مهذب في الجهاز النفسي للشخص. و لتوضيح قوة تأثير البعد النفسي في الشخص,تحدث عن كلام الشخص ليقول أن حتى هذا الفعل البسيط ليس(النفي) نِتاج لإرادة حرة. ليقدم لنا الشخص كدمية لا تملك أية سلطة على ذاتها, بل تتقاذفها من جهة دوافع وإشراطات سيكولوجية و من جهة أخرى تنشئة المجتمع . كما استعمل أسلوب الشرط ليؤكد حقيقة أن الإنسان رغم كونه يعي ’’لافاعليته’’ أمام سلطة المجتمع و اللاشعور اللذان يحكمانه فإنه يُحاول دائما إقناع نفسه بأنه يمكن أن يفعل شيئا ما . كما نذكر كذلك أسلوب الإستفهام الإنكاري, إذ تساءل صاحب النص عن إمكانية بقاء شيء من الذات و للذات وقد نشأت وسط مجتمع طبع شخصيتها وأشرطها بشكل كامل تقريبا.وهو يحاول من خلال سؤاله هذا تبيان الفكرة القائلة أن الذات تذوب كليا في الجماعة و تنصهر معها ما يجعلنا لا نستطيع القول بأن هذه ذات حرة لأنها فقدت كل مميزات ومقومات حريتها بذوبانها في "النحن" الجماعة.
مرحلة المناقشة:
وبعودتنا لمضمون النص-مرة أخرى- نجد أن طرحه ينسجم مع طرح المحلل النفسي سيغموند فرويد الذي كما هو معلوم في أدبيات التحليل النفسي قام بتقسيم الجهاز النفسي للشخص إلى ثلاث مناطق : أولها ’’الهو’’ وهو مصدرالرغبات وخزانها الذي لا ينضب أبدا,إذ لا ينفك هذا المكون الأصلي لشخصية الفرد عن المطالبة بتحقيق رغبات (غريزية ونفسية..) قد تُصَرَّف كسلوكات ’’مُقَنَّعَة’’ غير مفهومة حتى بالنسبة للفرد الصادرة عنه.فغالبا ما تتسم السلوكات الإنسانية بالتعقيد نتاجا لتداخلها وارتباطها بتناقضات مُكوِّنات الجهاز النفسي الغير المنسجمة دوما,ولعل هذه هي نفس الفكرة التي أشار إليها صاحب النص من خلال قوله بأن الإنسان ليس حرا حتى في كلامه المهموس له به من طرف ’’الهو’’ ,وهذا ما يسميه سيغموند فرويد ب"زلاَّت اللسان" . إلا أن فرويد ذهب أبعد قليلا ليطرح مكونين آخرين للجهاز النفسي هما ’’الأنا’’ مركز ثقل الذات البشرية ومحورها, ثم ’’الأنا الأعلى’’ الذي ما هو إلا مجموع القيم الأخلاقية وقد استدمجها الأنا فأصبحت نسقا وكِيانا مستقلا يمارس على الذات ضغطا أخلاقيا يُشكِّل نقيضا تاما لمطالب ’’الهو’’ المَيَّال دوما لتحقيق رغباته وأهوائه بغض النظر عن المكان والزمان(الواقع). وغالبا ما يمثل ’’الأنا الأعلى’’ سلطة المجتمع و التنشئة التي يتلقاها الفرد مند الصغر من خلال ثنائية الثواب والعِقاب ليقبل من خلالها تصرفات و يرفض أخرى,على طراز اختيار مجتمعه و’’مقولاته الذهينة’’,ولهذا صلة بحتمية التنشئة الإجتماعية التي ذكرها النص, لكن سيغموند فرويد قدم هذه ’’الظاهرة’’ في صيغة جزء من الجهاز النفسي للشخص يمثله ’’الأنا الأعلى’’ من حيث هو نسق تستقر فيه معتقدات الجماعة التي تلتصق بالفرد و تحدد مجرى حياته . أما "الأنا" فهو يعبر عن مركز ذات الإنسان ’’المستقلة’’ مبدئيا والتي تحاول جاهدة التوفيق بين رغبات ’’الهو’’ اللاأخلاقية والجامحة,وأوامر ’’الأنا الأعلى’’ المترجمة في الغالب لصوت المجتمع وسلطته. فالأنا يعيش دوما تحت نير ضغط يأتيه من ثلاث جهات, يمثلها الواقع مضافا إليه ’’الهو’’ و ’’الأنا الأعلى’’,وهي مطالب متناقضة دوما يجد ’’الأنا’’ نفسه مضطرا للتوفيق بينها ,وهو عمل ليس بالسهل على الإطلاق,وهذا تقريبا ماعبر عنه صاحب النص في الأخير حيث قال بأن الإنسان رغم أنه متأكد بأن تصرفاته ليست حرة بتاتا بل هي مجرد أوامر يتلقاها من قبل اللاشعور و ناتجة عن تنشئة المجتمع فهو يحاول إقناع نفسه بأنه يستطيع القيام بشيء ما ، لكنه في النهاية يحاول فقط التوفيق بين رغبات أسياده ولا يقوم بأي قرار أو فعل حر رغم توهمه ذلك مثلما يقول فرويد. فألانا يبقى دائما محصورا بين أوامر الأنا الأعلى و ’’الهو’’ والواقع, وكل قراراته لا تنفلت من هذه البنية النفسية الجبارة.
