الجمعة، فبراير 27، 2015

صور" المدرس المغربي (ج1).

نشر بتاريخ :

    صور" المدرس المغربي (ج1)

يوسف أبال

يوسف أبال-جريدة الأستاذ
في كتابه المعنون ب"صور المثقف" يأخذنا الباحث المغربي: يحيى بن الوليد في سياحة فكرية عنوانها البارز: "قراءة في الفكر السياسي عند المهدي بن بركة". إذ في دراستين اثنتين جمعتهما دفتي هذا الكتاب ،أمكن لكاتبنا تبيان بعض "دلالات المثقف" في فكر المهدي بن بركة؛ من خلال التمظهرات الدالة على ذلك.كما أمكنه كذلك مقاربة هذا الفكر من زاوية نقدية؛ وذلك باستناده على شهادات مثقفين من طينة محمد عابد الجابري،المهدي المنجرة، عبد الله العروي على شخص الشخصية المحورية في الكتاب.
   و جدير بالذكر أن غايتنا في هذه المقالة ليست هي "تقديم قراءة للكتاب الأنف الذكر".فنحن أتينا على ذكر الكتاب المشار له، فقط من باب توضيح العنونة التي أسندناها لهذه المقالة، و التي استعرنا مدلولها الوظيفي هنا. أقصد "صور المدرس المغربي".

