السبت، أبريل 11، 2015

نحو سياسة اكثر نجاعة لتجاوز ازمة منظومة التربية والتكوين

نشر بتاريخ :

نحو سياسة اكثر نجاعة لتجاوز ازمة منظومة التربية والتكوين 


بـقلم: ابراهيم صبـار



       يعرف المغرب وضعية تعليمية مختلة، إذ لم تعد المدرسة الوطنية قادرة على الاستجابة للتطورات والتحولات البيداغوجية التي يشهدها زمن العولمة. لهذا أمست تقدم منتوجا تربويا رديئا لا يتماشى مطلقا والتحولات التي فرضتها الثورة المعلوماتية وتطور وسائط الاتصال والتواصل الحديثة، فأصبحت بذلك خارج التغطية، ومنغلقة حيث تفتقد كليا إلى الجودة والنجاعة التربوية والبيداغوجية، الأمر الذي جعل المدرسة العمومية تتعرض لموت سريري متواصل لم تستفق منه بعد.


       لا شك أن هذا الواقع التربوي والتعليمي القاتم يثير عدم الرضا والقلق على مصير منظومة التربيـة والتكوين ببلادنا، كما يسمح بإثـارة تساؤلات مشروعة تفرض نفسها علينا من قبيل:

- إلى أين تسير منظومتنا التربوية والتكوينية ؟

- أي سياسة تعليمية ينبغي نهجها لتجاوز هذا الواقع التعليمي المتأزم ؟

1- ملامح الوضع التعليمي الكارثي:


       لا ريب أن المتتبع للشأن التربوي والتعليمي سيكتشف حجم الأزمة العميقة التي تعرفها منظومة التربية والتكوين ببلادنا بحكم تعدد الأعطاب والاختلالات التي تعتريها، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

* التدني الفظيع لمستوى التعلم: يعد هذا التدني أحد المؤشرات الأساسية التي تعكس الأزمة التعليمية، والذي يترجمه الانخفاض المهول لمعدلات التلاميذ، ورغم ذلك يتم إنجاحهم تحت ضغط ما يسمى بالخريطة المدرسية.

* ارتفاع نسبة الفشل المدرسي واللاتوافق الدراسي: هذا الخلل العميق لقطاع التربية والتكوين لا يخدم مبادئ المردودية والنجاعة والجودة البيداغوجية بقدر ما يخدم اختيارات وسياسات الدولة النخـبوية، وذلك بتوجيه التلاميذ المتعثرين نحـو الشعب المهنية والتقنية لممارسة مهن متواضعة ومنحطة.

* ارتفاع معدل الهدر المدرسي: هذه الظاهرة التي أمست ملفتة للنظر يعكسها العزوف عن الدراسة والانقطاع المبكر عنها، حيث يحس التلميذ أنه يعيش داخل حبس كبير مكدس يسوده مناخ تربوي يطبعه التوتر والانفعال الشديد والاصطدام مع الآخر.

* ضعف الموارد البشرية: تشهد المؤسسات التعليمية خصاصا فظيعا من المدرسات والمدرسين في مختلف الأسلاك التعليمية والمواد التعليمية، حيث يزيد حجم الخصاص عن 20 ألف أستاذ.

* غياب العدالة والمساواة وتكافؤ فرص التعلم والنجاح بين أبناء الطبقة الثرية والشعبية، مما يكرس منطق الإبعاد والإقصاء والتهميش الاجتماعي.

       هذه الأعطاب البنيوية التي تطبع منظومة التربية والتكوين والتي تقف كحاجز حقيقي أمام نجاح مسار الإصلاح التربوي والبيداغوجي، قادت إلى وضعية تعليمية كارثية ومقلقة، والتي عكستها التقارير الدولية الصادمة والصادرة عن بعض المنظمات الدولية كالتقرير القاتم الأخير الذي وضعته منظمة اليونسكو، والذي يكشف المستوى المخجل للنظام التعليمي المغربي، إذ تم وضع المغرب ضمن 21 دولة تعتمد أسوأ نظام تعليمي في العالم إلى جانب الصومال وتشاد وموريتانيا.

       فما هي أسباب هذا التردي والانحطاط التعليمي المخيف والمهدد لمستقبل ناشئتنا وبلادنا ؟


2- سياسـة تعليميـة مترنحـة:


       ترتكز هذه السياسة على مخططات وإستراتيجيات عرجاء أكثر دمامة وقتامة تم اعتمادها منذ الاستقلال إلى الوقت الراهن، حيث يطبعها التخبط والارتجال والعشوائية، تتجلى هـذه الإستراتيجيات التي تحكمها الحسابات السياسوية الضيقة والنـظرة التقنوية المحدودة فيما يلي:

* الحد من ساعات تدريس بعض المواد كالرياضيات والفرنسية في السلك الثانوي التأهيلي.

* إلغاء التفويج في المواد العلمية كعلوم الحياة والأرض وعلم الفيزياء.

* اعتماد مناهج تربوية عقيمة غير منفتحة على واقع المتعلمين.

* تدريس المواد المتأخية.



