الأحد، مارس 15، 2015

تحليل قصة الورقة بعشر ليوسف إدريس

نشر بتاريخ :

تحليل قصة الورقة بعشر ليوسف إدريس

تحليل قصة الورقة بعشر ليوسف إدريس

«كان صلاح زوجا، وكانت له ابتسامة، ليست كالابتسامات الحية تولد طفلة طازجة وتتفتح فجأة على الوجه ثم تزول، ابتسامة كانت لا تظهر ولا تختفى ولا تولد أو تموت، ولكنها محنطة على وجهه كالمومياء... وكانت بالضبط تعبر عن حياته فهو الآخر يحيا كالمومياء المحنطة، أو على الأقل كان هذا رأيه فى نفسه، فهو زوج، وهو كمعظم الأزواج ساخط على الزواج، يحس أن حياته المملة الرتيبة تقتله تميت فيه الحياة بالتدريج. 


ولهذا كانت أمانيه...([1]) 

وهز رأسه وحسرات كثيرة تتبعثر من فمه ومن قلبه. مستحيل. كيف يحتفل بعيد زواجه من "روحية" وكيف يهديها شيئا هى التى لم تفكر فى إهدائه إلا الكلمات السامة المنتقاة، والسخطات التى لا رحمة فيها ولا عاطفة؟! 

وهكذا لم تطل حسراته، فقد أعاد العشرة جنيهات إلى الخزانة وأغلق أدراجه. وكان موعد الانصراف قد حان، فأخذ طريقه إلى الباب، والشارع، ومن ثم إلى البيت وهو يحس بمغص حاد ينتاب قلبه، ومرارة تملأ نفسه، وكأنه ذاهب لقضاء بقية اليوم فى السجن المؤبد الذى عليه أن يقضى بقية عمره فيه! 

ولكنه طوال الطريق كان يفكر فى الورقة ذات العشرة جنيهات، والإهداء الذى كتبه عليها ويقول لنفسه: نعم... لابد أن هناك حياة أخرى... حياة مليئة بالهدايا، والحفلات، والبسمات. ومع أنه كان فاقد الأمل فى حياته تلك وزوجته، إلا أنه لم يمنع نفسه من تمنى شيء... أن تكون "روحية" قد تذكرت المناسبة وأعدت له مفاجأة، أو على الأقل استعدت لتحتفل بالعيد. 

غير أن المفاجأة التى كانت تنتظره، أنه لم يفاجأ بجديد!.. فما إن فتح الباب حتى طالعه صراخ الأولاد، وحتى طالعته "روحية نفسها واقفة فى وسط الصالة، وشعرها واقف أيضا، وهى تحاول أن تضرب ابنه الأصغر، والولد يصرخ، وهى تصرخ، والجدران تهتز وتستغيث، والأبواب تتخبط، ورائحة القلى والطبيخ تتصاعد كالغازات السامة والمدرة لليأس والكآبة، والأطفال يتعلقون برجليه ويتعثر فى أرجلهم، وألف مشكلة وكارثة ومطالبة لابد تنتظره! 

إنها خانقة، تلك الحياة، وتلك الزوجة، ألا تعرف ما هو اليوم؟ أجل، اليوم، اليوم يوم عشرة، واللبان لم يأخذ نقوده، وبائع الثلج والأولاد جننونى ولا شيء آخر؟ لا شيء إلا الهم والغم والدروس التى يجب ان تأخذها بنتك قبل الامتحان لتنجح. إنه يكرهها.. إنه لم يعد يشتهيها، ولا حتى صديقة يأنس إليها. ما الذى يربطه بها وكل ما بينهما حرب مستعرة مستمرة وخلاف يتجدد فى كل ثانية. كل يوم يفكر عشر مرات فى طلاقها أو الانتحار، وكل يوم لا يطلقها، ولا ينتحر. وكل يوم يفكر فى حياة جديدة وزواج جديد، وكل يوم لا ينفذ حرفا واحدا من القرارات الحازمة الباترة التى اتخذها! كل يوم يفكر حتى فى خيانتها، وكل يوم لا يخونها. ما الذى يربطه بها، حتى الأولاد، إنه يكرههم من أجلها، ويكرهها أكثر من أجلهم، ومع هذا لا يتركهم جميعا و(يهج)، ولا يتركونه، ما الذى يبقى هذه العائلة السخيفة متماسكة، وكل ما فيها يتنافر مع كل ما فيها. الخلاف البسيط يؤدى إلى نقار، والنقار إلى شجار، ثم يتطور الأمر ويغادر المنزل غاضبا، وحين يصل السلالم تخرج له الزوجة، وتقطع الشجار وتقول: 