و إلى جانب الحتمية السيكولوجية التي أسس لها سيغموند فرويد مع مدرسة التحليل النفسي من خلال ترسانة من المفاهيم المتداخلة,نجد إلى جانب ذلك حتمية إجتماعية يعتبر عالم الإجتماع الفرنسي إميل دوركايم أبرز ممثل لها. فدوركايم يتفق هو الآخر مع طرح صاحب النص فيما يخص تأثير التنشئة الإجتماعية على الفرد و خضوعه اللاإرادي لها .فهو يقول مثلا:’’أنه وراء الفرد توجد بنية واحدة عُليَا يمكن ملاحظتها تجريبيا و هي المجتمع ، فمن المجتمع يأتينا خير ما فينا و منه تنبع الأشكال العليا لنشاطنا . ما يعني بأن الفرد محكوم عليه أن يعيش وفقا للتنشئة التي تلقاها من قِبل مجتمعه’’ وصاحب النص عبَّر هو الآخر على نفس الفكرة وإن بصيغة مختلفة حين أقَرَّ بأن ذاتية الفرد تذوب في الجماعة لتحتويها كليا ,كما أن تميز الفرد و فرادته تنمحي وسط الجماعة, فالإنسان لايختار كيف يريد أن يعيش حياته لكن يعيشها كما رسمها له المجتمع و يفكر كما أريد له أن يفكر .
ولكن إلى أي حد يمكن القبول بهذا الطرح الذي يجعل من الإنسان أقرب إلى دمى كراكيزية يتم فقط اللعب بها و توجيهها ؟ أليس في هذه التوجهات الحتمية قتلا للإنسان(رمزيا) وإيذانا بموته النهائي؟ ألا يمكن القول بأن الإنسان رغم خضوعه لهذه الحتميات يستطيع الإنفلات منها و التمتع بقدر واسع من الحرية ؟ ألا يكشف الواقع عن تمايز الأفراد رغم خضوعهم لنفس الإشراطات النفسية الإجتماعية؟ أليس القول بالحتمية إلغاء للمسؤولية وضرب من العبث؟
بهذه التساؤلات ننفتح على تصور معاصر شكل ردة فعل قوية على سائر الطروحات ’’الحتمية’’ التي ألغت حرية الشخص وإرادته لحساب قوى إجتماعية ثارة وتايخية نفسية ثارة أخرى. فالفيلسوف الوجودي جون بول سارترو بالإنطلاق من القاعدة الوجودية القائلة: بأسبقية الوجود على الماهية, يؤكد على أن الإنسان يتمتع بالقدرة الكاملة على الإختيار ما دام يوجد في البداية وهو عبارة عن لا شيء ثم يختارما الذي سيكونه في المستقبل بنفسه. فالقول بأنني لا أستطيع الإختيار لأنني خاضع لحتميات هو في حد ذاته إختيار. ففرق كبير بن نمط الوجود للذات الذي يعني الحرية والتحرر ونمط الوجود في الذات الذي يعني التقيد والسكون.فالنمط الأول خاص بالكائن البشري فقط دون غيره أما النمط الثاني فينسحب على سائر الموجودات الغير العاقلة الأخرى. وهنا يمكن أن نلمس وجه الإختلاف الكبير بين أفكار صاحب النص ومعه فرويد ودوريكايم,وأفكارالفيلسوف جون بول سارتر,حيث التصور الأول يقدم الإنسان على أنه عاجز رغم رغبته الملحة على الفرار من قبضة الحتميات ، و الثاني يقدم الإنسان على أنه حر بما للكلمة من معنى . و ينكر جون بول سارتر كذلك تأثير التنشئة الاجتماعية على الفرد و يرى أن الإنسان هو عبارة مشروع