* استنساخ بعض النماذج البيداغوجية الغربية كبيداغوجيا الإدماج.

* اعتماد برنامج مسار الذي يشكل –حسب الوزارة الوصية- آلية تقنية حديثة يتوخى منها إدماج تكنولوجيا المعلوميات والاتصالات تتيح التغلب على مشكلة التقويم كالمراقبة المستمرة والامتحان، وعقلـنة الزمن المدرسي فـي المنظومة التربية، وتعزيـز دور الحكامة في النظام التعليمي.

هذه الاختيارات والإجراءات الهوجاء تمثل انحرافا سافرا عن مبادئ وأسس البيداغوجيا الحديثة التي تقوم على الفعالية والجودة، حيث غابت فيها التصورات الجديدة النابعة من فلسفة تربوية واضحة، فهي لا تتماشى والديناميكية المجتمعية، ولا تساير طموحات وانتظارات المدرسين والمتعلمين على السواء.

إن الشيء الذي يثير السخرية والامتعاض في آن واحد هو اعتبار هذه الإجراءات والتدابير تدخل ضمن ورش الإصلاح التربوي والبيداغوجي، فهذا المنظور الرسمي الخاطئ يضرب فـي العمق رهانات التجديد التربوي والبيداغوجي التي تضمنها الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

يجب ألا يغيب عن بالنا أن هذه التدابير المحافظة تكشف لنا عن الوجه البئيس للسياسة التربوية والتعليمية المعتمدة في المغرب والتي قادت إلى إفلاس المدرسة العمومية، فهذه الاختيارات تؤكد لنا بالملموس أننا بعيدون عن الحكامة التربوية بملايين من السنوات الضوئية، فهي تمثل فقط أساليب مخادعة ومناورات خفية ترمي إلى ضرب المكتسبات العديدة التي حققتها المدرسة العمومية.

هذه الاختيارات المرتجلة لم تمكن من إزالة كل معيقات التعلم، ولم تستطع تطوير العملية التعليمية التعلمية وتأهيل المدرسة المغربية ودمقرطة الحياة المدرسية بإقرار مبدأ الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص بين المتمدرسين، فالمتفحص في هذا الاختيارات يجد أنها إجراءات يطغى عليها التسرع والعبثية والارتجالية، كما تعتبر تعبيرا صارخا عن ردة تدبيرية صارخة انعدمت فيها الرؤية الاستشرافية، الشيء الذي يزيد من تعميق الأزمة التعليمية.

       فما السبيل الناجع للخروج من هذه الأزمة البنيوية ؟





3- رهان التجديد التربوي والبيداغوجي:


       لا شك أن هذه الإجراءات الفوقية التي تطغى عليها الانفرادية والتغييب الشامل للمقاربة التشاورية والتشاركية، تمثل وصمة عار في جبين الجهات المسؤولة، إذ تدخل في إطار التاكتيك الحكومي الممنهج الرامي إلى احتواء الإصلاح التربوي والتغيير البيداغوجي وتكريس سياسة التحكم في الفضاء المدرسي والإجهاز على حقوق المتعلمين والمدرسين على السواء.

       يمكن القول إذن، أن الوضعية التعليمية الكارثية وأزمة المنظومة التكوينية وليدة قرارات عرجاء واختيارات لاتربوية تعاكس المنطق البيداغوجي الحديث، فهذه الوضعية الكارثية تحتاج إلى وقفة تأمل ومراجعة شاملة من أجل إيقاف النزيف، وإلى نهج سياسة تربوية أكثر نجاعة تستند إلى مجموعة من المقومات ومن أبرزها:

* التوفر على إرادة سياسية فعلية ومتحررة.

* التمتع برؤية شمولية للإصلاح التربوي والتعليمي.

* المراجعة الجذرية لكافة الاختيارات والإستراتيجيات التعليمية بغية تحقيق التحديث التربوي وتجويد الفعل التعليمي وإعادة الثقة في المدرسة العمومية.

* الابتعاد الكلي عن الهواجس التقنوية والمقاربات السياسوية الضيقة في الإصلاحات التربوية والبيداغوجية.

* اعتماد المقاربات التشاورية والتشاركية مع الفاعلين الأساسيين والمباشرين في الحقل التعليمي.

* التخلي عن كل الاختيارات اللاديمقراطية واللاشعبية التي تمت صياغتها في جنح الظلام داخل دهاليز الوزارة الوصية المظلمة، والتي تمثل مخططات استئصالية والتي أفضت إلى وضع منظومة تربوية وتعليمية عليلة طبعها الانحراف عن مقومات وأسس التصورات البيداغوجية الحديثة.

* رسم معالم خريطة تربوية واضحة المعالم يحكمها منطق الديمقراطية والعدالة والمساواة.



خلاصة القول أن بلادنا في حاجة ماسة إلى منظومة تكوينية ناجعة ونابعة من تصور شمولي متكامل للإصلاح البيداغوجي لإخراج المدرسة العمومية من مستنقع الإفلاس. 
تعليقات
0 تعليقات