الاثنين، مارس 23، 2015

قصتي المثيرة مع والدتي و الفرن الممتلئ الفارغ ( قصتي هذه حقيقية)

نشر بتاريخ :
قصتي المثيرة مع والدتي و الفرن الممتلئ الفارغ ( قصتي هذه حقيقية)


-خديجة علي الأحرش-
كنت في السادسة من العمر.. طفلة شقية.. عنيدة.. و متشبثة بآرائي رغم صغر سني..
و كانت أفكاري غريبة بالنسبة لوالدي..
وهده قصة من قصصي مع والدتي و أنا صغيرة..
كانت أمي تحب أن تبعث بالخبز إلى فرن الحي.. فهي كانت تحب الخبز الناضج على الحطب.. إذ كانت تعشق رائحته العبقة التي تنبعث منه و هو ساخن.. و الحقيقة أنه لذيذ جدا..
لكنها كانت تُقدم على أمر عجيب كلما همَّت بِبعث صينية الخبز إلى الفرن.. فتبعث عادة أخي الأكبر ليتفحص حال الفرن: أهو ممتلئ بصواني الخبز التي تنتظر دورها لتذخل لهيب الحطب، أم هو فارغ منها..
أنا ما فهمت يوما و أنا في ذلك السن، لماذا تصر أمي دائما على هدا الإجراء قبل بعث صينية خبزنا إلى الفرن...
المهم، حين كان يتواجد أخي في المدرسة.. لم تكن أمي تجد بُدّاً من بعثي أنا لأتفحص لها أحوال الفرن.. و كانت تفعل ذلك مُكرهة.. و عن قلة حيلة.. فهي تعرف و عن يقين أني سأتعبها بفلسفاتي الصغيرة..
وما إن تأمرني بالذهاب حتى تشدد علي في القول و هي تلحقني من المطبخ و حتى باب المنزل:
-" اِذهبي و احترسي في الطريق و لا تحدثي الغرباء.. و لا تنشغلي باللعب و تتركيني أنتظر.. و انتبهي، فأنا لا أريد أجوبة مبهمة.. قِفِي عند مذخل الفرن و انظري جيدا بأُمِّ عينيك هل الفرن ممتلئ بصواني الخبز التي تنتظر دورها، أم فارغ منها"..
هده المهمة كانت صعبة كثيرا بالنسبة لي.. كانت أشبه بالإشكالية في نظري وقتها.. فسؤال أمي محدد و دقيق: هل الفرن ممتلئ أم فارغ؟.. جوابان لا غير لسؤالها: ممتلئ.. أو فارغ..
كنت أنطلق نحو الفرن.. و كان قريبا من المنزل.. لكني كنت أقضي و قتا طويلا في الوصول.. فلم أكن أريد أن أصل إليه  أبدا.. لأنني كنت أعود لأمي دائما بنفس الجواب.. الجواب الذي يُجن جنون أمي حين تسمعه مني..
أصل في النهاية إلى الفرن.. و أبدأ برصد فضائه.. فأقع في ورطة كبيرة..
- يا الله، سأعود لأمي بنفس الجواب الذي أقوله لها دائما.. و ستغضب مني كالعادة.. ماذا أفعل؟..
الغريب أني لم أحاول يوما أن أرضي أمي و أقول لها الجواب الذي يرضيها.. لسبب بسيط أن عقلي كان مقتنعا قناعة تامة أن الذي أقوله هو الصواب.. و لم أستطع يوما  أن أنقل لأمي إلا ما رآه عقلي..
أنتهي من تفحص الفرن، هدا التفحص الذي أقضي فيه ربع ساعة و أكثر.. أصارع فيه عقلي.. هل أنا مخطئة أم أمي هي المخطئة؟.. أمي كبيرة لا يمكن أن تخطئ.. أنا أيضا لست مخطئة.. ما أراه هو ما يراه عقلي و ما أراه حقيقي و ما يراه عقلي بديهي..
أعود أدراجي إلى المنزل.. و لكن بخطى بطيئة.. و عقل متأمل.. و منشغل حتى آخره..
-"يا الله، كم أكره أن أقف أمام أمي و أقول لها نفس الجواب دائما.. و أغضبها كما هي عادتي دائما"..
- ها أنذا عدتُ يا أمي..
- كيف وجدتِ الفرن؟..
- ممتلئ بعض الشيء و فارغ بعض الشيء..
- يا ربي.. ماذا أفعل معك؟.. ألا تستطيعين أن تنقلي لي معلومة بسيطة.. و تجيبينني جوابا بسيطا عن سؤال غاية في البساطة؟..
- والله يا أمي: الفرن ممتلئ بعض الشيء و فارغ بعض الشيء..
- لن أبعثك مرة أخرى لتتفحصي الفرن.. هده آخر مرة..
لكنها كانت تبعثني رغم ذلك حين لا يتواجد أخي الأكبر في البيت.. آملة في كل مرة أن أكون قد تعلمت.. و لكن دون جدوى.. كنت مصرة دائما على رأيي.. فممتلئ بالنسبة لي هو أن أجد الفرن مملوءا عن آخره بحيث لا مكان لِصينية خبز أخرى.. و فارغ بالنسبة لي أن لا أجد في الفرن أية صينية خبز.. و أنا كلما ذهبت أجد الحيز الأمامي من الفرن ممتلئاً بصواني الخبز.. و الحيز الخلفي فارغاً من الصواني.. فلا أستطيع أن أقول لا فارغا و لا ممتلئا..
ومرت الأيام و السنين.. و اطلعت على علم النفس.. و عرفت أني كنت محقة و أنا صغيرة.. و أن إصراري الدائم على جوابي.. كان ينم عن ذكاء و نظرة واسعة في النظر إلى الأمور من زاوية كبيرة.. فقد أدركت أني و أنا صغيرة، كنت من الناس الذين لهم القدرة على رؤية الجزء الممتلىء من الكأس و الجزء الفارغ منه.. و أنا استطعت ذلك في إدراكي  لقدرتي على رؤية الحيز الممتلئ من الفرن و الحيز الفارغ منه.

تعليقات
0 تعليقات