   منذ أسابيع متتالية من بحر الشهر الجاري، نطت على ساحة مواقع "التواصل الاجتماعي" مسألة: سلوكيات المدرس؛سواء الصادرة منه أو الموجهة صوبه. و لأنه كما يقال:" حينما تسقط الذبيحة تتكاثر من حولها السكاكين"، فنفس الأمر طرأ لشخص المدرس حينما تم تسريب "أشرطة فيديو" - مصورة من داخل مؤسسات تعليمية - مبتورة السياق، و تم تداولها و تأويلها كما اتفق.
   ودعنا نقول، أنه لسنا هنا نبتغي مرافعة قضائية أو ردود فعل دفاعية عن شخص "المدرس". لسنا نريد غير مساءلة هذه الظاهرة المشار لها أعلاه؛ نسائلها من خلال تمظهراتها و ردود الفعل التي تثيرها.هذا بالجملة ما تتغياه الأسطر المتبقية.
    من الملاحظ أنه كلما طفا على السطح حدث/سلوك يسيء لشخص "المدرس" ؛سواء من جهة تموقعه في مكان "الفاعل" أو "المفعول به" ،إلا و تراءت لنا، من وراء الخرجات الكلامية أو الكتابية، "الصور" المستبطنة و المُتَمثَلة حول هذا الشخص/المدرس. صور/تمثلات بألوان مختلفة و من زوايا التقاط متعددة و بعدسات فكرية مختلفة.
وعليه،يفرض علينا هذا الواقع ،الموصوف سلفا ،مساءلته عوض الانفعال /التفاعل العاطفي معه. و للتوضيح أكثر،فمسألة المساءلة عندنا تتلخص في الأسئلة الآتية: كيف و لماذا تكونت تلك الصور حول شخص المدرس؟.إلى أي حد تعكس الصور المأخوذة حقيقة الأمر؟.متى تنتهي صفة "البشرية" في شخص المدرس و متى تبتدئ فيه صفة "المدرس/المربي"؟.ما هو حجم "الايدولوجيا" داخل كل نمط "تصويري" يُوضع فيه المدرس؟.
    بالفعل،هي أسئلة ترتقي في غالبيتها إلى درجة الإشكاليات المعقدة،هذه الأخيرة التي لا تسعها وتحدها بحوث متعمقة؛ فكيف بمقالة أو مقالات أن تفعل ذلك.بيد أنه نخال أن في إثارة مثل هذه المسائل بداية تلمس الطريق الصحيح.
 و لأن البدايات هي الأصعب دائما؛فحسبنا هنا أن نحاول الترقي على ذلكم الأصعب.
    كملاحظة أولى نسجلها بجانب تلكم الأسئلة،هي تلك المتعلقة بالتصنيف الذي يمكن أن نعطيه "للصور" التي أنتجت/تَمُثِلَت حول سلوكيات المدرس التي تضمنتها مجموعة من تلك الأشرطة/الصور المنشورة إعلاميا، و التي دخلت الوزارة الوصية في خط الرد عليها.هذا التصنيف "الصُوَريُ" يمكننا تسميته ب"التصنيف  الثلاثي".
الصنف الأول :صُور تَرَى "المستقبل في الماضي".
الصنف الثاني: صُور ترى " المستقبل في حاضر الآخر".
الصنف الثالث: صُور" نَزقِية غير مُتموقِعة".
   من اللافت للنظر، أن ثمة فئة عريضةكلما أداع منبر إعلامي خبر ما يمس "الصورة النمطية/المؤدلجة للمدرس"، إلا       و قامت هذه الفئة تتغنى بصور – نسبية الصحة- تكتنزها في ذاكرتها عن "مدرس الماضي" (الماضي القريب الذي نحدده من فترة ما بعد الاستقلال إلى حدود نهاية القرن العشرين).. وكذلك تقوم هذه الفئة بشن حملتها الثانية بعد تلكم الأولى؛حيث تكيل سيلا من "الشكاوى التي تقرأ فيها صلاة الجنازة" على حاضر المدرس خاصة، و التعليم المغربي بصفة عامة. إن هذه الفئة و صورها الملتقطة عن شخص "المدرس" هي من تمثل الصنف الأول.هذا الأخير الذي قلنا فيه بأنه الصنف الذي"يَرَى المستقبل في الماضي"؛إذ ترى –هذه الفئة-  المدرس النموذجي للمستقبل، هو ذاك الذي صورته لها عدستها المتجهة صوب الماضي. هذه العدسة التي تظهر لنا – بشكل مشكوك في أمره- أن مدرس الماضيأنهأ لم يكن يعرف عنه غير الانضباط و حسن الأخلاق،وكذا هو ذاك المدرس الذي كان الكل يقبل يديه، و حينما يصادفه تلميذ ما ترتعد فرائسه .
    هذا من جهة، ومن جهة أخرى فصور المدرس عند هذه الفئة، تنضاف لها ألوان تصويرية أخرى.فالمدرس المضغوط في عدسة الماضي عند هؤلاء،كان لا يعرف عنه شيء آخر أكثر من أنه "معلم/مدرس" لا غير. أي كانت علاقته محدودة مع الأطراف المباشرة له ،مما شكل منه عنصر غموض للآخرين.
هذا باقتضاب ما تقدمه لنا هذه الفئة من "صور" عن المدرس. لكي يبقى السؤال متعلقا بعد، بالنقد الذي يمكن أن يوجه لأصحاب هذا التيار "التصويري".
    مما لا ريب فيه، أن مثل هذا الفكر الاختزالي "الملحمي" هو من بين تلك التيارات الفكرية التي يتوقف "التاريخ/الزمن عندها" ؛ و تصبح عقولها كسهام متجهة للوراء. بمعنى آخر، هي الصنف الذي تغيب عنده مسألة:"التاريخانية"، هذه الأخيرة التي ترمي حصر الظواهر المدروسة في إطارها الزمكاني؛أي ربطها بالظروف المنتجة لها دونما إسقاطات.
    و تأسيسا على ما فات، يمكن القول أن "قضيتي التطور التاريخي و انتقاد هذا التطور" يتم تغيبهما لدى الفئة الممثلة للصنف الأول،لكي يتم تعويضهما ب "بكائية" مرضية تزيد من وطأة الحال و لا تشفيه.
 فأبسط مثال على حكمنا السالف الذكر،نجد أن استحضار عامل "الثورة" الحاصل في ميادين: "الاتصال، التواصل ، المعرفة ، القيم"،يتم تخطيه و القفز على استحضار بعده التفسيري لدى تلكم الفئة.إننا حينما نقول أن "مدرس الماضي" كان "مقدسا" لدى من جايله، وكذا كان عنصرا "مركزيا" لديهم ، فهذان المعطيان – القداسة و التمركز- ليسا عنصر  إعجاز خُلق من فراغ؛فعوامل نزع "القداسة" و منافسة "التمركز"، لم تكن توافرت آنذاك كما هي اليوم. و بالتالي فالفضل في تلكم الصورة "الماضوية" لا يمكن نسبه  لشخص المدرس بالاستحقاق الكامل؛فالمناخ الذي أنتجته و وفرته ظروف     و أسباب تلك المرحلة التاريخية، ما كان ليشكل إلا ذلكم النمط "لشخصية المدرس" الذي هو تتغنى به هذه الفئة. هذا إن افترضنا جدلا أن الصورة المنسوجة من قبل هذه الفئة موثوقة المعطيات.
   و نشير أننا هنا ،لا نريد أن يُفْهَم من كلامنا أننا نقول بأن "الثورة" الحديثة يمكنها أن تبرر "ما ينشر من سلوكيات أستاذية"تقابل بالرفض، بل كل ما نريد قوله هو: أن عَتمة الماضي و محدودية ظروف "المعلومة" فيه، هي و غيرها من العوامل، من أنتجت لنا تلك الصورة "الطاهرة" عن شخص المدرس. كذلك نريد أن نقول أننا لا ننتقص من قدر "مدرس الماضي" ،بقدر ما نريد أن نُفْهِم أنصار هذا التيار "الماضوي" بأن من يريد أن يعيش "حاضره" فيلزمه نزع جلباب "القداسة" عن ماضيه؛كي لا يغرق في فكر "الاسترجاع" الذي يُسَوِد صور الحاضر و يضيع علينا فرصه.
    و كذلك نحن إذ نقول ما أسلفنا، لا يفوتنا التذكير بأن عملية نزع "طابع القداسة" عن الماضي لا تتم بالانحلال            و الانسلاخ و التنكر له، بل بالنقد البناء؛ الذي يميز ما بين "الفكرة الميتة التي فقدت و جودها بزوال ظروفها، و الفكرة الحية التي لا يزال المناخ صالحا لاستنباتها" على حد تعبير المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي.
     وبناء على كل ما مر بنا، يبقى السؤال الحري  طرحه هنا هو: كيف يمكننا إعادة تشكيل "صورة المدرس المغربي"،المتوافق حولها   و المقبولة عن شخصه، من رحم ظروف الحاضر المتمايز عن الماضي و ظروفه؟.ذلك مادام الحال هو أن صور"شخصية المدرس" لا تسترجع و فق قوالب الماضي، بل هي يتم تشكيلها و فق "سنة التطور التاريخي".هذه الأخيرة التي هي سنة تأتي ما بين المنزلتين؛ منزلة  القطيعة التاريخية، ومنزلة الجمود/الاستقرار التاريخي.

للمقال صلة.
تعليقات
0 تعليقات