السبت، ديسمبر 20، 2014

متى ستتم محاسبة المفسدين في المجال التعليمي؟

نشر بتاريخ :

متى ستتم محاسبة المفسدين في المجال التعليمي؟

بشرى عرقوب -جريدة الأستاذ

بشرى عرقوب -جريدة الأستاذ
و أخيرا ستتم محاسبة وزير الرياضة بسبب فضيحة عشب الملعب الذي غمره المطر و طفحت أرضه بالمياه في إحدى مباريات مونديال اﻷندية.. ما أروع هذا الخبر!..حقا من أروع ما قرأت.. ما جعلني أتساءل متى ستتم محاسبة وزير التربية الوطنية هو اﻵخر لقراره منعي و زملائي من استكمال دراستنا.. متى ستتم محاسبة كل أولئك الوزراء الذين تناوبوا على حقيبة التربية و التعليم طيلة عقود من الزمن كما يتناوب السكارى على جسد بائعة هوى رخيصة (مع احترامي لبائعات الهوى).. أولئك الوزراء الذين قهقرونا ﻷزمنة غابرة بقراراتهم الجائرة و قنزحيتهم.. لماذا لا تتم محاسبة المسؤولين عن تطويع المعلمين لسنوات في غياهب الجبال النائية..
و التي ظننا أننا سنقضي بها سنة أو سنتين على اﻷكثر ثم نلتحق بقرانا اﻷقرب فاﻷقرب.. فتمر السنون لنجد أنفسنا و قد أمضينا عشرات السنين في قسوة الفيافي نتجرع مرارة البعد و الحرمان من أبسط شروط العيش الكريم.. لماذا لا تتم محاسبة المسؤولين عن الحالة المزرية للأقسام التي تغرقها مياه اﻷمطار  و الثلوج كل شتاء و تأتيها القطرات من فوقها و من تحتها و من بين جوانبها ثم تؤرجحها الرياح التي أزاحت جل نوافذها و أكملت "بهاء" أسقفها المشققة حتى صرنا ننقل العلم في الطين و في أقسام "ديكابوطابل".. لماذا لا تتم محاسبة المسؤولين عن عدم توصلنا بحطب التدفئة في مناطق تبلغ برودتها درجات تحت الصفر ﻷمضي ست سنوات و أنا أرى تلاميذي يذرفون الدموع كلما أرادوا حمل القلم من شدة تجمد أصابعهم.. و أنا أتقرح لرؤيتهم يتلحفون أغطية رثة متآكلة داخل فصول بئيسة معلقة فوق تلال ترنحها الرياح الهوجاء يمنة و يسرة.. و أنا أتقرح لرؤيتهم ينتعلون أحذية بلاستيكية في عز الثلج.. لو كانو يمشون على أسلاك كهربائية لكان أعزل و أأمن لهم من المشي بنعال البلاستيك على الثلج و الجليد و هم يرتدون ثيابا بالية فوقها أغطية نوم لشدة فقرهم و عوزهم عن تأمين معاطف تقي أجسادهم الضئيلة القر الشديد.. لماذا لا تتم محاسبة المسؤولين عن ضياع سنوات من عمري و رفض طلباتي المشروعة للانتقال و ذبول زهرة شبابي في جوف قرى منسية مرمية على قارعة الوطن وسط مساكن لا تصلح حتى ﻹيواء الجرذان تحت سقف من قش و حصير.. لماذا لا يحاسب المسؤولون عن هدر كرامتي كمعلمة و مربية أجيال و أنا أعيش في بيت مليء بالفئران و الهوام.. أتقلب في سريري ﻷتحسس جرذا متسللا تحت دثاري.. أرديه أرضا بيدي و أنهي حياته بصندل بلاستيكي.. و أنا أنزع البطارية من ساعة الحائط كي لا أجن من تكتكاتها في صمت الفراغ القاتل.. و أنا أذوب في جلدي كلما أردت تلبية نداء الطبيعة في وكر يشبه المرحاض.. حفرة منفصلة عن شبه المنزل الذي أقطنه حيث يلزمني ﻷصل إليها مركبة ثلجية كمركبة "بابا نويل" تحميني من الغوص حتى ركبتاي في ركام الثلج.. أتزحلق و أسقط أتزحلق و أسقط فتتقرح عجيزتي و يتصلب جسمي الطري من سم البرد..


 سيحققون في مهزلة العشب! أخبروهم أيضا عن مهازلنا الجليدية التي لم تسطع عليها بعد شمس لتذيبها.. عن حال التعليم هناك.. عن الوطن حيث اللاوطن..حيث علمتني الحياة أن الوطن حيث يشعر اﻹنسان بسعادته و إنسانيته.. عن معاناة زميلاتي و زملائي.. عني و أنا أذوب في جلدي رعبا و ترتعد فرائصي كلما سمعت حشرجة نعال عرابيد القرية الذين يحيطون بمنزلي و يتسمرون أمام بوابته في حلك الظلمة لمجرد كوني معلمة رمت بها اﻷقدار للعيش بمنأى عن موطنها و ذويها..



   سيعلقون أنشطة الوزير بخصوص التظاهرة الرياضية بسبب فضيحة الملعب! و سننتظر ليعلقوا بقية المسؤولين بسبب فضيحة القناطر و تدهور طرقات بلادنا و حالتها المخجلة المؤسفة التي زادت مغربنا العميق عزلة و بؤسا.. متى سيعلقوا المسؤولين عن هدر ميزانية المدارس و المساكن الوظيفية حتى صار المعلم بدون سكن لائق.. حتى صرنا نجاور القبور و نرثي حالنا كل ليلة.. مدفونين بالحياة نعيش ببدائية مخزية في أحضان قفار يصل ارتفاعها ﻷلف و ثمانمئة متر فوق سطح البحر.. تتفتق أصابعنا من فرط البرد القارس و تنقطع بنا السبل إلى ديارنا كلما زخ المطر و هبت الثلوج لندفن من جديد و نصارع الجوع و القنط في غياب المؤن إلا من بطاطس مكركبة مما تجود به علينا أرض يتيمة جدباء و ساكنة أبية آنفة تسلم أمرها لربها فقط.. متى سيحاسب المسؤولون عن نفيي و أخريات كثر لدهر من الزمن و إبعادنا عن ديارنا بسبعمئة كيلومتر أو يزيد  و إجهاض حلمنا البسيط في تكوين أسرة و استقرار بعيد المنى كتب له الوءد لسنين إلى حين ميسرة.. إلى حين يشيب شعرنا و تفتر كل رغباتنا..
متى سيبث في كل هذا و ذاك مما ذكرت و ما لم أذكر بعد ﻷن أناملي تعبت من الرقن على الكيبورد.. و ﻷني أراعي حساسية و مشاعر قرائي..
لماذا يعلقونا نحن دوما.. يسقطوا كل صوامع البلد و يعلقوا المعلمين لمجرد جرة قلم أو فسحة رأي نخفف بها من لهيب المرارة في بواطننا.. حاسبونا لأننا منحنا النور شيئا من التقدير و لأننا اخترنا  مهنة شريفة.. ذات غفلة و ذات وجع.. أغرقونا نحن و ادفنونا، و اتركوا المسؤولين.. كل المسؤولين.. يرتعون و ينعمون بمغربهم و فيللاتهم المزخرفة و فنادقهم المصنفة.. يجتمعون في قاعاتهم الفخمة المكيفة ليتأملوا فسيفساءها و يتداولوا مصائرنا الحطيطة فيسحقونا أكثر فأكثر تحت كعوب أحذيتهم الباهظة و موزاييك بلاطهم الفاخر.. تماما كما يسحق العنجهي عقب سيجارته بعد أن استل منها آخر نفس لينفث دخانه بعيدا عن أرنبة أنفه المعنطز... إنها المهزلة بل هي مأساة وطن و فجيعة أمة.

إقرأ كتابات أخرى للأستاذة بشرى عرقوب
تعليقات
0 تعليقات