- إياك تنسى تشترى البزازة؟ 

ويخرج وهو مصمم على ألا يعود بله أن يشترى البزازة. ولكنه ما إن يلمح أجزخانة حتى يتوقف، ثم يتصور خيبة أملها حين يعود بلا بزازة فيدخل ويشتريها. لماذا يشتريها؟ ولماذا وكل ما بينهما حرب يراعى شعورها، وتراعى أحيانا شعوره؟.. ما كنه تلك العلاقة الغريبة التى تجمعهما. لماذا يستسلم لتلك الحياة، لماذا لا يبدأ حياة جديدة، لماذا لا يبدؤها فورا والآن؟ 

ولكنه لم يبدأ شيئا أبدا، فقد دخل كالعادة وحل بعض المشكلات وعقد بعضها وتبودلت بضع زغرات وتلميحات وشتائم، وتغدى، وكالعادة نام. وحين استيقظ بعد الظهر كان قد نسى كل شيء عن 10 مايو وعيد زواجه، والعشرة جنيهات وكلماته المكتوبة فوقها بخط أنيق. 

*** 

ومرت الأيام وهو لا يحس بمرورها، فمن يوم أن تزوج لم يعد يحس بالزمن، وكأنما فقد ذاكرته حتى أنه لا يذكر ماهية نفسه قبل الزواج وكأنما وعى فوجد نفسه زوجا!.. مرت الأيام وهو دائب الإحساس أنه يذوب ويذوب، ويفقد ذاته ونفسه، حتى فوجيء ذات يوم بشيء استغرب له جدا. 

كان يفحص مبلغا واردا إلى البنك، وإذا به يعثر على ورقة من ذات العشرة جنيهات مكتوب على دائرتها البيضاء: "إلى زوجتى العزيزة... بمناسبة عيد زواجنا الخامس". ولم يكن الخط خطه. 

واحتجز الورقة وظل يقرؤها ويضحك من أعماقه. كان أحدهم لا ريب قد ساقت إليه الصدف الورقة التى كتب عليه الإهداء فظن أن أزواجا صالحين يهدون زوجاتهم أوراقا كتلك فى أعياد زواجهم، ففعل مثلهم، وكانت النتيجة هذه الورقة. 

ظل يضحك ويلعن الزوج المغفل الذى صدق النكتة. وبعد أن انقشعت موجات ضحكه أحس بشيء قليل من الندم، فقد أدرك أنه بطريقة أو بأخرى قد خدع ذلك الزوج، وأنه قطعا مسئول إلى حد ما عن تلك الخدعة الجديدة. 

* * * 

غير أنه بمرور الأيام تضاعف ضحكه وتضاعف تأنيبه لنفسه، فقد تبين أنه لم يضحك على زوج واحد فقط، ولكنه خدع كثيرين، فقد وجد إهداءات كثيرة مكتوبة على أوراق بنكنوت من ذوات العشرة والخمسة، ولم يعد يستطيع كتمان الأمر على زملائه فأطلعهم على الأوراق وحكى لهم القصة وهو لا يتمالك نفسه. وطبعا ضحك الزملاء كثيرا، وتبادلوا الضربات على الأكتاف، وقال أحدهم إن أعظم زوجة فى العالم لا تساوى قرش صاغ واحد فما بالك بعشرة أو خمسة جنيهات؟! 

وأصبحت المسألة مصدرا لا ينضب للضحك فما يكاد يرد إلى صلاح ورقة عليها إهداء حتى يشير بالورقة إلى زملائه من بعيد وكأنما يقول: وآدى مغفل جديد!.. 

ولكن عدد المغفلين كثر بشكل أفقد المسألة ما كانت تثيره من ضحكات، بل كثر بشكل أزعج "صلاح" نفسه، لقد قرأ يوما إهداء وكان موجها من زوجة إلى زوجها. وأصبح تأنيب الضمير على الخدعة التى ابتكرها لا يكفى. أصبح لابد من التفكير، ما هى حكاية هؤلاء الناس؟ وهل هى مجرد محاكاة لما فعله، أو لابد أن فى المسألة سرا خطيرا لا يدريه؟ 

وكان عليه لكى يكتشف السر، إن كان هناك سر، أن يجرب... وبهرته الفكرة، وأحس لها بحماس([2]). 