منفتح على كل الإحتمالات,مشروع لايعرف الإكتمال ,و أنه قادر في أي لحظة من لحظات حياته أن يغير واقعه كما يريد فهو يبقى المسؤول الوحيد على ماهو عليه و على واقعه و وضعيته ,و ليس للجانب اللاشعوري من شخصيته و لا لسلطة المجتمع أي قدرة على التحكم في حياته إلا من حيث أراد هو، فهو الذي يختار وهو الوحيد المسؤول عن اختياراته . فمثلا من خلال عمله المسرحي ( Huis clos) ينتقد جون بول سارتر النزعة الحتمية إنتقادا شديدا,حيث يقدم لنا ثلاث شخصيات ماتت و تعيش الحياة الأخروية ,و هم يشاهدون حياتهم تمر أمام أعينهم لكن لايستطيعون القيام بشيء ,لايمكنهم تغيير ماضيهم و لا حاضرهم . من خلال هذا المشهد يحاول جون بول سارتر تمرير فكرة مهمة مفادها أن الوحيد الذي لا يستطيع الإختيار و التحكم في حياته هو الشخص الميت, لذا فهو يدعونا جميعا لتغيير طريقة تفكيرنا ، فبالنسبة له لاشيء يمكن أن يقف في وجه حرية الشخص. و لا يعترف بقوة أي عامل كان اجتماعيا أو لا شعوريا في محو حرية الفرد و إرادته التي يعتبرها معطاة لكل شخص إلا ضعاف الشخصية الذين يخافون من اتخاذ القرارات و تحمل المسؤولية و يفضلون الاختباء وراء أعذار وتبريرات واهية كتعرضهم لضغوط وإكراهات من سلطة المجتمع أو اللاشعورمثلا .
خاتمة الموضوع:
ولعل هذا هو ما يجعل الحديث عن الشخص في علاقته بمفهومي الضرورة والحرية حديثا ذو تداعيات وإحالات تتوزع بين طروحات موضوعية تنبأت بموت الإنسان واضمحلاله تحت نير بُنى نفسية وإجتماعية واقتصادية...وبين توجهات لازالت تعلي من حرية الفرد وإرادته,على اعتبار أن حرية الإرادة هي الميزة الوحيدة التي يمتاز بها الإنسان عن باقي الكائنات التي تتقاسم معه الوجود وإلا فما الفرق؟
فواقعنا المعاصر يقول أن الإنسان مسؤول أمام القانون والمجتمع والذات والإنسانية جمعاء, كُلَّما تَعلَّق الأمر بالأفعال الصادرة عنه, وهذا ما يجعله غير قادر على تحقيق حريته إلا في إطار الخروج من التوحد بالذات نحو الإلتزام بمصير الغير.فمفهوم الشخص والإنسان عامة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحقق إلا عبر التحرر من وضعية ’’الكائن’’ إلى ’’الشخص’’ (الإنسان) لتكون أفعاله صادرة عن وعي قصدي يستهدف الإستجابة لنداء الإنسانية والإنخراط في خدمة قضاياها والتفكير بجدية ومسؤولية في مصيرها,فعبر هذا الفعل الإرادي القصدي الذي يتجه نحو خدمة الإنسانية في شخص الغير,يحقق الشخص إنسانيته ويتجاوز وجوده الفردي ككائن ,مثلما يقول الفيلسوف المغربي ’’الحبابي’’.وهذا يقتضي منه دائما أن يجعل من سلوكه قاعدة تشريعية لجميع الناس على حد تعبير إيمنويل كانط.
بالتوفيق للجميع. 
تعليقات
0 تعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق