الأربعاء، ديسمبر 17، 2014

مشاكس و لوذعي

نشر بتاريخ :

مشاكس و لوذعي

بشرى عرقوب
بشرى عرقوب -جريدة الأستاذ
هو في العاشرة من عمره الفتى الذي حير والديه و أساتذته و أهل الدوار قاطبة.. أباضاي الحارة.. إسمه يدب الرعب في أطفال القرية و أحيانا الكبار.. يترك "حوسا" الحصة بحجة الذهاب إلى المرحاض الذي لا وجود له أصلا و الذي استبدله تلاميذ المدرسة بخرابة "ورا الرومبلي"  "يتبوؤوا" فيها أجمعين.. رغم انقتاحها على المحيط -كونها لا سقف لها و لا جدران- إلا أنها تخضع لقوانين موضوعة لا تنتهك حرمتها.. فقضاء الحاجة هناك مضبوط بالدقيقة و الثانية، و التناوب بين الذكور و اﻹناث أمر مفروغ منه  "ليديز فورست طبعا".. تتحدى بذلك قواعد اﻹتيكيت ﻷرقى المطاعم و الحانات.

يغادر " حوسا" القسم كل صبيحة ليتفقد المنزل المهجور بالجوار، مرتع سكارى و عرابيد القبيلة كل ليلة.. يزدرد ما تبقى من قناني الجعة و النبيذ ثم يقصد الفصل من جديد هادئا منتشيا على غير عادته و عيونه تشع بريقا و أملا و حياة حلوة لمن يفهم تناغيمها فقط.. يعود و كأن شيئا أبداً لم يحدث.
نادرا ما يدخل " حوسا" الفصل نظيفا و مهندما.. يرتدي قميصا مفتوح الياقة و جيلي أسود اللون.. كموظف في الثلاثين استلم راتبه للتو.. متأبطا محفظته العتيقة التي ورثها بالتقادم من أكبر إخوته.. لكن ذات صباح استوقفتني تسريحته الغريبة نوعا ما.. فالحلاق الذي قصده باﻷمس حلق له جانبي الرأس فقط و حددهما بخطين رفيعين بالموس بناء على طلبه طبعا.. أخبرني أن التسريحة تلك آخر صيحات الموضة و يطلق عليها اسم "الخطيط".. على ما يبدو أنها تفيد الدماغ أيضا و تجعله يقظا نبيها بدليل أن الفتى على غير عادته يحل مسألة في الرياضيات دون أخطاء بل و يفدم المساعدة ﻷقرانه أيضا.
يطلب اﻹذن للذهاب إلى المرحاض و ككل مرة أسمح له بالخروج على أمل رؤيته في الغد "صحة سلام" أعرف أنه لن يعود إلا في صباح الغد.. أومئ له برأسي إيجابا و أهمس له كالعادة "متغبرش" ثم أسترسل في شرح الدرس على إيقاع طقطقات حذاءه "البوط".. يتقدم نحو الباب بخطوات تصدح بالثقة.. نافخا رقبته فاتحا صدره للريح كجندي منضبط في مارش عسكري.. نافشا ريشه كديك شركسي بالكاد خرج من خم دجاجاته منتشيا بفحولته.. يده في جيب سرواله الجينز "يقرقش" بأصابعه بعض الصريفات التي وفرها من بيع زيتونات شاردة استلقطها من حقول الفلاحين كنوع من أنواع "البريكول" و الاعتماد على الذات.. رغم أن تقاطيعه الحادة تنم عن نباهة و ذكاء منقطعي النظير إلا أنه لا يفقه إلا في إرهاب الفتيات و قطع الطريق عليهن و سلب اﻷطفال دريهماتهم القليلة..، يهوى بشدة اصطياد العصافير ب"الكاري".. قلما يخطئ الهدف لتخترق القذيفة نافذة منزل عمه اللدود.. و بضربة مرتدة تهشم كأس الشاي اليتيم الذي يرتشفه بسادية ﻷكثر من ساعة.. ينتفض العم ليلتقط الحجر مزمجرا بكلمات الوعيد و العقاب اﻷليم حال ما يقع "المسخوط" بين يديه.. ما عساه يفعل به أكثر مما فعله الزمن بكليهما.. فالعائلة برمتها تسبح في فقر مذقع لا يدركه سوى الكبار أما الصغار من بني جلدته فلا يعرفون من الحياة سوى أنها ممتعة و أنها ستهديهم مزيدا من اللعب المتواصل في جوف قريتهم المرمية على قارعة الوطن.. وطن متسع فسيح.. لكن رغم وساعته فهو لا يملك منه سوى ركن متهالك مهترئ متردي و نطيح.. في أوقات فراغه "حوسا" لا يطالع القصص المسلية.. و لا يشخبط على الورق بأقلامه الملونة التي لا يملك منها سوى قلم رصاص مقزم حتى لا يكاد يرى بالعين المجردة..، هو لا يفتح محفظته أصلا.. عندما يتعب من هش حمار جده الهزيل جيئة و ذهابا ذهابا و جيئة في ساحة المدرسة التي بلا سور و لا بوابة.. يقصد نوافذ الأقسام المكتظة.. يقرع زجاجها على التوالي بخبطات عشوائية ثم يطلق ساقيه للريح و كأن لا أحد يعرف هوية الفاعل..، أيام اﻵحاد يضرب كل أقرانه ثم يأتي في الغد ليشتكي من محمد و حمزة و مراد و بلال بحزن و أسى يكفيك لتصدقه و تتضامن معه.. كل اﻷطفال أعداؤه و في الغد يصبحون بقدرة قادر أصدقاءه الحميمين و بعد غد ألد اﻷعداء و هكذا دون أن يمل أو يكل..لا أحد غيره يقرر و يتأمر و يوزع اﻷدوار كضابط مختال برتبته يترأس جنودا في ثكنة معزولة في قلب صحراء..
اﻵباء نفذ صبرهم من بطش الفتى اللوذعي بصغارهم.. و الفلاحون يشتكون من تطفله على شجيراتهم الهزيلة..أما "حوسا" فلا يبالي بهذا و ذاك.. يلملم نفسه من بقايا الشغب و من زعقات الشيوخ.. و يمضي لحال سبيله مستغربا حديث القرية.

إقرأ كتابات أخرى للأستاذة بشرى عرقوب
تعليقات
0 تعليقات