* * * 

كان يوم 10 مايو قد اقترب، وعام جديد قد أضيف إلى عمر زواجه، فلماذا لا يفعلها ويجرب؟ أجل، فليجربها فى عشرة جنيهات. ولكن تفكيره ما إن حوم حول الرقم حتى هبط حماسه فى التو.. عشرة جنيهات؟ إنها تكاد تبلغ ثلث مرتبه أو نصفه. إذا كان لابد من التجربة فليجربها فى جنيه مثلا. ولكن، أيصح أن يهدى زوجته جنيها واحدا فى عيد زواجها. المسألة حتى من الناحية الشكلية محرجة، ولكنه إذا نظر إليها من الناحية الأخرى فإنه لا يمكنه أن يهديها عشرة جنيهات مرة واحدة، فهو لا يهدى زوجته، إنه يهدى غريمه. فلتكن خمسة إذن، تكفى خمسة... إنها كافية جدا. 

وهكذا جاء يوم 10 مايو، وجاءت الساعة الثامنة منه، "وصلاح" عائد إلى البيت وفى جيبه الورقة والإهداء على دائرتها البيضاء حبره لم يجف بعد، وكل ما يحسه هو الفرحة لأنه مقبل، فى حياة قاتلة الملل، على تجربة جديدة، وحب استطلاعه يكاد يطل من عينيه، إذ ترى ماذا ستفعل "روحية"؟ وهل يغمى عليها. 

* * * 

وكالعادة فتح الباب، وواجهه سوق روض الفرج المعتاد، وبعد أن تم الغداء والحساب والعتاب، ناداها على حدة فى غرفة النوم، ومع هذا أصر ابنه المتوسط على عدم مغادرة الحجرة وأمسك بروب أمه واستمات عليه. وظل "صلاح" يتعثر نصف ساعة فى كلمات لا معنى لها، ثم أخرج الورقة ذات الخمسة جنيهات، ووضع الدائرة البيضاء أمام عينيها لترى الإهداء. 

وبدأت الصدمة واضحة على ملامحها، وظلت واقفة فى مكانها لا تتحرك. كان لسانها أول ما تحرك فيها، وأول ما فعله اللسان أن فتح له محضرا طويلا عريضا. وراحت تسأله وتضيق عليه الخناق لتعرف من أين جاء بالخمسة جنيهات وميزانيته كلها تعرفها بالمليم والصلدى.. وقال لها إنه استلفها لتخصم على شهرين من مرتبه. ومعنى هذا أن ينقص إيرادهم فى الشهرين القادمين. وهكذا شبت النار، وبعد لحظات قصار أصبح الحديث اتهامات متبادلة، وشتائم وتهديدات، وإيمانات مغلظة، خرج على أثرها "صلاح" من الحجرة غاضبا لاعنا تاركا الجنيهات الخمسة تنعى من أهداها. 

وجلس فى الصالة يغلى وينفخ.. لا فائدة على الإطلاق. إنها حرب لا هوادة فيها. إنه عسكرى فى جيش وليس زوجا فى بيت، إنه لا عمل له إلا الدفاع عن نفسه، والحرب أذابته وهدته وأتت عليه، حتى العسكرى يحظى بهدنة وراحة، أما هو فمعركته لا تتوقف. 

وبينما هو يغلى وينفخ، كان عقله يعمل ويحلم. أجل، لابد أن هناك حياة غير تلك، حياة رحبة، لا قتال فيها ولا خناق ولا ملل، حياة مليئة بالبريق وبالرائع الجديد ولا ينقصها سوى الجريء الذى ينهى حياته وجبنه، وينطلق إليها. وبوغت حقا حين رأى "روحية" قد خرجت من حجرة النوم، ووقفت قبالته على بابها لا تتحرك والورقة فى يدها. ورمقها وهو يلعنها([3]). 

لم تضع وأنها على أية حال باقية فى البيت. ولكيلا يلعنها - فقد أصبح يضايقه حتى أن يلعنها - حول وجهه عنها. غير أنها سألته وهى واقفة من بعيد إن كان (ويحلم، أجل، لابد أن هناك حياة غير تلك، حياة)([4]) جادا حقا فى كلامه وإهدائه. وطبعا زفر ولم يجب. ولكنها ظلت تلاحقه بالسؤال، ولأنه يعرف أنها إن صممت على شيء فلابد أن تعرفه ولو فرقعت مرارته وحطمت رأسه، فلكى يخلص منها قال لها: 

- أيوه ياستى هدية بحق وحقيق.. بمناسبة عيد الزفت زواجنا! 

وفوجئ حين وجدها تنخرط فجأة... لا ليس فجأة فقد حدثت فى وجهها تغييرات متوالية مضحكة وانقباضات وانبساطات وتجعيدات، ثم انخرطت فى بكاء ضاحك. تضحك وتبكى، وتضحك، وشعرها منكوش، وروبها مفتوح، والولد لا يغادر مكانه بين ساقيها... 

وأخيرا قالت له إنها قد أعدت له هدية هى الأخرى. إيه ياستى. وناولته الورقة. وتحت إهدائه وجدها قد كتبت: إلى زوجى العزيز([5]) المحب بمناسبة قراننا... من المخلصة جدا زوجتك. 

وفرت الدموع فى الحال من عينيه. لا لأن ما كتبته كان غريبا ولكن لأنه صدر منها وبخطها. ما أروع كلماتها. إلى زوجى العزيز الغالى، حتى أن([6]) أخطاءها الإملائية حتى إمضاءها، حتى طريقتها الساذجة فى التعبير عن نفسها، ولو كانت أجمل امرأة فى العالم هى التى كتبت له هذا لما بدا أروع من كلمات "روحية"، روحية ذات الخرابيش والصوت الحاد اللافح، إنه شيء لا يحتمل، أبدا لا يحتمل. 

وأخذها على كتفه وقبلها. واحمر وجهها جدا وهى تقبله، ربما كانت هى أولى قبلاتها له. وربت على كتفها وربتت على ظهره، وبكيا، وتعانقا وكما يضيء البرق فجأة تزاحمت الخواطر فى عقله. إن حياته معها كره فى كره وخلاف فى خلاف ومواقع إثر مواقع هذا صحيح، ليلة أن صفعها مثلا وخربشته بأظافرها وتدشدش طقم الشاى، ليلة أن اختلفا حول اسم "تامر" ليلة أن اصطدمت بالمرحومة أمه، ألف ليلة وليلة من الألم القاسى الممض. العجيب أنه لا يحس شيئا من هذا الآن، وكأن الألم فى حينه يصبح ذكرى بعد حينه فكل ما يحسه الآن أنه كان شابا وأنها كانت صغيرة وأنهما كانا طائشين، وما أعذب الطيش حين تمضى أيامه ويصبح مجرد لحظات تستعاد. إن الخلاف ينفر ولكن العجيب أن خلافاتهما كانت تقربهما أكثر. والخلاف يقولون إنه يخرب البيوت والخلاف عمر بيته، فقد كان لهما حجرة واحدة والآن عندهما ثلاث، ولم يكن هناك أولاد، والآن لهما أربعة. وحين تزوجها لم يكن معه إلا التوجيهية والآن معه البكالوريوس، وهى تزوجته وهى مدللة لا تعرف سوى قلى البيض وتخطيط الحواجب والآن بشهادته أمهر خياطة وطباخة، وكانت بالكاد لا تقرأ إلا "حواء"([7]) وهى الآن تناقشه فى السياسة وتبزه، تلك التى يعتبر نفسه ضليعا فيها. 

ألف خاطر عن له، لو كان قد تزوج مطيعة لا ترفض له رغبة أو طلبا لما تحرك من مكانه وموضعه ولما تحركت هى الأخرى. إنه مغفل. أيكون ما يعيش فيه هو سعادة الواقع وهو لا يدرى. إنه كان يفكر دائما كأحد طرفى الخلاف ولكنه أبدا لم يفكر كزوج لابد له من زوجة ولا تتم سعادتهما إلا معا، ولا يسعد الشخصان معا إلا إذا اقتربا، ولأنهما إنسانان وشخصيتان فإنهما إذا اقتربا احتكا واختلفا ونتج عن احتكاكهما موجات من الرضا والغضب والسخط والألفة والحب والكره. 

أتكون هذه الموجات هى نفسها السعادة التى طال سمعه عنها. أتكون كالشرر لا يحدث إلا إذا طرق الحديد بالحديد والحجر بالحجر. تلك المرأة التى يضمها بين يديه الآن، رفيقة العمر، التى صاحبته لحظة بلحظة وساعة بساعة، لابد أنها كانت تقاسى مثله وكانت تكرهه مثلما يكرهها، وتحملته مثلما تحملها، وكل ذلك قد مضى، ويمضى، ويصبح ذكريات أهم ما فيها أنها مرت وطعمها الآن من طعم العمر المولى ألذ وأطيب وأمتع طعم. إنها الآن بين يديه ضعيفة، مستسلمة، قد أسعدتها هديته البسيطة إلى درجة البكاء والنشوة. 

ألف خاطر وخاطر، وعاطفة قوية مبهمة تتفجر فى نفسه، وإعزاز غريب مفاجيء لروحية يكتشف أنه يملأ صدره. أيكون كل ما كان بينهما من خلاف وتعنت وكره هو الحب، الحب الأكبر. أكان من حمقه يحلم بالحياة السعيدة الأخرى والحياة الأخرى هو فيها، ويفكر فى الهجرة إلى دنيا جديدة وهو يغمض عينيه عن دنيا الحقيقة الجديدة([8]) ويقول إن إنهاء حياته الخاملة تلك فى حاجة إلى شجاعة. والشجاعة هى أن يتقبل حياته هذه ويؤمن أن "روحية" زوجته والأولاد والبيت بيته وهو دعامته والمسئول عنه. 

ألف خاطر وخاطر، وهما واقفان، بين دهشة الأولاد، متعانقان وكأنهما كانا غائبين لعشر سنوات مضت، وكل هذا بغلطة، بلفتة، بنكتة، بكلمات قليلة على ورقة. 

* * * 

ولم تكف أوراق البنكنوت ذات الإهداءات عن الورود لصلاح، مكتوبة على أوراق من فئة العشرة والخمسة والجنيه والخمسين قرشا فى بعض الأحيان. وكلما قرأ "صلاح" الإهداء وتأمل اللحظة التى لابد سبقته واللحظة التى أعقبته، كانت سعادة غامرة تملأ جوانحه، وكأنه اخترع اختراعا للسعادة البشرية أو اكتشافا، ولفرط سعادته باكتشافه حاول ذات يوم أن يبدأ فى عد الأوراق ذات الإهداءات ليعرف كم من السعادات تسبب فيها وأحدثها. 

ولا يزال "صلاح" إلى الآن يعد، ويبدو أنه لن يتوصل أبدا إلى معرفة الرقم الصحيح، فالأوراق لم تكف أبدا عن الورود!». 

*** *** *** 

غلب على تعديلات يوسف إدريس أن تكون تصحيحات لغوية ومفاضلات أسلوبية، ومر أنها قد تبدو أحيانا تدخلات نشر كان يتقبلها مرغما، ويكشف تأمل بعض هذه التعديلات عن كون دافعها فنيا فى المقام الأول، مثلما يتضح من النظر فى قصتى (حلقات النحاس الناعمة) و(القديسة حنونة). 

أشار «كربر شويك» إلى الشبه الواضح بين قصة (حلقات النحاس الناعمة) التى غير إدريس عنوانها إلى (دستور يا سيدة) - وقصة (كان طفلا فصار شابا) لمحمد تيمور([9]) وهما متشابهتان بالفعل، لكن دلالة التعديلات تفوق محاولة التمويه على التأثر بقصة تيمور أو تقليدها، ولننظر فى الإضافات - فحسب - التى أضافها إدريس إلى نص (دستور يا سيدة): 

- «تغمره وتغسل وجنتيه وتلعق أجفانه، ولفرط رغبتها تستعذب طعم الدموع». 

- «قريبا من رأس السلم المؤدى إلى شقة السطوح حيث يقطنون، انزلقت يده التى تسندها وتحتضنها. متحسسة الظهر.. يد اكتسبت - بطول الاحتكاك - بعض الجرأة» 

- «وتضمه وكأنما لتعيده إلى حيث يجب أن يكون، إلى بطنها وذاتها» 

- "لكن جوع الجلد إلى الجلد، جوع الضلوع إلى الضلوع، وظمأ الفم إلى الفم، والسيقان لتلتف حول السيقان، كان هو الذى كل مرة ينتصر، ويقهر". 

- "فجأة يثور فيه الشاب فيحتوى الرقبة ويقبلها قبلات شابة محمومة. وبحسم تهمس: 

- عيب أنا زى أمك.. أنا.. ولادى أكبر منك.. أنا جدة والله.. 

فلتكونى جدة أو جنية فالمهم أنك الآن أمامى أنثى. وأنا الذكر حتى ولو كنت أمى نفسها وأوصلتنى إلى هذه الدرجة فلا تتوقعى أبدا أن تجدى فى الابن". 

- "ظمآن إلى المرأة من زمن.. أما أو أنثى. لم يعد يكفيه أن يطوقها أو يرقد ساكنا فى حضنها وإنما يقترب منها بكل ما يستطيعه من اندفاع كى ينتمى إليها كما يذوب فيها ويتلاشى وكأنه الكوكب يعود بعد طول دوران إلى أمه النجم". 

إن الإضافات كلها - وفى القصة تعديلات كثيرة بالحذف وإعادة الصياغة - تصب فى مجرى المغزى الجنسى، وإعلاء الدافع الغريزى بين الفتى والسيدة، بعدما كانت القصة تتجه نحو إبراز الدافع التعويضى لفقدان الأم، وهى بهذا المعنى تكاد أن تكون كتابة أخرى لقصة (القديسة حنونة). 

نشر يوسف إدريس قصة (القديسة حنونة) فى الجمهورية عدد 14 يناير 1968، ثم قام بتعديلها ونشرها بعنوان (جيوكندا مصرية) فى الأهرام عدد 8 مارس 1974. وليس السبب فى التعديل، كما رأى الناقد فاروق عبد القادر، هو الرغبة فى إحكام السيطرة على القصة التى تخترق تابوها دينيا هو العلاقة بين مسلم ومسيحية([10]). لأن إدريس تناول الفكرة نفسها بجرأة أشد فى رواية (الحرام)، إضافة إلى أن ما قام به من تعديل لم يتطرق إلى صلب الفكرة للتخفيف من أثرها، بل على العكس تماما، أراد بما أضافه للقصة من فقرات شعرية السرد وبالغة العذوبة أن يزيد تأثير الموقف الخارق الذى حدث بين المراهقين، فقد اقتصر فى النص الأول على القبلات، ولما "أدرك" محمد، واحتضن حنونة، حضر الأب. أما فى (جيوكندا مصرية) فالموقف الغريزى مكتمل رغم اختلافهما فى العقيدة، كأنه أراد أن يقول إن قانون الروح أقوى من العقيدة ذاتها، وأبقى من وصاية المجتمع. 

لم تخفف التعديلات فى نص (القديسة حنونة) من ظهور العقدة الأوديبية فى القصة، بداية من صورة الأم الحاضرة الغائبة، والأم البديلة حنونة، ثم صورة الأمومة المشرقة فى "العذراء" وهى تحتضن الطفل الجميل عيسى بسعادة وحنان، وأخيرا صورة الأب الضعيف "جسديا"، بفقدان الساق عند والد محمد، والتهابات العين عند والد حنونة. وبالمثل صورة المعلم الشيخ مصطفى وسيقانه الرفيعة كأعواد الكبريت، لذلك كان "الفحل" الوحيد فى القصة زوج حنونة، الصعيدى الضخم، والشره الشهوانى ذو الشارب الأسود الكثيف. 

لم يكن "محمد" فى البداية منتبها لدوافعه الغريزية، تنتابه الحيرة لتتبعه "حنونة" كظلها، هل هى "محاولات أكثر لإدراكه أشياء أخرى عن هذا الدين" أم استسلام لفتنتها التى "تحيل كل ما تصنعه إلى حدث براق ممتع رقيق مثير"؟! وتواجه العلاقة البريئة بفروق اجتماعية وحدود معقدة: هو ولد وهى بنت، هو مسلم وهى مسيحية، هو ابن مهندس الطلمبات، وهى ابنة كبير الأسطوات، وأخيرا - ودائما - كلام الناس الكثير رغم أنهم فى هذا المكان النائى قليلون. 

بدأ الخطر يواجه العلاقة من قبل "الأم"، أم محمد، فقد شكت للأب، والأب خاضع لها منذ قطعت ساقه، وكأن الساق المفقودة انتقلت للأم فزادتها قوة وسيطرة وعصبية. وما يجذب محمد إلى حنونة شيء غير إرادى، غريزى كالجوع والعطش، ومكان اللقاء بينهما عند "الهدار" البئر العميقة 
أو البئر "الأم" التى تصب فيها مياه المصارف الكبرى، وتأخذ عنها الطلمبات الماء لترفعه إلى مستوى منسوب البحر، البئر التى يهدر فيها الماء، ويصنع دوائر مخيفة يمكن أن تبلع الرجل فلا يبين له أثر. 

يوجد فى القصة مشهد ساحر يختزل دلالتها كاملة، وهو مشهد حنونة كما تبدو من النافذة فى ضوء الشمس. الشمس رمز لمنبع حرارة الرغبة، وفى وقت العصر هدأت حرارتها لتصبح "مجرد مصباح أصفر رقيق يضيء الشباك" وغرفة حنونة. اللون الأصفر يوحى عادة بالمرض والضعف، وهو هنا ممثل للرغبة، ووجه حنونة "شمس أخرى، شمس منكفئة الجبهة، مختبئة". 

كانت "حنونة" فى البداية مصبا لحرارة الرغبة الغامضة، الحرارة التى كانت كحرارة الضوء تكاد ألا تحس، ثم أصبحت شمسا، أى مصدرا لحرارة الغريزة عند "محمد" دون أن يدرك هو ذلك، لكنها أدركته، لذلك كانت منكفئة الجبهة، صامتة، واجمة، فهى فى أعماقها مضطربة من اكتشاف دافعها، وتشعر بالخجل منه. 

حتى هذه اللحظة كان "محمد" يتحرك تجاهها بدافع غريزى طفولى، لهذا كانت صورتها "بالضبط صورة العدرة، العدرة مريم" لقد تحركت الارتباطات القيمية فى وصف "حنونة" حول صفات البراءة والنقاء والعذرية والأمومة، كما تجلت فى المثال التاريخى للأم. ثم برز التغير الدافعى بوضوح تام من خلال المقابلة بين تشبيه"محمد" لحنونة بالعذراء فى المشهد الحاضر وفى مشهد آخر فى الذاكرة. 

كان "محمد" فى المشهد القديم مفتونا بصورة "العذراء" وهى تحتضن ابنها "عيسى" وكانت رغبته آنذاك أن يرتد طفلا بين أحضان "حنونة"، لتسعد هى به سعادة "العذراء" بعيسى، ويسعد بها سعادة "عيسى" بأمه. لكن المشهد الراهن يختلف، فلم يكن فى ذهنه أن يرتد طفلا تحتضنه "حنونة" بل أن يحتضنها هو بحنان ورفق حتى يحتويها تماما، وحتى تتحقق الرغبة الملحة - وهى رغبة متكررة عند كثير من شخصيات يوسف إدريس - فى أن يصغرها ويدخله "بطريقة ما" فى صدره لإسكات الإحساس المستمر بالرغبة "فى الاقتراب منها والالتصاق الدائم بها". 

وانزاحت الغمامة التى كانت تحجب العيون عن الرؤية وانتابتهما معا.. "حمى التعرف المجنون والاستحواذ والمتعة والاكتشاف".. عذراء وعذرى تحولا إلى امرأة ورجل فى لحظة صاخبة بنشوة المعرفة، ثم هدأ كل شىء.. "كأنما الماء فى الهدار بهدوء شديد بطؤت حركته، وضحلت حفرته، وآب إلى سكون". 

وجاء "الأب" فى لحظة الخجل، الأب.. "الطويل الرفيع ذى العينين المتعبتين دائما" فى مواجهة استخذاء "محمد" وانتظاره العقاب. وجاء العقاب سريعا، وتم ترميزه أيضا بإضافة قضبان الحديد على مشهد وقوف "حنونة" فى قلب مربع النافذة الأصفر. 

تصلح القصة لقراءات متعددة، قد تختلف معها وجهات النظر، لكنها تظل فى الجميع لؤلؤة بعقد إدريس، إذا تجاوزنا عن اضطراب السرد أحيانا، والخلط فى اسم الفتاة بين حنونة وعفيفة، معتبرين ذلك، وغيره من أخطاء لغوية وأسلوبية، مما يرد عادة فى أية مسودة، ومفترضين احتمال اكتمالها لو كانت محاولة إدريس لكتابتها مرة أخرى قد تكررت قبل رحيله. 

وفيما يلى نص (القديسة حنونة) مع رصد الاختلافات بينه وبين نص (جيوكندا مصرية) وثبت كلمتى: حذف وإضافة فى موضعهما، ليعنى ما عداهما: إعادة صياغة. 



(1) حذف من (قصة منسية) ما يلى "وأحلامه تدور حول شىء واحد، معجزة تحدث وتغير من هذه الحياة البليدة الممضة التى يحياها، أجل. ما أروع أن يبدأ الإنسان حياة جديدة، رحبة واسعة متغيرة، فيها مغامرة، فيها روح، فيها وسامة. حياة تستحق أن يعيشها الإنسان. 

وفى ذلك اليوم كان قد انتهى من عمله قبل أن يحل موعد الانصراف من البنك الذى يعمل صرافا به، كان جالسا والأوراق المالية تحيط به من كل جانب، أوراق كثيرة تعد بعشرات الألوف، يفكر فى تلك الحياة الأخرى التى يحلم بها، والتى لابد موجودة فى مكان ما فوق سطح الأرض، ليس على الإنسان إلا أن يكون فقط جريئا وينهى حياته الخاملة تلك ويهرب إليها. = 

=وأمامه تماما كانت ورقة جديدة من فئة العشرة جنيهات، ورقة خارجة لتوها من المطبعة، ظل يتأملها ويغمغم لنفسه: نعم، كل ما أريده حياة جديدة كهذه الورقة، حياتى أصبحت كورقة نقد بالية ممزقة يرفض أن يقبلها أى بنك وأن يحياها أى رجل. 

وأمسك بالورقة. عشرة جنيهات! إنه يكره هذا الرقم. فاليوم هو 10 مايو. وهو يكره 10 مايو هذا كره العمى. إنه اليوم الذى ارتكب فيه أبشع خطأ فى حياته وتزوج. ترى كم عاما بالضبط مضت على زواجه. إنه لا يذكر ولا يريد أن يذكر، تكفيه ذكرى ذلك اليوم المشئوم. لماذا لم يمرض يومها أو أصيب بحادث، لماذا ظل صحيحا معافى، بكل قواه العقلية حتى وضع يده فى يد نسيبه وقال له المأذون: زوجتكما على سنة الله ورسوله. لماذا لم يصنع الصواب ويقول: طلقتكما. 

اليوم 10 مايو. أكل الزوجات مثل زوجته؟ أكلهن على هذا الطراز؟! مستحيل لابد هناك زوجات أخريات. نساء فاتنات رائعات، لا يتحدثن إلا همسا، ولا يرفضن طلبا، ولا تأتى سيرة المتاعب على أفواههن أبدا. لماذا لم يتزوج واحدة منهن. ما كان أجمل هذا. اليوم أيضا كان يصبح يوم الاحتفال بزواجه. وقطعا كان سيحتفل بزواجه , ولابد كان سينتقى لزوجته هدية ويفاجئها بها. أو يدللها أكثر ويجعلها هى تنتقى الهدية، وكل ما عليه أن يفعله هو أن يمسك بورقة من ذات الجنيهات العشرة كهذه، ويكتب على الدائرة البيضاء فيها: هدية إلى زوجتى العزيزة بمناسبة عيد زواجنا التاسع. 

والذى حدث أن صلاح كان قد أخرج القلم، وكتب الإهداء بخط أنيق على الورقة ذات العشرة جنيهات التى أمامه. وما إن فعل حتى أفاق لنفسه، ومضى يتأمل ما فعل. كان خطه أنيقا فعلا، وكانت كلمة زوجتى المكتوبة لها سحر خاص ورونق". 

(2) حذف كلمة «شديد». 

(3) حذف ما يلى «لابد أنها الآن اطمأنت أن الجنيهات الخمسة». 

(4) ما بين القوسين تكرار لجملة فى الفقرة السابقة. 

(5) حذف كلمة «الغالى» 

(6) إضافة حرف «أن». 

(7) حذف «لتعرف الموضة». 

(8) فى (قصة منسية): دنياه الحقيقية الجديدة. 

(9) الإبداع القصصى عند يوسف إدريس، ص 40. 

(10) البحث عن اليقين المراوغ، كتاب الهلال، دار الهلال، أغسطس 1998، ص 34-35.
تعليقات
0 تعليقات